الزغاوة تاريخ وتراث 10
01-05-2013 09:33 PM

الزغاوة تاريخ وتراث (10)

هارون سليمان
[email protected]

من التراث الشعبي لقبيلة الزغاوة
العادات والتقاليد: العادات : هي مجموعة السلوكيات الثقافية التي تخص مجتمع معين وترثها الأجيال عن بعضها البعض والتي تميزها عن بقية المجتمعات أي الأنماط السلوكية المكتسبة عن طريق التعود والتكرار أي العادات المتوارثة التي يقلد فيها الخلف والسلف.
إن عادات وتقاليد الزغاوة مأخوذة من القيم والموروثات الاجتماعية التي ورثت هذه القبيلة من الآباء والأجداد.
لبس الزغاوة :كانت الزغاوة في الحياة البدائية يلبسون الجلود المدبوغة ومع تطور الحياة قاموا بزراعة القطن في مزارع صغيرة تسمى عند الزغاوة بـ(قونده) حيث يصنعون من القطن أقمشة بطريقة يدوية تسمى( توكوي) ويفصلون من هذه الأقمشة ملابس للرجال والنساء وبظهور الصناعة بدأت الزغاوة في جلب الأقمشة لصناعة الملابس ،أما الغطاء أثناء النوم فكانوا يتعمدون على الجلود المدبوغة لوقاية أنفسهم من البرد حيث يقومون بحياكة مجموعة من جلود الضأن المدبوغة في مكان واحد تسمى (إي) ليغطوا بها أنفسهم قبل ظهور البطانية والأقمشة ، أما الأحذية فكانوا يصنعون من جلود البقر والإبل يدويا (اربت كبيه جونك ) وما زال عدد كبير منهم يلبسون حذاء( المركوب) حتى اليوم إلى جانب المصنوعات الجلدية والبلاستيكية الحديثة.
اللثام عند الزغاوة : هو عبارة عن عمامة توضع بطريقة خاصة حسب طول وعرض معينين لتغطية الرأس والفم تماماً ،بحيث لا يبقى إلا العينان.
قد يفسر الكثير ظاهرة اللثام عند الزغاوة كظاهرة من ظواهر التنكر وإخفاء ملامح الوجه ولكن اللثام عند الزغاوة وخاصة فرع البديات الذين يسكنون في الصحراء كانت وما زالت جزء من متطلبات البيئة الصحراوية فالزغاوة يلبسون اللثام لأسباب بيئية وظروف مناخية قاسية في بيئتهم الصحراوية وأن العواصف الرملية والأتربة تملأ جو الصحراء فترة طويلة من العام ،لذا استلزم الأمر إلى أن يغطي الرجل رأسه بعمامة من القماش ويلفها حول رأسه بإحكام عدة لفات حتى لا يظهر من وجهه سوى أهداف عينيه ليرى بهما ،مبقيا إياه طول النهار، بل اعتاد بعضهم بأن ينام متلثما ، لوقاية نفسه من الغبار والأتربة والزوابع الرملية وكنوع من التكييف مع البيئة كغيرهم من شعوب الصحراء كالقرعان والطوارق في جنوب الجزائر وشمال مالي والنيجر وبعض القبائل في موريتانيا وجنوب المغرب، فأصبح اللثام من التقاليد والعادات والطقوس في البيئة الصحراوية ، حتى الضباط الفرنسيين في فرق الهجانة الصحراوية كانوا ملثمين ،حيث أصبح اللثام يأتيهم من مخازن وزارة الدفاع في باريس كجزء من البزة الرسمية الفرنسية المعتمدة . كما ربط بعض شعوب الصحراء اللثام بالحياء حيث مدح أحدهم دولة المرابطين التي كان أمراؤها من الملثمين بقوله :ـ
قوم لهم درك العلا من حميرٍ ** وإن أنتم صنهاجة فهم همُ
لما حووا إحراز كل فضيلة ** غلب الحياء عليهم فتلثموا
غسيل الملابس : قبل ظهور الصابون كانت الزغاوة يستخدمون ثمار شجرة هجليج وقشرة بعض الأشجار كالقفل والكتر لغسل ملابسهم ،أما الأواني التي يستخدمونها في غسل الملابس هي مصنوعة من الخشب أو فوق الجلود المدبوغة قبل ظهور الأواني المصنوعة من الحديد والبلاستيك .
السكن: قديما كانت الزغاوة يعيشون في مجموعات صغيرة ويسكنون في الكهوف وقمم الجبال خوفا من الغارات القبلية والحيوانات المفترسة ثم بدأت الحياة المتنقلة في البادية (الفرقان) في منازل تحت الأشجار ثم تطورت الحياة فبنو منازل من الأعشاب والخشب (قطية) حيث يقومون ببناء عدد من القطاطي أي قطية( للنوم ـ المطبخ ـ للبنات ـ للأولاد ـ للضيوف ) بالإضافة إلى الحمام وعدد من الرواكيب جمع راكوبة وهي مظلة للاستراحة ،فضلا عن بناء سور مستطيل أو دائري من الحطب أو الأعشاب حول القطاطي حتى لا يرى ما بالداخل.
هكذا عاشت قبيلة الزغاوة في حياة بسيطة وغير مكلفة في مساكنهم التقليدية في البادية والقرية أما في حواضرهم وقراهم النموذجية، فتجد المباني الحديثة ومعالم التمدن والحضارة ولكن تنقصها التخطيط والتنظيم حتى الآن .
الغذاء أو الأكلات الشعبية عند الزغاوة :ـ
تعتمد كل فرع قبيلة في غذائها على الأطعمة الشعبية التي تنقسم إلى خمس مجموعات غذائية رئيسية هي :
1. الحبوب وثمار بعض الحشائش والخضروات : فمن الحبوب والخضروات نذكر الدخن(باقا أو إنقا) ، الذرة بأنواعها (كوريه) ومن ثمار الحشائش الموسمية نجد (سابا أو الضفرة ، بوقو أو الكوريب ، بوبو). فمن هذه الحبوب تصنع العصيدة (قو) بأنواعها (قو مارا ، قو تير ، قوقور ) بالإضافة إلى تقو تادور أي أم دفان ، مديدة ،عجينة ،حرقا أو الدشيشة ، بوبو أو النشاء ، بلي أو البليلة . ومن الخضروات نجد الباميا (جاري)،الطماطم (بنادورة) ،الكردي(أنقارا) ،الفول ، السمسم (كوري)، كوال(كادي) ،ملوخية ( جاري جير) ،لوبيا (كوجور)، رجلة (بي ناوس) ،عيير ، البصل ، الجرجير ، فجل ، شمار ، فول المصري . ومن الخضروات تصنع الملاح أو الإيدام لتؤكل مع العصيدة وللملاح أنواع كثيرة (باميا ، روب ، كوال ، مرس ، لوبيا ، عيير ، تقلية ، أمبلوط ، سمك ..الخ) ويضاف في الملاح البهارات والشمار والسمن والملح واللحم المجفف أوالشرموت(در). والجدير بالذكر أن وجبات الطعام الرئيسية في الريف والبادية وجبتان (الفطور والعشاء) .
2. الألبان ومشتقاته : يشكل اللبن (أوء ow) غذاءً متكاملا ومشتقاته متنوعة وكثيرة ومصادره تنحصر في الأبقار والنوق والأغنام والنعاج .ويمكن شرب الحليب دون غليه آنذاك ولا يسبب الحمى المالطية كما هو الحال في بعض البلاد لأن حيوانات الزغاوة لا تتغذى من الأعلاف بل من المراعي الطبيعية .وكانت الألبان تصب في أحواض كبيرة بعد استخلاص السمن ليشرب منها الكلاب والخيل حيث لا توجد في تلك الفترة من يبيع اللبن لأن الجميع في المنطقة يمتلكون مصادر اللبن أي (الحيوانات).وهناك مسميات عدة للبن في صوره المختلفة منها (الحليب (أوء تاء) ، الروب (أوء تامو) ، البركيب (أوء كير) . ومن مشتقات اللبن السمن (بورو أو بدو) ، الزبدة والجبن ويستعمل دقيق الدخن لاستخلاص السمن من اللبن . ويدخل اللبن والحليب في العديد من الأطعمة والأكلات كالعصيدة والعجينة ....الخ .
3.اللحوم (أني ani ) تنحصر مصادر الحصول على اللحوم لدى الزغاوة في الآتي :ـ
أ) لحوم الأبقار والأغنام والجمال : لم تنتشر الجزارات في دار الزغاوة على نطاق واسع وذلك لعدم الحاجة إلى شراء اللحوم لسهولة الحصول عليها بطرق مختلفة ،كما أن الزغاوة لا ينحرون الإبل ولا يذبحون الأبقار لأكل لحومها في الأوقات العادية بل يذبحون الضأن والماعز ولكنهم كثيرا ما يذبحون للمناسبات الكثيرة التي تمر عليهم خاصة إكرام الضيوف حيث يقوم المضيف بذبح شاة ولو كان شخصا واحدا ،ويعاب على الزغاوي الذي يأتيه الضيف ولا يذبح له وفي حالة وجود الضيف يدعو المضيف جيرانه وأهله في القرية أو الفريق ليتناولوا الطعام مع ضيفه وكان الزغاوة يتبارون في الكرم والضيافة . كما يتم تقطيع جزء من اللحم إلى شرائح رفيعة وتعلق لتجف بالشمس (دير) واستخدامها في صنع الملاح .
ب) لحوم الحيوانات البرية : نسبة لكثرة الحيوانات البرية في الغابات والبراري آنذاك ،فإن الزغاوة كانوا يقومون بصيدها بكل سهولة ويسر متى ما احتاجوا إلى اللحوم الطرية ،فكانوا يصطادون الغزلان بأنواعها والزرافة ... مستخدمين أنواعا مختلفة من الرماح والأسلحة النارية وهم على ظهور الخيل كما يستخدمون الكلاب في صيد الأرانب أما الزغاوة الحداحيد فستخدمون الرماح والشراك (قوبو) والحفر التي يعدونها مسبقا في مناطق مختارة حول الأشجار الخضراء ،مستخدمين أساليب التمويه والخداع والأغاني وبعض طرق السحر في صيدها ومن ثم يقومون بتقطيع لحومها وتجفيفها وبيعها للناس أو استبدالها بأشياء عينية كالدخن واللبن والملابس .
ج) لحوم الطيور الداجنة والبرية : تشكل الطيور الداجنة والخلوية مصدرا غذائيا ثابتا وفي متناول اليد . ويصطاد الزغاوة الطيور البرية بطرق وأساليب وأسلحة مختلفة ، فمن الطيور الداجنة الدجاج (كوتي) والحمام أما الطيور البرية فنجد في مقدمتها النعام (إيمو) والحبارى(هوو) ودجاج الوادي(قوري) والحلفاوي(كوراق) والقماري(أوقو) والعصافير الصغيرة (تورفو). ومثلما لحوم هذه الطيور طيبة فإن بيضها تشكل مصدرا بروتينيا هاما وتتناسب بيض الطيور تناسبا طرديا مع أحجامها ،لذلك فإن بيضة النعامة هي أكبرها على الإطلاق كما تستعمل وعاؤها الخارجي في الزينة .
د) لحوم الأسماك (حوت) : توجد لحوم الأسماك على قلتها في البرك الكبيرة ذات المياه الساكنة فتؤكل طازجة أو مجففة.
4. ثمار الأشجار: نقصد بها ثمار الأشجار التي تنمو دونما زراعة أو رعاية من الناس .وتنتشر هذه الأشجار المثمرة في كل مكان من دار الزغاوة ولكن لها بيئاتها وفصول نموها والتربة التي تصلح لها فبعضها تنمو في المرتفعات الجبلية وأخرى تنمو في الكثبان الرملية والأودية والخيران وفي البرك والمياه الراكدة ومن مواسم نموها فصل الخريف وفصل الحصاد (الدرد) وفصل الشتاء والصيف والربيع أما الفواكه فهي نادرة في المنطقة لاعتبارات مناخية ولعدم اهتمام الأهالي بزراعتها لانشغالهم بالرعي والترحال خاصة في المناطق الريفية والبادية. ونورد هنا بعضا من هذه الثمار .( كيه وكندو وميقا ، قمارا ، تورو ، سنقو ، كورفو ، جيرقي ، نوقو بي ، نوقو كلي ، كوريه ، أوبو ، نمار، نوور ، ماتي ، نورقو ، بدير، شتيب ).
5. العسل الطبيعي (أنيه): يوجد عسل النحل الطبيعي في جوف بعض الأشجار كما يوجد في المناطق الجبلية بين الكهوف والشعاب وفي بيوت بعض أنواع النمل والتي تنشأ بأشكال مخروطية على سطح الأرض . ويستدل على مكان العسل بمدخل النحل (أنيه موري) أو تواجد النحل حول المكان ويستعمل الدخان لطرد النحل من بيوتها استعدادا لجمع النحل وذلك لاتقاء لسعاتها المؤلمة الخطرة.
6. المكيفات:ـ
1. الشاي : يعتبر الشاي أهم أداة للكيف لدى معظم سكان دار الزغاوة . ولا يخلو بيت منه بل تقام مناسبات خاصة بشربه وهي جلسات تضم الجنسين ولها فنون وطقوس خاصة بصنعة تختلف من منطقة لأخرى وللشاي أدواته الخاصة مثل شيبيه هي حديدة ثلاثية الأرجل التي تعلق عليها الكفتيرة أو براد وهي الإبريق الذي يسخن فيه الماء فضلا عن كبابي للشاي بأحجام مختلفة بعضها للشاي السادة وأخرى لشاي الحليب والملاعق والسكر والشاي والبهارات كالقرفة والنعناع والقرنفل والهيل وبعض العطور التي تعطي الشاي نكهة خاصة. وهناك آداب وطقوس خاصة بطريقة تقديم وتناوله من الشاربين الذين يجلسون في حلقة (إيقلا أو قعدة) تعقد ليلا ويتبارى الشباب بأغنيات خاصة لمدح الشاي ووصفه ووصف الفتاة التي تقدمه لهم علاوة على مغامراتهم الشخصية وبطولاتهم .كما أنهم يصنفون شاربي الشاي إلى قسمين : البرمكي أو الحريف أو الكييف وهو المحترف في تناول الشاي بانتظام وفي أوقات محددة ويصاب بصداع في حالة عدم تناول الشاي أما القسم الثاني الكمكلي وهو عكس المحترف حيث لا يهتم بالشاي ولا يبالي بتناوله وآدابه. أما القهوة فلها شاربوها ومجالسها ولكن أقل أهمية من الشاي كما أنها لا تتوفر بكثرة في دار الزغاوة .
2. السجائر والتمباك أو السعوط : قديما كانت غير منتشرة وغير مألوفة في مناطق عديدة من دار زغاوة وكان القليلون الذين يدخنون السجائر أو يستعملون السعوط لأن هذا النوع من المكيفات غير مستحبة بل منبوذة من قبل أفراد قبيلة الزغاوة والذين يستعملون هذا النوع من المكيفات لا يجدون قبولا من المجتمع لذلك ظل بعضهم يتعاطون في الخفاء تفاديا للحرج وحفاظا لسمعته بل كانت البنات تتحفظن من الزواج منه (تابا شيري). بل تتحرى الكثير من عائلات الزغاوة من سلامة الشخص الذي يريد الزواج من أبنتهم من تناول هذه المكيفات والمسكرات كشرط من شروط قبول طلب الزواج.
7.المشروبات:ـ
تنقسم المشروبات إلى قسمين :
1. المسكرات : قديما كانت الخمر أو المريسة (قورو) ومسكا تتصدران قائمة المسكرات ثم ظهرت العرقي المصنوعة من البلح وكيومورو وعسلية وأخيرا المشروبات الكحولية كالوسكي وقالا وغيرها التي تأتي من تشاد .
2. غير المسكرة : نجد العجينة والمديدة والنشاء وماتي تورو وعسلية وأنواع من عصائر ثمار الأشجار بالإضافة إلى المشروبات الغازية المختلفة والعصائر وهذه المشروبات تشترك في تناولها الرجال النساء والأطفال أي جميع أفراد مجتمع الزغاوة .
في الحلقات القادمة:ـ
• حرف ومهن الزغاوة (الرعي ـ التجارة ـ الزراعة)
• طرق صيد الحيوانات المفترسة
• سبل الحصول على النار
• صناعة الحديد
• الختان والطهور
• الاحتفال بقدوم التوائم
• الطب الشعبي
• القتل والثأثر والدية
• صفات من بيئة الزغاوة
• معالم من دار الزغاوة ( وادي هور ، العطرون ، واحة النخيل )
• الزغاوة ومملكة وداي
• الزغاوة والحركة السنوسية
• الزغاوة وسلاطين الفور
• الزغاوة والتركية
• الزغاوة والمهدية
• الزغاوة والإدارة الإستعمارية الفرنسية والبريطانية
• المراجع والمصادر


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 5245

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




هارون سليمان
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة