الزغاوة تاريخ وتراث 13
01-15-2013 09:19 PM

الزغاوة تاريخ وتراث(13)

هارون سليمان يوسف
[email protected]

الاحتفال بقدوم التوائم(بارفو سوبو)
تعتبر قدوم المولود الجديد من أكثر الأحداث المحببة في حياة الزوجين العاطفية ومن أهم المناسبات السعيدة التي ينتظرون قدومها مع كثير من الآمال .وعندما يولد ذلك المولود يصبح محور جميع المحادثات الجديدة للوالدين ،حتى أنك تجد الفخر والفرح يظهر في أعينهم كما يستقبله جميع أفراد الأسرة بالكثير من الحماس والترحاب.
عندما تضع المرأة مولودها فمن عادة الزغاوة أن تأتيها التهاني من الأهل والأقارب والجيران كما يتم تقديم ما تيسر من الشاي والبلح والعصيدة للمهنئين وهناك طقوس معينة تتم منها طبخ أكل خاص لأم المولود لمدة أسبوع وهي عبارة نشاء من دقيق الدخن ويضاف إليه كمية بسيطة من ملح العطرون ويؤكل بالزيت وتسمى هذه الأكلة (دندا بوبو) ويوزع للأطفال الذين يحضرون المناسبة ، كما يتم دفن أجزاء من الحبل السري بالقرب من باب المنزل ويزرع فوقها نبات الزعف(جو) إلى جانب ربط حجاب من جذور بعض النباتات والأعشاب وآيات من القرآن في عنق المولود بغرض حمايته من شياطين الجن والإنس ومن بعض الأمراض وفي اليوم السابع يتم دعوة الأقارب والجيران لتناول وجبة فطور أو عشاء تسمى (سماية) وتنتهي المناسبة بتسمية المولود حيث يقوم الحضور من الرجال بترشيح مجموعة من الأسماء للمولود الجديد وتقوم النسوة مع أم المولود باختيار أحد الأسماء وفي بعض الحالات يتم تسمية المولود باسم الجد أو العم أو الخال أو بأحد أسماء المشاهير في مجتمع الزغاوة من الزعماء والفرسان والكرماء والعلماء كذلك رؤساء الدول في بعض الحالات وكذلك المولودة تسمى باسم الجدة أو الخالة أو العمة أو بأسماء النساء المشهورات في مجتمع الزغاوة هذا بالنسبة للمولود الواحد .وبعد أربعين يوم من الولادة يمكن أن تخرج الأم من المنزل كما يتم حلاقة رأس الطفل من قبل الخال أو العم ويهديه هدية وهي عبارة عن خروف أو نعجة.
الاحتفال بقدوم التوائم : لم تعد عملية الحمل والولادة الأمر الوحيد الذي يشغل بال الأسرة عند الزغاوة بل الاحتفال بقدوم التوائم من اهتماماتها أيضا. فالاحتفال بقدوم التوائم حدث لا ينسى ومهمة كبيرة تقع على عاتق الأسرة . وتقليدياً يتم الاحتفال بعد ولادة التوائم بأسبوع أو أكثر فيتم التحضير لها والتفكير في كافة تفاصيلها بشكل مسبق بما يتماشى مع ظروف الأسرة المادية و يختلف الاحتفال باختلاف الأشخاص ومكانتهم في المجتمع ويكون المظهر بأسلوب ريفي ،كما يستغرق الإعداد لها الكثير من الوقت والترتيب لأن المدعوين لهذا الاحتفال عدد غير محدد أي دعوة مفتوحة.
بعد اتخاذ قرار الاحتفال من جانب الأسرة و احتيار الأشخاص الذين سيتولون مهمة استضافة الضيوف وتنظيم الحفل ،يتم تحديد موعد الاحتفال وتنبيه المدعوين بضرورة الحضور والمشاركة مع تحديد الموقع المناسب مع الأخذ في الاعتبار مدى ملائمة اليوم المختار لغالبية المدعوين، وفي الموعد المحدد يتم تنظيم الحفل من قبل أفراد العائلة والأهل والأصدقاء ،إذ يتولون مهمة استقبال الضيوف في منازل أو في ظل الأشجار الظليلة حيث يتم تقديم أصناف من الأكلات والمشروبات تتماشى في شكلها وطريقة إعدادها مع مختلف الأذواق مع شيء من الابتكار ومراعاة جانب الكفاية والتنوع . ومن الشائع في دار الزغاوة أن يتم تقديم العصيدة بملاح تقلية أو روب في قدح (مندولا) فضلا عن اللحوم والمشروبات المحلية، كالعجينة والمديدة وبالإضافة إلى الشاي والقهوة وذلك لإعطاء المناسبة نوعا من التمييز وجعلها ذكرى لا تنسى.
وفي بعض الحالات تتمحور هذا الاحتفال حول فكرة تقديم الهدايا العينية والنقدية لأسرة التوائم حيث تبدأ بعد تناول الأكلات والمشروبات برنامج للمساهمات في منزل أسرة التوائم كجانب من جوانب التشجيع والتعاضد بين أفراد المجتمع، فهناك من يتبرع بجمل وأخرى ببقرة أو ضأن أو مبالغ نقدية أو ثياب ،فيتم تسجيل أسماء المتبرعين في دفتر ليتم جمع تبرعاتهم وهذا الاحتفال تصاحبها ألعاب شعبية من النقارة والرقص وسباق الهجن والخيل وتنتهي المناسبة في أمسية تلك اليوم فيعود المشاركون إلى قراهم وبواديهم.
تتوقف المشاركة وفاعليتها في مثل هذه الاحتفالات على مكانة صاحب الدعوة في المجتمع ومدى مشاركته الآخرين دعواتهم وتعامله مع أفراد المجتمع وقياسا على هذه المعايير نجد مناسبات بعض الأفراد بمثابة استفتاء على شعبية صاحبه.
من أسماء التوائم الشائعة في مجتمع الزغاوة نجد الأولاد يسمون بأسماء مثل توم وتيمان ،حسن وحسين. أما البنات فيسمون أسماء مثل تومة ونيه ، شريفة وتومية ، حسنى وحسنية ومن مسميات الزغاوة الحداحيد نجد مثل (كلا وقوتي ، كاشي وكاشيبو ، بيا وأوشياء) أما المولود الذي يأتي بعد التوائم فإذا كان ولد يسمونه هري أما البنت فيسمونها هرية.

الطب الشعبي او الطب البديل:ـ
الطب الشعبي هو كل طريقة علاجية لا تستخدم العقاقير الطبية والأدوية في علاج الأمراض وحديثا سمي بالطب البديل وهو مسمى يطلق على الطرق المستعملة حاليا في الغرب غير أنه معروف منذ القدم في جميع المجتمعات خصوصاً الريفية والبدوية منها.
إن الطب الشعبي رغم انتشاره لم يأخذ حظه من الاهتمام كما في القرون السابقة لأسباب اقتصادية متعددة والطب الشعبي هو نظرية موجودة بداخل كل إنسان لمعالجة نفسه بنفسه. ومن مشكلات الطب الشعبي أنه لم يخضع للتجارب العلمية التي خضع لها الطب الحديث ،فلم يطبق على الحيوان قبل استخدامه على الإنسان ولم يدرس في مدرسة نظامية وإنما يتوارث له المطببون أبا عن جد.
بدأت اهتمامات الزغاوة بأساليب الطب الشعبي والعودة إلى الطبية لمعالجة الكثير من الأمراض منذ القدم ،كما أن أجدادهم تعاملوا على مدى عصور كثيرة مع بعض النباتات كمصدر طبيعي لعلاج كثير من الأمراض وذلك لخلوها من التأثيرات الجانبية على جسم الإنسان. وبالرجوع إلى علم الصيدلة نجد أن العديد من الأدوية مستخلصة من بعض النباتات والأعشاب مع إضافات كيمائية ،وللأسف نجد بعض الأدوية يتم سحبها من الأسواق بعد أن تثبت التجارب مضارها.
لأفراد قبيلة الزغاوة عاداتهم وتقاليدهم الخاصة في معالجة أمراضهم ،فالطب الشعبي عندهم متأثر بجذور المجتمع والثقافة والطبيعة. كما يعتني الزغاوة بمرضاهم ويعالجونهم بأنواع من الأدوية المألوفة عندهم ومن أساليب الطب الشعبي عند الزغاوة :
1. العلاج بالقرآن الكريم : حيث يستعينون بحفظة القرآن(الفكي) لكتابة بعض الآيات المختارة من القرآن الكريم في لوح من الخشب ثم غسلها بالماء ليشرب منه المريض كعلاج لبعض الأمراض خاصة السحر والأمراض النفسية والعقلية والباطنية والأمراض الأخرى التي تصيب الإنسان والحيوان، فضلا عن المأثورات الدينية كالحجابات وهي عبارة عن ورقة تكتب فيها آيات قرآنية وتغلف بجلد ثم يعلق في العنق كما يعالجون بعض الأمراض بالأدعية.
2. العلاج بالعسل والزيوت والدهون: حيث يستخدمون عسل النحل في علاج أمراض الجهاز الهضمي والتنفسي وإسهال الأطفال كما يستخدمون السمن وزيت الفول والسمسم لعلاج بعض الأمراض كالسعال والربو والالتهابات في الرئة ،أما زيت النعام فيستخدم في علاج المفاصل وتشنج الأعصاب والرطوبة.
3. العمليات الجراحية : يقوم خبير تقليدي وماهر في هذا المجال بإجراء عمليات جراحية باستخدام مسحوق ثمار شجر القرض والملح لوقف النزيف ،كما يستخدم أدوات محلية كالإبرة والمنقاش والسكين والموس لإجراء العمليات فضلا عن خياطة الجروح بشعر من ذيل الخيل والزراف (سبت) ومن العمليات المعقدة ،عملية كسور الرأس التي تؤثر على الجمجمة مما يفقد المصاب الوعي والإدراك.
4. جبر الكسور: عادة ما يتعرض عظام الأرجل والأيدي وأجزاء أخرى من جسم الإنسان كالضلوع للكسر لأسباب مختلفة وفي هذه الحالة يقوم البصير أي المتخصص بجبر الكسور بتعديل العظام المكسورة وإعادتها إلى مكانها الطبيعي ثم تثبيتها بجبيرة من الخشب أو لحاء الأشجار مع القطن ولفها بقماش رفيع، أما الحيوان فيتم جبر كسوره بلحاء الأشجار ولفها بلحاء بعض الأشجار.
5. علاج لدغة الثعبان ولسعة العقرب : بالنسبة للدغة الثعبان فأول ما يقوم به المسعف هو ربط الجهة العلوية من موضع الإصابة حتى لا تنتشر السم لبقية أجزاء الجسم ثم يعالج بجذور وثمار وفرع بعض الأشجار والأعشاب المختارة من الطبيعة حيث يتم وضع مسحوق الجذور والأعشاب في موضع اللدغة لامتصاص السم ووقف انتشارها لبقية أجزاء الجسم أو ذبح الدجاج وفتح بطنها وتنظيفها من المحتويات ثم وضعها في الموضع وربطها بغرض امتصاص السم والألم ، كما تستخدم روث البقر في العلاج بحيث يتم تحليل الروث اللين بالماء وصبها في كيس من الجلد تسمى صعين وإدخال الجزء المصاب في داخل الصعين وربطها من الجهة العلوية وإبقائه لعدة أيام بغرض امتصاص السم وتخفيف الالتهاب ،أما لسعة العقرب فيعالج بمحلول ظهر الملابس أو ملح الطعام أوالليمون وبعض الأعشاب حيث يتم تحليلها بالماء ليشربه المريض .
ولطرد الثعبان أو إخراجه من البيت في حالة اختبائه في مكان غير معلوم داخل البيت ،يستخدم دخان ورائحة الكول المحروق أو العظام ،حيث لا يتحمل الدبيب رائحتها النتنة فتخرج هاربا فمن ذلك يٌحاصر ويٌقتل .
6. الحجامة : يتم عن طريق الحجامة علاج الصداع وتراكم الدم الفاسد في بعض أجزاء الجسم وبعض الآلام والأوجاع بحيث يوضع الحجامة في مؤخرة الرأس أو أي موضع من مواضع الألم وبعد إحداث جروح دقيقة بمشرط من الموس التي تساعد في سحب الدم الفاسد وتتم هذه العملية بواسطة خبير محترف فيقوم بسحب الدم الفاسد عن طريق الفم ثم يتم مسح الموضع بالعطرون.
7.العلاج بجلد الحيوان: يتم علاج المصاب بالملاريا والحمى الشديدة أو من يسقط في البئر أو يسقط من الدابة وغيرها من الإصابات التي لم تصل إلى مرحل الكسر، وذلك بتلبيس جلد الضأن بعد سلخه مباشرة وذلك لامتصاص الحرارة وتخفيض الحمى حيث يُلبس المريض الجلد بعد خلع الملابس ومن ثم تغطية المريض بالبطانية لمدة يوم أو ليلية كاملة ثم يغسل جسده بالماء الدافئ .
8. الكي بالنار: تستخدم الكي بالنار لعلاج أمراض كثيرة تصيب الإنسان والحيوان كإنزاق مفصل من مفاصل الجسم وآلام العظام واليرقان وأمراض أخرى باطنية وصدرية وكسور.
9. علاج المصاب بالحصبة والجدري: أول ما يفعل في حالة إصابة الإنسان بالحصبة أو الجدري الكاذب(بورجك) هو عزل المريض في غرفة و يتم مسح جسده بالطين واستنشاق دخان ثمار شجرة القرض مخلوطة بالشطة وبعد أسبوع أو أكثر من حجزه يتم غلي لحاء الطلح أو القرض في النار ليغسل به جسد المصاب كما تعطي المريض أدوية من بعض الأعشاب والأشجار.أما الحيوان المصاب بالجدري فيتم تدخين الزريبة بدخان ثمار القرض مخلوطة مع الشطة كما يتم خلط مسحوق لحاء الطلح مع ثمار الهجليج بالماء ليشرب منها الحيوانات المصابة بالجدري .
10. العلاج بالأعشاب والأشجار : تستخدم أوراق وثمار وجذور ولحاء بعض الأعشاب والأشجار بصورتها الطبيعية أو مركبة أو مغلية بالنار أو في شكل مسحوق لعلاج أمراض كثيرة في جسد الإنسان والحيوان وتتصدر قائمة الثمار، الليمون والحلبة والكركدي وثمار شجرة الهجليج والعرديب والريحان والصمغ ...الخ
11. العلاج بالعطرون : للعطرون عند الزغاوة فوائد عديدة ويستخدم في علاج داء السكري والجيوب الأنفية وآلام البطن والجروح الحادة والأمراض الجلدية حيث تتم حرق العطرون بالنار ثم سحنه ليصبح مسحوقا ثم يضاف إليه عصير ليمون ليشرب المصاب بهذه الأمراض وغيرها .
12. العلاج بالمياه المالحة: تعتبر المياه المالحة في الواحات مثل واحة العطرون والنخيلة وأماكن البراكين في بعض الجبال والعيون علاج لبعض الأمراض حيث يقوم المريض بغسل جسده بهذه المياه المالحة لمرات عديدة ،كما تعتبر الملح من الأدوية التي تعالج حساسية الأنف ونزيف اللثة وقروح المعدة والتخلص من الطاقة الزائدة وغيرها من الأمراض.
في الحلقات القادمة:
• القتل والثأثر والدية
• صفات من بيئة الزغاوة
• معالم من دار الزغاوة ( وادي هور ، العطرون ، واحة النخيل )
• الزغاوة ومملكة وداي
• الزغاوة والحركة السنوسية
• الزغاوة وسلاطين الفور
• الزغاوة والتركية
• الزغاوة والمهدية
• الزغاوة والإدارة الإستعمارية الفرنسية والبريطانية
• المراجع والمصادر


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2656

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#559745 [أمازيغي]
0.00/5 (0 صوت)

01-16-2013 12:29 AM
علما بأن أي مجتمع فيه سلبيات تازيخيا أو حاضرا
هنالك سمات إتصفت بها الزغاوة إن صح الإسم سيئة جدا قديما منها :
إستعباد أقلية الماي أو الحداحيد بصورة
لا يمكن وصفها ومعروفون
بأنهم مسالمون و الأصل أصحاب قيم وصبر وشجاعة ولم يتورطوا طيلة تاريخهم في أعمال النهب و السلب
و أيضا تحليل المحرمات و الإدعاء بإنها عادات و تقاليد د.المقال ات لا تصلح بأن تكون كتاب أو مرجع


#559677 [محب الأكواز .. !]
5.00/5 (1 صوت)

01-15-2013 10:09 PM
لأخ هارون تحية طيبة .. و الله ياخي انت راجل مجتهد وفقك الله .. أرجو تجميع هذه المقالات وعرضها علي المختصيين لطبعها و إثراء المكتبات و دار الكتب بهذا التراث القيـِّم .. فهي دون شك توضح معالم كثيرة و هامة لشريحة لا يستهان بها من شعب السودان و تعرِّف الأجيال القادمة بالبيئة و المجتمع و صور و عادات أهلنا الطيبين
و دمــــتم


ردود على محب الأكواز .. !
Sudan [اسماعيل] 01-16-2013 12:39 AM
والله فكرة جميلة يمكن تجميعها فى كتاب ويُنشر


هارون سليمان يوسف
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة