المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
تحليل سياسي - السودان آفاق الثورة و التغيير
تحليل سياسي - السودان آفاق الثورة و التغيير
01-16-2013 07:09 PM

السودان آفاق الثورة و التغيير
تفكك النظام .. وحدة المعارضة .. و طريق النهوض الجماهيري
إستنهاض القوى المدنية و الفئوية يعبد الطريق للثورة و ضمان لما بعد سقوط النظام
ما تزال الجرائم متواصلة .. و مقتل طلاب جامعة الجزيرة و طالب الأساس بكوستي شاهدة
سياسة التقشف الحكومية فشلت و ذوي القربى يسيطرون على مفاصل الإقتصاد
الهجمة على منظمات المجتمع المدني محاولة للإرتداد لحقبة بطش سنوات التسعينات
نحن ندعم جهود توحيد قوى المعارضة و لا نقبل بأي صفقات تفاوضية تحت الطاولة



منذ الثلاثين من يونيو الكالح لعام ١٩٨٩، ظل الفشل و سوء الإدارة السمتين الأساسيتين المميزتين لطريقة إدارة النظام و حكمه للبلاد، إضافة للسمات الهيكلية فيه كنظام شمولي من فساد و قمع و إهدار غير مسئول لموارد البلاد.
و قد شهدت الثلاثة أشهر الأخيرة من العام الماضي المزيد من الدلائل على تهاوي هذا النظام و فشله، و تفككه من الداخل و مزيدا من مشاهد فشله في إدارة شأن البلاد أو العمل على خدمة شعبها و أهلها مصحوبةً بإصرار سادة النظام و المتنفذين فيه على التمسك بكراسي السلطة رغم ما أصبح واضحاً من اثر ما يؤدي اليه ذلك من مزيد من تفتت و عدم استقرار و عنت عيش في شتى أنحاء الوطن.
نستعرض في هذا التحليل التطورات في الشأن السوداني التي حدثت منذ تحليلنا السابق الصادر في سبتمبر من العام الماضي، و التي تؤكد كلها أن لا بديل لخلاص الوطن غير ذهاب نظام البشير الحاكم و تفكيك مؤسساته الشائهة تماماً.

اولاً: فشل سياسة التقشف الحكومية:
بالرغم من ان اجراءات التقشف الحكومية التي تم الاعلان عنها في يونيو(٢٠١٢) لعبت الدور الاساسي و المباشر في هبة يونيو - يوليو المجيدة، الا ان تركيبة النظام السياسية التي لا تراعي لمصالح المواطن المعيشية ادت بشكل اساسي الي فشل هذه الاجراءات في احداث اي تغيير ايجابي في حياة المواطنين، فاجراءات التقشف التي هدفت بشكل اساسي الي خفض الانفاق الحكومي (مخصصات الدستوريين و المسئولين الحكوميين بشكل اساسي) بنسبة (٢٥٪) في النصف الثاني من (2012) ثم تخفيضه بنسبة(١٨٪) في (2013)، ادت بالعكس الي زيادة هذا الانفاق بنسبة (٢٥٪) في ذات الفترة، و التخطيط لزيادته بنسبة (١٨٪) في الميزانية المقترحة لعام (2013) و ارتفعت نسبة التضخم بشكل مباشر بعد اعلان هذه الاجراءات من (١٥٪) الي (٣٧ %) في يونيو ثم (٤١٪) في يوليو لتصل الي (٤٦.٥٪) في نهاية نوفمبر حسب احصاءات الجهاز المركزي للاحصاء، بينما ارتفعت اسعار المواد الغذائية و اساسيات المعيشة بنسبة تقارب (300٪) من اسعارها قبل اعلان اجراءات التقشف التي ادت الي فقدان العملة السودانية لقوتها الشرائية باكثر من (200٪) (انخفضت قيمة الجنيه السوداني امام الدولار الامريكي من 3100 للدولار الواحد في يونيو الي 7100 للدولار الواحد في خواتيم ديسمبر) تخطط الحكومة في ميزانيتها المجازة لعام (2013) لزيادة الانفاق على الامن و الدفاع بنسبة (12 %) من العام الماضي و الذي يبلغ حجمه المرصود (9) اضعاف الميزانية المرصودة للانفاق على التعليم و الصحة مجتمعين في (2013) (بلغت الميزانية المرصودة للامن و الدفاع في 2013 مبلغ التسعة مليارات جنيه سوداني فيما تم تخصيص مليار جنيه لقطاعي الصحة و التعليم مجتمعين).
و النظام منتبه الي فشل هذه الاجراءات و نتائجها العكسية و لكن بدلاً من محاولة حلها بمخاطبة قضايا التنمية الحقيقية لانتاج حلول مستدامة و باقية الأثر على مستقبل البلاد فقد عمد الى سياسة الارتهان الي الديون الخارجية ذات الاثار الكارثية على المدى الطويل مثال القرض الصيني الأخير الذي بلغت قيمه (1.5) مليار دولار (و الذي لا يحل اكثر من 10% من العجز في الميزانية) و الذي كانت ضمانته احتكار شركة شركة النفط الوطنية الصينية لكل الانتاج النفطي المستقبلي في البلاد، بالاضافة الي قرض أخر من صندوق النقد العربي بقيمة (45) مليون دولار للسداد بفوائد عالية ، بالاضافة الي استمرار الصرف على مشاريع و منشاءات غير ذات قيمة خدمية مثل غرفة التحكم و مراقبة الخرطوم بالكاميرات الذي دشنه البشير في الاسبوع الأول من يناير بقيمة (5) مليون دولار.
كل هذا يعكس فشل النظام في مخاطبة قضايا المعيشة الحقيقية للمواطنين بصورة جادة عوضاً عن استغلال موارد و امكانيات الدولة للتربح الشخصي لسادة النظام و المتنفذين فيه و الصرف العبثي على آلة القمع و العنف الرسمية التي تشن حروبها على اهل البلاد بينما تسجل فشلا ذريعا في الدفاع عنهم.
ثانيا: استمرار استخدام اليات القمع العسكرية في التعامل مع مشاكل الوطن :
لا زال فشل النظام بينا في طرح اي حلول حقيقية توقف الحرب المشتعلة في اطراف البلاد من دارفور الي جنوب كردفان و جبال النوبة، و عوضا عن ذلك يستمر في ارتكاب جرائمه الوحشية عبر القصف الجوي العشوائي لمناطق المدنيين و عبر دعم مليشيات الجنجويد و الدفاع الشعبي لارتكاب مزيد من المذابح العرقية و الجهوية في اطار الحرب الدائرة هناك، متجاهلا ما يؤدي له ذلك من آثار هدامة على النسيج الاجتماعي السوداني، نقرأ ذلك مربوطا بارتفاع حدة و درجة استخدام العنف في التعامل مع القضايا المدنية و المطلبية حيث لم يتعلم النظام الدرس من حملة قمعه و اعتقالاته الواسعة التي فشلت في ايقاف انتفاضة يونيو _ يوليو الماضية فتعامل بوتيرة اعلى من العنف مع قضية طلاب دارفور بجامعة الجزيرة، و إغتال اربعة طلاب لا لشئ الا لمطالبتهم المشروعة بحقهم في الدراسة و التعليم ثم تلى ذلك بالتعامل مع موجة الغضب التي عمت كل ارجاء البلاد بحملة اعتقالات عنصرية بغيضة استهدفت ابناء و ناشطي الهامش، و لا تقتصر موجة عنف النظام و قمعه على القضايا ذات الطابع المطلبي فحسب بل تتعداه حتى في التعامل مع القضايا ذات الطابع الاجتماعي، حيث إغتالت آلة قمع النظام في ديسمبر الماضي الطالب ادم الشيخ الذي يبلغ من العمر (14) عاما في مدينة كوستي اثر اعتصام طلابي لم يتجاوز حجمه الثلاثون طالباً في قضية مطالب اجتماعية مع شركة مستثمرة في المنطقة، هذا عدا الإنتهاكات الكثيرة من قبل جهاز الأمن بحق المعتقلين السياسيين في شتى مناحي الوطن باحتجازهم بدون الافصاح عن اماكن الإحتجاز ولا ابلاغ ذويهم و ظروف المعاملة القاسية التي يتعرضون لها، منهج العنف الذي يعتنقه النظام يعكس اصراره على البقاء بأي ثمن يريقه من دماء السودانيين، مسوقاً لصفقة اما بقاءه اما دمار الوطن.
ثالثاً: تصاعد الانقسامات الداخلية بين اركان النظام :
شهد الشهرين الماضيين من العام تصاعد الخلافات و طفوها الي السطح بين الاطراف المتصارعة على الحكم داخل النظام نفسه، و كان ابرزها ادعاء النظام بحدوث محاولة انقلابية (التخريبية) في نوفمبر (2012) بقيادة المدير السابق لجهاز الأمن صلاح عبدالله قوش مدعوما بمجموعات راديكالية من الصف الثاني من الاسلاميين و ما عرف باسم مبادرة (السائحون)، و جاء هذا الادعاء بعد فشل مؤتمر الحركة الاسلامية في الشهر نفسه في احداث اي اصلاحات حقيقية على جهاز الدولة بل عضد من سيطرة جهاز الدولة على الحركة مما ادى الي بروز اصوات ناقدة بشدة لمخرجات المؤتمر و للحركة الاسلامية برمتها من قبل قيادات اسلامية بارزة مثل غازي صلاح الدين الذي قاطع ختام المؤتمر مغاضباً و اعتذر عن الترشح للامانة العامة للحركة الاسلامية.
الشاهد ان كل هذه الصراعات تتمثل في السعي الحثيث من قبل قيادات مختلفة في النظام للظفر بمقعد وراثة البشير على كرسي الحكم بعد ان ترددت اقاويل عدة عن مدى اهليته لمواصلة الحكم لاعتبارات حالته الصحية او سياسياً باعتبار ذلك مخرج من مأزق ملاحقته الدولية و تنفيذاً لطرح الهبوط الناعم المدعوم من قبل بعض الاطراف الدولية، غير ان كل هذه الاطراف لا تعد باصلاح حقيقي ولا تغيير حقيقي يمس حياة المواطنين او يحسن من ظروفهم بل هو محاولة يائسة من بعض اقطاب النظام للحفاظ على مواقع سيطرتهم على جهاز الدولة و على كراسيهم في الحكم، هذا الصراع الداخلي ليس سوى صراع غير مبدئي على السلطة و السطوة لا يخاطب قضايا الوطن الحقيقية.
رابعاً: الهجمة على مؤسسات المجتمع المدني و مزيد من التضييق على الحريات :
انعكس التخبط و حالة الهلع في اضابير النظام في هجمة شرسة من التضييق على الحريات العامة و على منظمات المجتمع المدني العاملة في مجالات نشر الوعي و الاستنارة بدأت باغلاق بيت الفنون و هو منظمة مجتمع مدني تعمل في مجال تنمية الفنون القاعدية و شاركت بعدة انشطة في نشر الوعي الانتخابي خلال انتخابات (2010) ثم تلاها تجميد نشاط مركز الدراسات السودانية بقرار من وزير الثقافة بحجج قانونية واهية متمثلة في اتهامه بعلاقة مع جهات اجنبية دون ابراز اي دلائل قانونية او اثباتات على تلك الادعاءات ثم تلى ذلك اغلاق مركز الخاتم عدلان للاستنارة و التنمية البشرية بعد سلسلة من المضايقات على مدار العام، أتت هذه الهجمة عقب قرار من رئاسة الجمهورية بتكوين لجنة برئاسة الوزير الدفاع و عضوية جهاز الامن و المخابرات و مفوضية العون الانساني (هاك) و وزارة الشئون الانسانية لمراجعة عمل منظمات المجتمع المدني في اطار صراع داخلي بين مفوض العون الانساني الجديد المقرب من البشير و بين ادارة عمل المنظمات بوزارة الشئون الانسانية، صاحب ذلك حراك مدني واسع من المجتمع المدني بدأ بتقديم مذكرة لمفوضية حقوق الانسان منع جهاز الأمن تسليمها رغم ترحيب المفوضية باستلامها مخالفا بذلك قانونه و مانعاً المفوضية من اداء مهامها المؤكلة له قانوناً و دستوراً، هذه الهجمة ليس المعني بها ولا الغرض منها هذه المنظمات فقط بل تتعدى ذلك لتكشف هلع النظام من كل منافذ نشر الوعي الحقوقي باعتباره مهدد رئيسي لبقائه، هذه الهجمة على الحقوق المدنية تمثل ردة للنظام لشكله القمعي الاول في اوائل التسعينات بعد ان القى بكل ستر الديموقراطية و الانفتاح التي حاول التدثر بها طويلاً.
خامساً: استمرار الحراك الفئوي و المطلبي و عجز النظام عن الوفاء بالتزاماته:
تواصل الحراك المطلبي الجماهيري من فئات المهنيين المختلفة في التصاعد خلال الثلاثة اشهر الاخيرة من (2012) حيث شهدت تسليم مذكرة من قبل لجنة المعلميين للبرلمان تم الاعتداء عليها بعنف من قبل اجهزة الامن امام ساحة البرلمان و كما شهد ديسمبر اضراب واسع النطاق لعمال المهن الصحية بمستشفى الخرطوم، و تم اعلان نقابة للصيادلة _ لتلتحق بنقابة الاطباء التي تم اعلانها في يوليو السابق _ اثر اضراب جزئي للعاملين في صيدليات المجتمع، و لم ينحصر صوت الاحتجاجات المطلبية على فئات المهنيين فحسب بل صحب ذلك نشاط كبير لاهل المناصير اثر فشل الحكومة في الايفاء بالتزامها باتفاق الخيار المحلي للمتضررين من سد مروي، و اعتصام مفتوح يدخل اسبوعه الخامس بمدينة بابنوسة مطالباً بالتنمية المحلية في المنطقة، و كما ارتفع صوت اتحاد العمال الحكومي حاداً في نقد ميزانية (2013) و مطالباً بزيادة الحد الادنى للاجور الامر الذي استجاب له البشير اواخر العام و اعلن رفعه من 220 جنيه الي 475 جنيه _ الذي تقول جهات اقتصادية بجامعة الخرطوم انه يمثل ربع الحد الادنى للدخل الكافي للايفاء بمتطلبات الحياة الاساسية في البلاد _ برغم عدم تضمينه في ميزانية 2013 ، الشئ الذي يشكك في انعكاس هذا الاعلان بشكل حقيقي على ارض الواقع، كما رفض النظام الايفاء بكثير من التزاماته في اتفاقية الدوحة لسلام دارفور و من بينها قضية الرسوم الدراسية لطلاب دارفور بالجامعات، التي ادت الي مقتل اربعة من الطلاب بجامعة الجزيرة اثر اعتقالهم من منبر طلابي يناقش القضية ثم حملة تظاهرات واسعة في ارجاء البلاد المختلفة تلتها حملة اعتقالات واسعة وسط الناشطين الطلاب.
سادساً: بروز جهود توحيد خط العمل المعارض:
بدأت المعارضة بشقيها المدني و العسكري في جهد ملموس لتوحيد وسائل عملها لاسقاط النظام، حيث شهدت الفترة الماضية تقارب كبير في الخطاب بين قوى الاجماع الوطني و قوى الجبهة الثورية و توجت هذه الجهود بميثاق الفجر الجديد الذي تم التوقيع عليه من قبل كل الفصائل الوطنية و الثورية السودانية بالاضافة لممثلين شتى لقوى المجتمع السوداني المدنية و الفئوية و المطلبية، في العاصمة اليوغندية كمبالا في الخامس من يناير الجاري، و الذي نعتبره يمثل خطوة عظيمة للامام في طريق الاطاحة بهذا النظام و منصة معقولة لتوحيد جهود المقاومة باتجاه الهدف الوطني الذي نصبو اليه جميعاً، و كما شهد نوفمبر الماضي اعلان لتحالف واسع الطيف بين المنظومات الشبابية تحت اسم شباب الثورة السودانية، هذا التقارب يمثل خطوة كبيرة للامام في اطار توحيد الجهود المناهضة للنظام و يشكل الحفاظ على هذا التقارب و دعمه الواجب المقدم لجهود العمل المعارض، و لكن نحذر ايضاً من النظر الي هذا التقارب و هذه المواثيق كآليات تفاوضية او اوراق ضغط في تفاوضات تتم في الخفاء، يجب ترجمة هذه المواثيق و العمل على انفاذها بشكل عملي و فعلي على أرض الواقع بما يعكس مضامينها و يحقق مراميها في الوصول الى فجر الخلاص بالنسبة لشعبنا.
و ستبقى محطة جمع القوى المعارضة للانقاذ على خط عمل واحد خطوة اساسية في سياق العمل من اجل اسقاط النظام، و الذي نتمناه ان يتواصل العمل المشترك من اجل انتاج مزيد من التفاهمات و اخضاعها لمزيد من التشاور و الحوار بين قوى المعارضة المختلفة.
آفاق التغيير و مساراته المختلفة :
من كل ما سبق يتضح بلا شك ان هذا النظام يلفظ في انفاسه الأخيرة ، و ان تعالي اصوات هروب الفيران من سفينته الغارقة هي علامة انتصار قريب لشعبنا. لقد كانت (2012) سنة فارقة في جهد العمل الوطني المعارض للنظام، اسمع فيه الشارع صوته للعالم باثره، و ارتفعت رايات التغيير خفاقة بيد شعب يريد الحياة، و كلنا ثقة بان هذا الجهد سينتج نتائج ملموسة في طريق امتنا نحو الغد في (2013).
ناقش تحليلنا السياسي السابق الصادر في سبتمبر (2012) عدة سيناريوهات متوقعة لحدوث التغيير السياسي في شكل الدولة و نظام الحكم في السودان و كانت حينها :
• سيناريو الانتفاضة الشعبية
• سيناريو الانقلاب العسكري من داخل النظام
• سيناريو الانتقال الجزئي (صفقة الهبوط السلس)
• سيناريو الحرب الشاملة
• سيناريو المسكنات الوقتية
و قد بدأت بوادر بعض هذه الاحتمالات في التحقق فعلياً فيما فقد بعضها الأخر الفرص العملية للحدوث. فسيناريو الانقلاب العسكري شهدنا على بوادره في احداث نوفمبر (2012) و ادعاء النظام بوجود محاولة انقلابية تلاها اعتقال لعدد من رموز النظام و حرسه الايدولوجيين و ما رشح عن ذلك من بروز الشرخ الكبير بين رموز النظام و صراعهم، و في كل الاحوال و كما اسبقنا فهذا السيناريو لا يعد بأي تغيير حقيقي في حياة المواطنيين السودانيين بل هو مجرد صراع على كراسي الحكم بين أقطاب النظام، كما تتمثل خطورته في انه يعيد بث الروح في النظام الحاكم حالياً ليعيده الي سيرته الأولى التي شهدناها اوائل التسعينات ، منتجاً ذات اساليب القمع و الفساد القديمة (بيوت اشباح، و تصفية لجهاز لدولة، وتخبط اقتصادي و سياسي)، خصوصاً ان كل اقطاب النظام المتصارعة هي من رموز تلك الفترة و قادة عملها الميداني الحقيقي، و نحن عموماً لا نعول على أي اصلاح أن يأتي نتيجة لصراعات القوى الداخلية في اروقة النظام، خاصةً بعد أن أتضح ان مبادارات الاصلاح الداخلي في صفوف الاسلاميين مثل مبادرة (سائحون) و غيرها ليست سوى تجليات صراع داخلي على السلطة بين أجيال الاسلاميين المختلفة، وقد أثبت تجاهلهم للمطالب الشعبية التي ارتفعت بصوت عال و من فئات مختلفة منذ تظاهرات يونيو _ يوليو مروراً بالمطالب الفئوية لقطاعات الاطباء و المعلميين و الصيادلة و العمال و حتى انتفاضة الكرامة التي عمت البلاد بعد مقتل طلاب جامعة الجزيرة الدارفوريين أن من يرفعون صوتهم بها من داخل أجنحة النظام المتناحرة ليسوا سوى طلاب سلطة يريدون أن يحتكروها لأنفسهم ليواصلوا نفس منهج النظام الحاكم حالياً في ادارة البلاد.
ولكن ارتفاع نبرة هذا السيناريو بين مراكز قوى متعددة داخل النظام، جعله في اضعف حالاته خصوصاً بعد خسارته لعناصر مؤثرة داخل الجيش و جهاز الأمن، مما يفسر ارتفاع حدة عنف النظام تجاه المواطنين في حملات النظام العام و حملات الجبايات المحلية على اصحاب المهن الصغيرة و حملات القمع في الشارع في محاولة من الحكومة لفرض هيبتها بعد ان اضحى جلياً ضعفها و تشققها الداخلي.
اما سيناريو الانتقال الجزئي و صفقة الهبوط السلس و التي حظيت بدعم عدة أطراف دولية و محلية فهي مجرد مخرج امن لبعض مجرمي النظام للافلات من المحاسبة على وزر جرائمهم البشعة في حق أبناء شعبنا، و هذه الصفقة و السيناريو يعطله بشكل كبير صراعات النظام الداخلية و فقدان أي جناح من اجنحته المتناحرة للقدرة و الشجاعة على تبني هذه المبادرة و المضي بها في خطوات عملية حقيقية، الشئ الذي أدى الي فقدانها لكثير من الدعم الدولي و المحلي الذي كانت تحظى به. و نحن ان كنا نتبنى بشكل مبدئي مبدأ ان السودان للجميع و نرفض اقصاء أي فرد او جماعة بناءاً على ارائها و توجهاتها السياسية و لكن نطرح و بشدة ضرورة المحاسبة الجنائية و القضائية على نتائج الافعال السياسية و الجرائم التي ارتكبت بحق ابناء شعبنا في شتى مناحي الوطن كضرورة لبناء عملية سياسية معافاة تكسر دائرة الديموقراطيات المشوهة المجهضة بانقلابات العسكرية في سودان المستقبل.
سيناريو الحرب الشاملة مطروح نسبةً لتعدد جبهات العمل العسكري و التي تشكل بذور حقيقية لهذا السيناريو المخيف و الذي يهدد بتمزق كبير يصيب الوطن، خصوصاً مع وجود قضايا و مظالم حقيقية في شتى انحاء البلاد يتجاهل النظام الحاكم مخاطبتها وحلها بل يساهم بسياساته الرعناء في انتاجها و تأزيمها، و نحن نؤكد على أن السلاح و العمل العسكري بالاضافة الي المأسي الكبير التي ينتجها بتأثيراته السلبية على مسار حياة المواطنين في تلك المناطق خصوصاً في ظل وجود نظام فاشي لا يتورع عن استخدام أي اليات و ادوات قمعية عنيفة، فالسلاح ايضاً لا يمكن أن ينتج تغييراً مستداماً على المدى البعيد، التغيير الذي نصبو له هو تغيير يصنعه الناس بانفسهم و يعكسون فيه ارادتهم تجاه ما يريدون بشكل ديموقراطي يشارك فيه الجميع.
و عموماً فان هذا السيناريو يدرك الجميع خطورته، مع توازن القوة و الضعف و في ظل الادارة العشوائية للجيش السوداني فان الحراك العسكري يهدد بكونه دون نهاية، و كذلك فان تجارب العمل المسلح السابقة في السودان اثبتت ان افقها هو الوصول لاتفاقات مناطقية تزيل بعضاً من الغبن و التهميش التاريخي على مناطق الاطراف في البلاد و تفتح افاق اوسع للحراك المدني في البلاد، و عموماً في ظل التقارب الملموس بين القوى الوطنية في الجبهة الثورية و بين قوى المعارضة في جبهات العمل المدني فان هذا الخيار يصبح مستبعداً بعض الشئ، و يزيد من ثقل الواجب الملقي على عاتق القوى الجماهيرية لرفع صوتها الثوري و ابتداع اساليبها الفعالة للمقاومة المدنية لانتاج التغيير السياسي و الاجتماعي المنشود.
سيناريو المسكنات الوقتية الذي استعرضناه في فاتحة هذا التحليل فشل النظام الزريع في صقل هذا السيناريو ، حيث لا يزال الفساد و سوء الادارة و روح التكسب الشخصي المسيطرة على مفاصل النظام تمنع احداث أي تغيير او اصلاح ملموس حتى لو بشكل مؤقت، و قد زادت الحكومة غرقها في مستنقع الفشل بتحركاتها السياسية الرعناء على الصعيد الدولي التي لم تراعي مصالح الوطن بل تهدد توزانات القوى في الاقليم باكمله، أن الطموح الشخصي و الايدولوجي لبعض سادة النظام في البحث عن دور أقليمي و دولي أكبر من حجمهم الحقيقي يبقى مهدداً كبير لسلامة الوطن في ظل توازنات سياسية دولية تبنيها كل دول المنطقة و العالم حفاظاً على مصالح بلادها، كما ان النظام يحاول تجربة ذات الطريقة في التعامل مع انقساماته الداخلية كما حدث في تعيين اللواء بكري حسن صالح نائباً لرئيس الحركة الاسلامية _و هي الرحم الايدولوجي للنظام_ في محاولة لتقليل الشقة بين المدنيين و العسكريين من اقطاب النظام، الا ان ذلك لا يمنحهم الا هدنة قصيرة ستعاود الخلافات بينهم للانفجار بشكل اكثر حدة في ظل استمرار اسبابها الاساسية دون حل.
يتبقى الخيار السوداني المجرب مرتين من قبل و هو سيناريو الانتفاضة الشعبية الذي بشرت احداث (2012) بهبوب نسائمه في تتويج لنضال طويل استمر منذ (1989) ضد ديكتاتورية هذا النظام. و في ظل تقارب قوى المعارضة المختلفة يصبح هذا السيناريو هو المرشح بشدة للحدوث في عام (2013)، و هذا التقارب بين قوى العمل الوطني المختلفة بالرغم من انه يشكل اشارات جيدة و خطوات حقيقية على الطريق السليم، و لكن يبقى التحدي الأكبر الذي يواجه قوى المعارضة المختلفة هو كيفية الاقتراب و تبني المطالب الحقيقية لجماهير الشارع السوداني في شتى المناحي و طرح هذه القضايا بشكل جاد و مسئول و بدون اجندات سياسية مضمرة، لا بديل ولا مناص عن العمل لاستنهاض كافة القوى المدنية و المهنية و الفئوية من نقابات و هيئات مطلبية و اتحادات جماهيرية لاستكمال حلقات الضغط الشعبوي على النظام، و هذا لن يشكل خطوات اكبر باتجاه الثورة على النظام الحاكم فحسب بل سيضع اللبنة الاولى في طريق ضمان تحقق المطالب الشعبية حتى بعد تغيير النظام و الاطاحة به. نعيد التأكيد الذي نصرح به دائماً على ضرورة ان يحدث التغيير السياسي في منهج العمل السياسي و العام في السودان ليصبح مخاطبا قضايا الناس و مستجيباً لمطالبهم المعيشية بصورة مباشرة وعملية و دون اجندات اخرى اياً كانت.

خاتمة:
لا مخرج للوطن الا بذهاب النظام ، ولا مفر لكل القوى الوطنية الا مواجهته بسلاح المقاومة الشعبية الفاعلة لاحداث تغيير حقيقي لا يشبه كل التجارب السابقة التي تكتفي بتغيير اوجه السلطة السياسية يصبح دون ايجاد حلول حقيقية لقضايا الوطن في المركز و في الاطراف و دون ايجاد حلول حقيقية لمطالب اهل السودان في التوزيع المتوازن لموارد الثروة و السلطة لكافة انحاء البلاد. و ستبقى كلفة هذه المواجهة مهما بلغت اقل بكثير من كلفة بقاء النظام الحاكم اليوم على سدة السلطة.
التغيير الان حق و واجب و ضرورة المقاومة مستمرة و ستنتصر

حركة التغيير الآن
الخرطوم
يناير 2013


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 931

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




حركة التغيير الآن
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة