المقالات
السياسة
غياب النزعة الإنسانية في حضرة الأصولية العمياء..
غياب النزعة الإنسانية في حضرة الأصولية العمياء..
01-06-2016 11:56 PM


ذات يوم تنباء المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي بان بقاء السودان موحد يقع على عاتق المثقف الشمالي كواجب يحتمه التاريخ وكان ذلك أيام مؤتمر جوبا في عام 1947. وحينما أطلق أرنولد توينبي نبؤته تلك، كان مدركا أن الدول التي ترزح تحت نير الإستعمار ضعيفة الهياكل الإجتماعية بسبب تكوينها العشائري، والقبلي، والجهوي، والطائفي. ففي سبيل تكوين دولة حديثة، ينبغي مراعاة فروق الوقت بين عصرها، وعقلها الذي مازال مصلوبا في فكر القرون الوسطى، والعصر الحديث، والذي قد أصبح فيه الإنسان مركزا للكون، بدلا من اتخاذ الميتافيزيقا أرض معركة في وقت قد أصبحت تتنازع قوتان: قوة يسيطر عليها الفكر الديني، وقوة تحاول جر كتلة العالم العربي والإسلامي-الميت منذ قرون- الى الحاضر بعالمه الحديث. وقد صدقت نبوته بشأن العالم العربي الذي تتنازع على جثته اليوم أصولية عمياء إتخذت من فكرة الإحياء جرافة هائلة من التجريف، والتحريف لوظائف الدين. والنتيجة أصولية عمياء قمة منحناها في الفكر الداعشي. وفي السودان يتربع الأخوان المسلمين بخطاب ديني منغلق لما يقارب الثلاثة عقود.
أرنولد توينبي من المعجبين بمنطق ابن خلدون. ويلتقي معه عالم الإجتماع العراقي علي الوردي في الإعجاب بمنطق ابن خلدون. لذلك كانت وصية علي الوردي بأن الليبرالية خير من يمثل مجتمع هش، عشائري، وطائفي، وقبلي. وإذا فاتت فرصة قيام نظام ليبرالي, فسوف يطول انتظارها لزمن طويل تحت عذابات، وويلات لا تفسرها إلا حالة العالم العربي والإسلامي اليوم، في تفشي الطائفية، والحروب الدينية، والقتل على الهوية في العراق، وسوريا اليوم. فكان نصيب علي الوردي كبيرا من العداء، والكره الذي قد عده له كل من الإسلاميين، والقوميين، والشيوعيين.
اما السودان اليوم، في ظل الأصولية العمياء، بسبب حكم نظام الإنقاذ وخطابها، فقد صار الإسلاميون السودانيين يخرجون لسانهم لغيظوا أرنولد توينبي الذي قد صدقت نبوءته بشأن العالم العربي، والإسلامي. وتمزقه بين قوة تريد جره للحداثة، وأخرى تريد دياجير القرون الوسطى. وقد خابت نبوءته بشأن مثقف شمالي يحتم عليه التاريخ قيام سودان موحد عند انفصال الجنوب. خابت نبوءته لأن مثقفي شمال السودان غير مؤهلين لدخول التاريخ!
كيف لا تخيب نبؤة أرنولد توينبي في المثقف الشمالي؟ لا شك في ان أرنولد توينبي واحدا من أهم مؤرخي القرن العشرين، ومدرك للمغامرة الكبرى للإنسانية بسبب منهجه النقدي التاريخي كواحد من ورثة فلاسفة الأنوار. لذلك يجب مراعاة فروق الوقت بين أمثال ارنولد توينبي، والمثقف الشمالي في السودان. فمحمد أحمد محجوب مثلا، كان كل همه أن تكون الثقافة العربية الإسلامية هوية للسودان! والدكتور عبد الله الطيب يقف بجانب التراث والدين والأمة بدلا من أن يكون طه حسين السودان، ويكون مصلا ضد الأصولية العمياء.
وقف عبد الله الطيب بجانب تراث و دين يحتاجان لغربلة، كما الغربلة التي قام بها محمد أركون في نقده للعقل الإسلامي. فقد بحث فيه محمد أركون عن النزعة الإنسانية الضامرة منذ قرون بسبب ضمور العقل الإسلامي. بحث محمد أركون عن قطيعتين للعقل الإسلامي: قطيعة مع تراثه ذو النزعة الإنسانية التي قد ضمرت، وقطيعة مع الحداثة. وقوف عبد الله الطيب بجانب التراث، والدين، والامة في خطابه ايام مراسلاته لطه حسين جعلت عبد الله الطيب يقف مع المخيبين لنبوءة أرنولد توينبي في المثقف الشمالي. وقوف عبد الله الطيب بجانب التراث والأمة، قد ضللت الدكتور عبد الله الطيب عن فهم أشعار توماس إستيرنز أليوت! و ذلك بنصحه- أي عبدالله الطيب- للمثقف أن يتجنب أليوت! لا لسبب، إلا لأن أليوت لم يشر الى الثقافة الإسلامية. نصح عبدالله الطيب المثقف بالإبتعاد عن أليوت، لأن عبد الله الطيب يقف بجانب التراث، والدين، والامة!
يمكنني أن أقول، لو كان الدكتور عبد الله الطيب في مستوى عبد الرحمن بدوي تلميذ طه حسين، الذي كتب مقدمة كتاب عبد الله الطيب المرشد لفهم أشعار العرب وصناعتها، لفهم عبد الله الطيب الحكمة الخالدة، وبحث الإنسان عنها منذ أسطورة جلجامش في أشعار أليوت. ولكن الدكتور عبد الله الطيب مشغول بالوقوف بجانب التراث والدين والأمة. فكيف لا يكون الشغل الشاغل للمثقف السوداني هو الهوية في مدرسة الغابة والصحراء، و ابادماك، ومدرسة الخرطوم.
وكذلك كتابات عبد الله علي ابراهيم عن منصور خالد، ومحمد محجوب منها تفوح منها رائحة مقولة عبد الله الطيب لطه حسين "فضلت الوقوف بجانب التراث، والدين والأمة". لذلك ما زال عبد الله علي ابراهيم يقف بجانب الدين، والتراث، والأمة بهوية عربية، اسلامية ذات جرح نرجسي، بسبب عدم مشاركتها في صناعة عرس الحداثة كما يقول داريوش شايغان. في زمان قد أصبحت الحداثة بعدا روحيا للانسانية الحالية. وبالتالي، الذي يشغل كاهل الإنسان اليوم، الحرية، وليست الهوية. نعم الحرية! وليست الهوية التي وقف عبد الله الطيب بجانب تراثها غير المغربل. لذلك فات على عبد الله الطيب فهم أشعار أليوت التي تطرح الأسئلة الكبرى للوجود، ولا تهتم بسؤال الموجود كما انشغل الدكتور عبد الله الطيب. لذلك عبر أليوت القرن العشرين كشاعر عظيم. وقبل أسابيع نفدت إعادة طباعة أشعاره بشكل حير المراقبين! في أن أليوت مازال له قراء في ساعة تشير الى القرن الواحد وعشرين. نفاد كتب أليوت بشكل حير النقاد في الأسابيع الفائته قد خيب نبوءة عبد الله الطيب ونصحه للمثقف بالإبتعاد عن أليوت.
ولكن مهلا لماذا سقط الدكتور عبد الله الطيب؟ لأنه يدافع عن تراث، ودين ذو قطيعة كبرى مع الحداثة، ومع تراثه ذو النزعة الإنسانية. لذلك لم يتحرج الدكتور عبد الله الطيب أن يكون واحدا من وعاظ السلاطيين في وجوده في الدروس الحسنية أمام ملك المغرب في زمن كان يمثل ملك المغرب قمة الإستبداد في العالم العربي.
المهم اليوم العالم يتحدث عن الإنسانية الثانية، ويحاول فلاسفة اوروبا اليوم جعل الانسان مركزللمرة الثانية في محاولة لضحد أفكار ما بعد الحداثة، ونقدها للعقل الذي كاد أن يقضي علي مكاسب إنسانية كبرى كميثاق حقوق الانسان. نعم أفكار ميشيل فوكو، وجاك دريدا في نقدها للعقل كادت أن تطيح بالفكر الليبرالي، ومكاسب أساسية كحقوق الانسان في مساواتها بين الديمقراطية، والنظم الشمولية. لكن قلنا يجب مراعاة فروق الوقت في مابين أفكار لوك فيري اليوم كفيلسوف فرنسي من ورثة فلاسفة الأنوار، وعبد الله علي ابراهيم، و الدكتور عبد الله الطيب كمدافع عن الدين، والتراث، والأمه. و يجب مراعاة فروق الوقت بين أفكار لوك فيري و ومدرسة الغابة والصحراء، وابادماك. هنالك قرون من الزمن تفصل عقلين: احدهما عقل الأنوار، وآخر عقل القرون الوسطي.
لوك فيري تصدى لكل من ميشيل فوكو، و جاك دريدا في هجومهم على العقل واسترد للإنسان مكاسبه في الحقوق. لوك فيري إنسان لا يشغله سؤال الهوية، بل تشغله أسئلة الحرية، والسعادة. نعم الفرق بيننا واوروبا، قرون، رغم ان العقل الانساني، والفعل الانساني واحد. لذلك حينما حاول ساركوزي طرح مسألة الهوية الوطنية لفرنسا، تصدى له فلاسفتها، وعلماء اجتماعها، وحينها وصف المثقفون الفرنسين ساركوزي بأنه رئيس متدني الثقافة كرئيس لفرنسا.
الإنقاذ سوف تسقط بالتقادم. والعالم العربي والإسلامي اليوم بفعل خطابه الديني المنغلق، قد فعل بنفسه ما لم يستطع أعدى أعدائه أن يفعله به كما يقول المراقبون.
هاهي اليمن بفعل طائفة تنجر الى الجحيم. وفي سوريا والعراق القتل على الهوية. ولبنان، و حزب الله الذي قد أصبح دولة داخل دولة. وفي السودان تحت نير الإنقاذ لقرابة ثلاثة عقود في غياب العقل بسبب الوقوف بجانب الدين، والتراث، والأمة.
الخروج من رحاب النظم الشمولية يحتاج لجهد مفكريين من صفاتهم أن يكون كل واحد منهم كتيبة معرفية في المعركة ضد كل أشكال النظم الشمولية. و بالمناسبة قد وصفت حنا ارنت بانها كانت كتيبة معرفية في المعركة لهزيمة شمولية الشيوعية. وكذلك قد وصفت حنا ارنت بأنها من فصيلة المثقف غير القابل للضبط. كما وصف ريموند أرون بأنه المثقف غير المنخدع بالفكر الشيوعي أيام سيطرة سارتر وفكرة الإلتزام الأدبي. السودان اليوم في حربه ضد كل أشكال النظم الشمولية، محتاج لمثقف غير قابل للضبط كحنا ارنت، ومثقف غير منخدع كريمون آرون.

[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 1 | زيارات 1598

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1397336 [فاروق بشير]
0.00/5 (0 صوت)

01-08-2016 12:31 PM
في هذا الموقع تجد رايمون ارون كواحد بين مثقفين تدفع لهم وتوظفهم السي اي ايه
http://www.voltairenet.org/article11249.html
قوقل يوفر الترجمة.
في الستينييات عرف عن سارتر وبرتراند راسل اقامتهم ما عرف بالمحاكمة الادبية لامريكا.
وسارتر في قول حاد وصف اعمال امريكا بانها ابادات عرقية شاملة. وحتي فى السودان وصلتنا بعض ادانات المحكمة للنظام الراسمالي, كمثال:
ان امريكا تحرق من القمح كل عام ما يكفي افريقيا لثلاثة اعوام.
ماركس قدم لنا نحن البؤساء نظرية حول استغلال الانسان للانسان ولو وجدنا من يطرح هذا الموضوع بالذات بدلا عنه وافضل اذن سيسقط ماركس. ولا حاجة لكاتب مشبوه.

[فاروق بشير]

ردود على فاروق بشير
European Union [فاروق بشير] 01-09-2016 02:38 PM
حسبتك ستحقق في خدمته لصالح السي اي ايه. لانها ان صحت ستعني سقوطه الاخلاقي .
المعلومة التى ذكرتها عنه الان اعرفها سلفا,عرفتها منك في مقال في سوداننايل وفى الراكوبة حول هذا الكاتب.
من فضلك ركز حول هذا الاتهام.

European Union [taher omer] 01-09-2016 01:23 AM
الرجل قضى ثلاثة عقود في دراسة راس المال لكارل ماركس وهو فيلسوف وصديق سارتر وتفوق على سارتر في العام الذي رسب فيه سارتر. وكذلك عالم اجتماع ومؤرخ. بالمناسبة مشى للكتب قبل ان يمشي للحزب عشان كدى كتب افيون المثقفين. انت اتخلص من التربية الحزبية تجد نفسك تخلصت من افيون المثقفين. قضى ثلاثةعقود في دراسة راس المال ولم يجد فيه ما يجعله ان يكون ماركسيا لانه يفهم فلسفة التاريخ عبر الكتب وليس عبر الحزب.
ما قولك في دعم سارتر للشموليات في مراهقة الفكر اليساري الذي يضيف للواقع ما ليس فيه في فكرة الإلتزام الأدبي. على اي حال وهمك عن الماركسية لا يجد الموافقة من تاريخ الفكر الإقتصادي عبر الكتب وبعيد عن تربية الحزب.


طاهر عمر
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة