المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
يناير أيقونة الحزن السوداني
يناير أيقونة الحزن السوداني
01-18-2013 09:46 AM

يناير أيقونة الحزن السوداني

بقلم : جبير بولاد
[email protected]

يا سودان أذا ما النفس هانت..
أقدم للفداء روحي بنفسي
في الثامن عشر من يناير سنة 1985م ، دفع السودان و السودانيين فداءا عظيما ..كانت الأيام تنصرم بنظام الديكتاتور النميري و لكنها أنصرمت بمشهدٍ كان الأكثر مأسوية ..إعدام الأستاذ "محمود محمد طه" ،في مشهد شنق فيه و إعدم الفكر علي منصة الهوس الديني في مزاوجته مع نظام شمولي له تاريخ في إفقاد السودان شوامخ مفكريه –أختلف الناس حولهم أم أتفقوا- و قبله كان الأستاذ عبد الخالق محجوب ، كذا صورة لمفكر آخر كان له صولات و جولات ليشنق هو الأخر في يوم بارد الطقس و الدم .
..يناير هذا الشهر ..هذا الوجه الذي يطالعنا مقدم كل عام ، أصبح هو وجه الحزن عندنا نحن السودانيين ، فيه نجتر ذكرانا الحزينة و فيه بتنا ننتظر فواجع جديدة ..يا له من شهر صادقنا بوجه الحزن فيه و بأقصي تواقيع الفقد .
.. فمن يناير الكليم الذي قص جذوة الفكر بمقتل الأستاذ محمود و مشروع كامل غُيّب عن أبناء السودان ..مشروع كان جدير بأن يخلصنا من أشكالاتنا مع تراثنا و مع روحنا الي باحات التصالح معها و القدرة علي النهوض بعقلنا من تهاويم الخرافة ..مشروع يحررنا من الركون لسلاسل و قيود المفاهيم التقليدية البالية الي سُوح الفكر في أعظم تجلياته ، فكرُ يضوع أنسانية و يملك القدرة علي الخروج بأنسانية المسلمين من خانتها الضيقة المحشورة فيها حشرا الي باحات المشاركة و المحاورة الذكية ، بل و ضخ المزيد من الروح لأنسانية القرن الواحد العشرين فلا كرامة أبدا لدين أو منهج أو نظرية جُلّ دعوتها هي تقتيل الناس لأختلافهم معها، و لا أحسان أبدا في تقديم جهد للناس لا تكون غايته هي تلطيف حياة العباد و ملئها بالشعور.
..لم تمر بضعة سنوات (ينايريات) حتي أصاب الفن السوداني مُوجعة أخري ..رحيل الفنان الفذ "مصطفي سيد أحمد" ..قامة في الفن و ملاحة في الروح و أشعاع في المكان ..مصطفي ، كان صاحب مشروع أيضا علي سياق آخر و لكن له كبير علاقة بموضوعات الفكر أيضا ..أذ أن الفكر له تمثلاته في أنساق الحياة و أقانيمها و أبداعات الأنسان الأخري ..الأدب ، النحت ، التشكيل ، المسرح ، الموسيقي ....الخ . مصطفي و مشروعه الفني أيضا جُوبهَ بضراوة المؤسسات الشمولية البغيضة ..جوبه بذات الغيلان التي تسرح و تمرح في عهود الأنحطاط الفكري و الفني و الأدبي و التي تجد لها دوما أمكنة مهيضة في سروج السلطة ..و لولا صلابة عود الأنسان المبدع في شخصية "مصطفي" لكان غاب كل هذا الجمال و لما كان لنلاقيه أبدا .
..رحل المفكر ..و رحل صوت المغني حزين و لكن بقيت الفكرة صدّاحة ، تؤقظ سبات الغافيين و تقلق مضاجع أهل الدهاليز و معاقل الغيلان ..بقي صوت المغني أنشودة تغذي ثنايا الروح و التاريخ و تهفو اليها النفوس عند إنسداد الأفق بغبار هياج الغيلان .."رحل صوت المغني حزين و لسة الصوت صراع زمني" .
..اليوم في ينايرنا هذا ..كنا مؤقنيين بأنه شهر الفواجع و لكنا لم نكن ندرك من أين تأتي الفاجعة هذه المرة ..و ما أن بزغت أوائل خيوط فجر اليوم 17/يناير حتي أتانا الناعي ينعي لنا رحيل مغُني آخر و هو محمود عبد العزيز، أو كما يحلو لمحبيه – و هم كُثر - بالحوت .."الحوت" لم يكن صاحب مشروع فكري مقُلق لأصحاب الكهنوت و السلطة ، و لكنها جاء في زمن رحل عن سوداننا العظام في مجالات شتي و ظن الغيلان أن الدنيا آتتهم منقادة ، و لا مقلق لهم اليوم في صبواتهم و لا نفاد لنعيم مرحلتهم الجديدة مرحلة صياغة المجتمع لوضعه كله تحت وصايتهم و خدمة لمشروعهم ، مشروع الخواء .
..بغتة ظهر "الحوت" شاب في مقتبل العمر ، لا يملك سواء صوت طروب و جسد نحيل ، و لكن كل ما فيه كان يضج بالتمرد و عَصيُّ علي قوالب الصياغة الجاهزة ..الفنان محمود عبد العزيز بحكم مكوناته الذاتية و تجربته الصعبة في البدايات لم يزعم لنفسه مشروع فني و كل ما أراده هو أن يموضع نفسه كنموذج يعبر عن ذاته أي كان شكل و مضمون هذا التعبير ، و كان كل ما يميزه هو تمرده علي الفترة التي أطّل فيها ، تلك الفترة الحرجة جدا من تاريخ السودان و التي جُرّف فيها تاريخه و أدبه و فنه و رموزه ..فترة أراد القائمين عليها مسح كل ما كان في السودان حتي الأسم طالته المجادلة ..أرادوا فرض كل ذلك من خلال القوانين و أذلال السياسيين و نحر المدنيين و أسكات الرأي و تحطيم نخوة المجتمع من خلال أخضاعه لبرنامج أقتصادي برنامجه الندُرة و الأفقار و سوق الناس للموالة من خلال تقديم كرامكتهم ثمن للعيش ، و كان الجانب الأكبر من كل ذلك "الرعنوت" واقع علي الشباب ..الشباب تلك الفئة التي عليها دوما يقع تشكيل مجريات التاريخ و مقارعة الواقع من خلال إنزال الأحلام الي خانة الممكن ، طاقة لا تعرف المستحيل ، كل هذا اُريد له من خلال القوانين و الحروب المفتعلة –حرب النفس ضد الذات- أن ينهار و ينهزم حتي تسهل قيادته .
"الحوت" بحس الأنسان الفطري فيه تمرد علي كل ذلك ، بل و منح مزيدا من نكهته الخاصة في التمرد للحد الذي الهَم الشباب السوداني بنموذج الفنان السادر في غوائية فنه و كسره للتابو السلطوي و كافة أنسقته في الحياة السودانية (السلطة الأجتماعية وغيرها) ، فكان دوما هو الشارة التي تذكر معجبيه في كل المحافل التي يلتقونه فيها بأن كسر البديهي و السلطوي ممكن ..شعر الشباب بأن هذا النموذج هو نموذج معبر عنهم بقوة و هم في حوجة له لمنازلة هذا الزمن السوداني الأرعن ، فهاموا بأغنياته و تمثلوا طريقة رفضه و تحول الفنان الي رمزية المغني الكافر بزمن الكهنوت و المؤمن و المُبشر بزمن الجمال المُفاض ..غني للناس في أوقات ضعفه و غني لهم أيضا من داخل السجون قربان تحديه للتابوهات ، و عندما نضجت تجربته بعد سنوات راح يتبني بعض مشاريع خيرية ، مثل تكريمه لبعض رموز الغناء السوداني في كما في تجربته في النادي الدبلوماسي الأسبوعية حول تكريم فنانيين سودانيين قدموا لهذا الوطن و أنسانه دون أنتظار للتكريم من أحد ، مثل هذه النشاطات الأجتماعية و الأنسانية زادت من رصيد "الحوت" و وسعت من مساحة قبوله حتي في أواسط الناس الذين كانوا يقفون مسافة من تجربته بالنقد و المحاكمة .
شعرت السلطة في زمن ما بخطورة دوره و وسط الشباب تحديدا ، هولاء الشباب الذي كانوا قبل زمان قريب وقود لحروب جهادية و مسكنون بفكرة الشهيد ، فأصبح لديهم الشهيد الحي هو نموذج الحوت ، فنان شاب خارج علي التابوهات بطريقته الخاصة و المتوسلة وسيلة الفن و جاذبيته ، حاولت السلطة أستمالته تارة بالترغيب و أخري بالترهيب ، و لكنه كان بالنسبة لهم نموذج يستعصي علي الترويض ، فلما ألمّ به المرض ظلوا يراهنون علي الزمن في تغيبه عنهم بالموت ، علهُ يكيفهم شر المراوحة بين الترغيب و الترهيب .
..اليوم فقط و برحيل هذا الفتي الذي شغل دنيا الشباب و حركّ فيهم مكنيزمات الرفض و التي ربما كانت لتقود الي بقاع أوسع في الرفض ..الأن فقط سوف ترتاح غيلان كثيرة ..سوف تثقل في النوم ضمائر لم تستقيظ أبدا و لكنها تغوص في نومها الطويل راضية بغياب هذا الصوت المقلق و الذي عبر المكان و وضع فيه بصمته و سوف يذكره الزمان كواحد من الذين رفضوا بطريقتهم الخاصة ..الا رحم الله محمود عبد العزيز رحمة واسعة ..اللهم بقدر ما أحبه الناس ، أغفر له و أدخله مدخل صدق عندك و أكرم منزلته أنك أنت الغفار ، الودود، الرحيم .


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 936

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




جبير بولاد
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة