المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
ميثاق الفجر الجديد يحتل مكانه في سجل الخالدين
ميثاق الفجر الجديد يحتل مكانه في سجل الخالدين
01-19-2013 10:34 PM

ميثاق الفجر الجديد يحتل مكانه في سجل الخالدين
تقرير إلى الشعب السوداني حول اجتماعات القوى السياسية والمدنية لتوحيد الوثيقتين

شمس الدين الأمين ضوالبيت
[email protected]

لقد قادت صدفة تواجدي في موقع الاجتماعات, ممثلاً للمجموعة السودانية للديمقراطية أولاً, أن طلب مني الإخوة والاخوات في الجبهة الثورية وتحالف قوى الإجماع, إدارة جلسات اللقاء بين الوفود, والتي كان الهدف منها دمج وتوحيد وثيقتي البديل الديمقراطي وبرنامج إعادة الهيكلة. وقد انعقدت جلسات هذا اللقاء متوافقة مع ذكرى استقلال السودان, في شهر يناير العظيم, الذي شهد أيضاً انتصار الثورة المهدية وتحرير الخرطوم, ويشهد هذه الأيام ذكرى التضحية العظيمة من أجل السودان, لشهيد الفكر والحرية المصلح الديني الأستاذ محمود محمد طه.
وقد رأيت أن أرجئ هذا التقرير المرفوع للشعب السوداني, إلى وقت تكون قد تراجعت فيه كثافة البيانات, وبعد أن يكون النظام فرغ من كيل كل ما يمكن أن يقال من الوعيد والتهديدات, فذلك هو الوقت الذي سيجلس فيه الجميع لقراءة ميثاق الفجر الجديد قراءة ثانية. وستكون هذه القراءة الثانية هي القراءة الحقة والأجدى. هذا ما يقوله النقاد ومحللو النصوص, الذين يعلموننا أن سبر غورها لا يكون إلا بقراءة أخرى, تكون متخففة من التحيزات المسبقة, ومن الهواجس الحقيقية أو المتوهمة, التي تحيط, عادة, بالقراءة الأولى.
في حالة ميثاق الفجر الجديد فقد كانت هذه التحيزات والهواجس والشحنات, في الواقع مركبة:
أولاً لأن الإعلام السوداني رهين لأجهزة الأمن, لذلك لم تتوفر للميثاق تلك المانشيتات الصحفية المرحبة من شاكلة "تبت يدا المستحيل" التي استقبلت بها صحف الخرطوم, برتكول مشاكوس, صباح الثالث والعشرين من يوليو 2002, على سبيل االمثال, برغم أن ذلك البرتكول, بتقسيمه للسودان على أساس ديني, هو الذي دفع الجنوب للانفصال في عام 2011.
ثانياً أن النظام الحاكم في الخرطوم له موقف معارض لإلتقاء السودانيين الذين خرجوا بالميثاق أبتداءاً, وذلك بغض النظر عن مكونات ما يخرجون به, لذلك سلط على اللقاء وعلى الميثاق أجهزته المتمرسة في التضليل, وقياداته المتخصصة في التنكيل بالخصوم وابتزازهم, والتقليل من شأنهم, وتبخيس أشيائهم.
ثالثاُ, اللقاء زائداً الميثاق تم بجهد سوداني خالص, فلم يكون هناك وجود لوسطاء أجانب, ولا أصدقاء للوسطاء, ولا خبراء أو سكرتارية من غير السودانيين, مما جعل النظام أكثر جرأة على الذين شاركوا في هذا الجهد من قوى الإجماع الوطني ومن المشاركين الآخرين القادمين من الداخل, فاعتقل كل من عاد منهم إلى السودان.
فأن يكون موقف القوى السياسية في الداخل, في ظل هذه العوامل الثلاثة, وفي ظل تراجع كبير حتى عن الهامش المحدود للحريات الذي وفرته الفترة الانتقالية, أن يكون موقفها هو التمسك باللقاء وبالوثيقة, وأن تعلن أن "اللقاء بين التحالف والجبهة الثورية مقرر منذ فترة, وأن الهدف منه هو ميثاق موحد, يتم التوقيع على الصيغة النهائية منه في مؤتمر مشترك يضم قيادات هذه القوى".. هذا التمسك والإعلان يعادل استخراج شهادة الميلاد لميثاق الفجر الجديد, ودليل عل أنه وُلد ليبقى, بإذنه تعالى.
ليس في هذا القول ما ينفي إنه كانت لفصائل قوى الإجماع المختلفة تحفظات تتعلق بهذا النص, أوذاك التوجه من محتويات ميثاق الفجر الجديد, وبالفعل فقد أثارت البيانات التي صدرت عن هذه الفصائل مسائل تتعاق بالهوية والعلاقة بين الدين والدولة, والوحدة الطوعية, وقومية أجهزة ومؤسسات الدولة, ومدة الفترة الانتقالية, ومستويات الحكم.. غير أن هذه التحفظات كانت, إما تكراراً لموقف الفصيل المعني من المسألة موضع النظر, أو تفسيرات هذا الفصيل الخاصة للنصوص الواردة في الميثاق حول هذه القضايا, وليست بالضرورة ما جاء حول هذه القضايا في وثيقة البديل الديمقراطي, أو ما عنته نصوص ميثاق الفجر الجديد.
في مثل هذه الحالات, عندما تكون هناك تباينات في تفسير النصوص, فإن إحدى الوسائل لاستجلاء المعاني المقصودة يكون بالعودة إلى الأعمال التحضيرية للمواثيق والإتفاقات: وتشمل الأعمال التحضيرية, المداولات والنقاشات التي دارت بشأن النصوص, ومن شاركوا في إعدادها, وما سبقها من لقاءات, والأجواء العامة المحيطة بها.. ووما إلى هذه من الأمور.
وقد أتاح لي وجودي في مقر الاجتماعات وإدارة الجلسات أن أتابع عن كثب الأعمال التحضيرية التي صدر عنها ميثاق الفجر الجديد. لذلك رأيت من هذا الموقع إلقاء الضوء على جوانب من هذه الأعمال التحضيرية مساهمة في توصيل الميثاق إلى جماهير الشعب السوداني, وإجلاءاً لبعض المعاني والحقائق التي قد تكون غابت في ظل الغبار الكثيف, وحملات الابتزاز والتخويف التي شنتها أجهزة النظام. وبالطبع فإن ما أقوله من آراء يعبر عن فهمي للوقائع التي حدثت, وللحوارات والنقاشات التي دارت, واتحمل بالتالي المسئولية عن هذا التقرير وحدي.
لقد سبقني مشاركون آخرون, منهم السيد مبارك الفاضل, أوضحوا المنهج الذي قام عليه عمل اللجنة, وهو إيراد المتفق عليه بين الوثيقتين - والذي شكل أكثر من 90% من القضايا- إيراده كما هو في الميثاق. وعليه فقد انحصرت القضايا المختلف عليها بين الوثيقتين, (قرر المجتمعون استخدام مصطلح التباين في النقاش, بدلاً من الاختلاف, لما ساد الجلسات من روح توافقية عالية), على أنها قضايا الهوية, وعلاقة الدين بالدولة, ونظام الحكم, ومعاملة الأقاليم المتضررة من الحرب, ومدة الفترة الإنتقالية, والوحدة الطوعية. وبالتالي فقد اقتصر الحوار على هذه القضايا, وتضمن الميثاق ما تم الإتفاق عليه بشأنها.
وفيما عدا بيانات المؤتمر الشعبي, التي قالت إنها تعارض أي إشارات يمكن أن يُفهم منها ’فصل الدين عن السياسة‘, كان الانتقاد الرئيسي الذي وجه للميثاق هو الذي يتعلق بالصياغة. ويتلخص في أن الميثاق "لم يصاغ بطريقة تراعي حساسية العمل الجبهوي, واستحالة فرض لون واحد فيه". ولكن من ينظر للقضايا في الفقرة السابقة, سيجد أنها لعبت دوراً من الأهمية والخطورة في تاريخ السودان بحيث أن أي وثيقة لا تعطيها الاعتبار الكافي ستكون وثيقة بلا أهمية لحاضر أومستقبل السودان. فقد ظلت مسألة وقف الحروب الأهلية, وأيجاد المعالجات لتظلمات أهل الهامش والأطراف هي محور العمل السياسي في السودان منذ الاستقلال. ولقد تضخمت هذه التظلمات وتضاعفت بحروب دينية, وجرائم حرب, وجرائم ضد الإنسانية, ونزوح وتهجير غير مسبوق, أضعافاً مضاعفة في ظل النظام الحالي.
وبما أن الهدف النهائي للبرنامج الذي يتضمنه الميثاق هو تحقيق السلام والانتقال الديمقراطي الكامل, بهذا الترتيب والترابط, كان من الطبيعي, بل ومن المطلوب, أن تتصدر هذه القضايا الميثاق وتطغى عليه. وهي القضايا التي يركز عليها برنامج إعادة الهيكلة وعمل الجبهة الثورية, بتفصيل أكثر, بحكم القرب, وثمثيل المتضررين منها مباشرة, وذلك في مقابل برنامج البديل الديمقراطي الذي جاء تركيزه على الانتقال الديمقراطي. فلا يكفي في مثل هذه الحالة أن يعكس الميثاق توازنات القوى السياسية, فحسب, بل يجب أن يعكس أيضاً الأوضاع على الأرض, والقضايا الرئيسية التي تشغل الناس, والمرحلة التاريخية التي يعيشها السودان.
وغني عن الذكر أن الحوار حول هذه القضايا استغرق الجزء الأعظم من وقت وجهد الوفود المشاركة. ومن بين هذه القضايا استغرقت قضيتان الجهد الأكبر للوصول لإتفاق حولهما, وتطلبتا تدخل قيادات الجبهة الثورية وقوى الاجماع, التي رابطت طوال أيام الاجتماعات خارج القاعة, لتذليل الصعاب التي يمكن أن تعترض عمل اللجنة. وهما قضيتا العلاقة بين الدين والدولة, ومسألة الهوية. وليس ذلك بمستغرب فهما القضيتان اللتين عصفتا ولا زالتا تعصفان بالسودان والسودانيين.
وقد كان الإتفاق العام في مسألة العلاقة بين الدين والدولة, أن تجربة الدولة السودانية تقتضي صيغة تحقق الحريات الدينية, وتكفل المساواة بين كافة المواطنين, وتحظر إصدار قوانين تميز على أساس ديني, وتمنع استغلال المشاعر الدينية للبسطاء في العمل السياسي. غير أن هذه المكونات لم تأت في الميثاق في فقرة واحدة وإنما في فقرات مختلفة. وكان الاعتراض الرئيسي للجبهة الثورية على الصيغة التي وردت في برنامج البديل الديمقراطي من أن (جمهورية السودان دولة مدنية ديمقراطية تعددية) هو أنها يمكن أن تكون خدعة من أنصار الدولة الدينية, الذين يعتبرون أن الدولة الدينية هي أيضاً دولة مدنية.
والحقيقة إنني واحد ممن يرون أن التجربة التي مر بها السودان, والنتائج التي ترتبت على ما سُمي بدولة الشريعة كان من المفترض ان توحد السودانيين في موقف واضح حول هذا الموضوع. للأسف فإن ذلك لم يحدث بعد في السودان. هذا بينما اتعظ وأخذ العبرة من التجربة السودانية, بعد ثورات الربيع العربي, الإخوان المسلمون التونسيون والمصريون ومعهم شعوب بلدانهم. فتحاشى حزب النهضة أي ذكر للشريعة في دستور تونس. وأبقى على النص الذي تركه نظام الحبيب بورقيبة العلماني. كذلك أبقى الإخوان المسلمون المصريون على نص من عهد مبارك, يتحدث عن مبادئ الشريعة, وهي أمر يختلف عن أحكام الشريعة, وعارضوا حتى حلفاءهم السلفيين, الذين طالبوا بإضافة أحكام الشريعة إلى الدستور.
وبلا شك فإن التجربة السودانية كافية لإقناع السودانيين, الذين خبروها لربع قرن الآن, أكثر من غيرهم, بأن الشريعة التي مورست في السودان, لا تكفل المساواة بين المواطنين, وتتعارض تعارضاً تاماً مع حقوق الإنسان, وهي المسئولة عن العنف والظلم الذي أصبح سمة الحياة فيه. إضافة إلى ذلك تستبطن هذه الصيغة تراتبية تجعل حتى المسلمين من ذوي الجذور غير العربية, بل والنساء من هذه الجذور العربية. مواطنين, ومواطنات من الدرجة الثانية, ولقد ذاق أهل الهامش من غير ذوي الجذور العربية ويلات هذه التراتبية, إهمال في التنمية, وحروب أهلية, وجرائم ضد الإنسانية. ولم تورثنا هذه التجربة إلا انفصال الجنوب, وتفشي العنف, والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان في كل مكان..
لقد جاء الوقت لكي تعلن قيادات قوى الاجماع هذه المسائل بصراحة, وتتخذ من المواقف, وتتبنى من النصوص ما يخاطبها بالصورة التي تعيد قيم الحرية والعدالة والمساواة للمجتمع والدولة في السودان.
ولا يمكن أن يكون تأجيل البت في موضوع الدين والدولة, أو السكوت عنه, أو إرجاؤه للمؤتمر الدستوري حلاً لهذه المسألة. إذ كيف سيكون العمل في الفترة الانتقالية مع كل هذه الترسانة من القوانين الدينية التي ملأ بها النظام غازيتة السودان, والتي كانت سبباً في الكوارث التي حلت به؟ لن يكون ذلك إلا تكراراً لتجربة انتفاضة ابريل, التي فشلت في إلغاء صيغه من هذه الاحكام ذاتها, ووضعت الأساس للمحنة التي يعيشها السودان حالياً.
وفي تقديري فإن النص الذي كان اقترح أولاً ونال موافقة واسعة, يحقق ممعالجة أفضل لقضية الدين والدولة. وقد جاء على النحوالتالي: "يمنع استغلال وتوظيف الأديان في العمل السياسي, أو التمييز بين المواطنين على أساس ديني, أو إصدار أي تشريعات تنتقص من حقوق المواطنة المتساوية, أو تتعارض مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان, أو تنتهك حيدة أجهزة ومؤسسات الدولة على أساس ديني". ولا زلت أرى أن النص الذي تبناه الميثاق نقلاً عن برنامج إعادة الهيكلة لا يستوفي- في حرفه - ما هو مطلوب من الذي أشرت إليه في الأسطر أعلاه, ولكنه يستوفي هذا المطلوب في روحه.
فيما عدا هاتين القضيتين – العلاقة بين الدين والدولة والهوية- فقد سادت روح التوافق والإتفاق والرؤية المشتركة كل اللقاءات والجلسات. وكانت مثار دهشة وإعجاب كل الذين شهدوا أو شاركوا في جلسات التداول حول القضايا موضع التباين, فلم يكن اللقاء في أي من الأوقات تفاوضاً بين تحالف قوى الاجماع والجبهة الثورية, بل حواراً قواعده الحجة والمنطق والممكن والرغبة المسئولة في الإتفاق, بما يكفل العدالة والمساواة والوحدة الوطنية. لذلك جاءت مقترحات التوفيق في كل القضايا, بما في ذلك الصيغة الأولى حول الدين والدولة, من طرفي التفاوض. يبدأ بالاقتراح أحد الأطراف, فيجد دعما سريعاً من مشارك من الطرف الآخر.
على سبيل المثال عند التداول حول طول الفترة الانتقالية كانت حجة تحالف قوى الإجماع أن تطويل الفترة يحمل شبهة الرغبة في البقاء في الحكم, من دون تفويض ديمقراطي, وأنه سيكون أمراً غير مقبول من شركاء السودان الدوليين الذين سيلجأ إليهم لإعفاء ديونه المتراكمة. بينما كانت حجة الجبهة الثورية أن العدالة السياسية تقتضي أن تسمح لها الفترة الانتقالية بتوفيق اوضاعها والتواصل مع قواعدها واستنهاض هذه القواعد للعمل السياسي, قبل الدخول في الانتخابات. وأن ذلك لن يكون ممكناً إذا كانت هذه القواعد قابعة في معسكرات اللجوء والنزوح وفي كهوف الجبال بعد أن احرقت ودُمرت قراها. وأنهم يرون أن ست سنوات هي الفترة التي تتطلبها عودة النازحين واللاجئين بحيث يتمكنون من المشاركة في العملية السياسية.
فاقترح تحالف قوى الاجماع حلاً وسطاً من أربع سنوات, باعتبار أن أربع سنوات هي الفترة المعتمدة عالمياً لأنجاز البرامج الانتخابية في الأنظمة الديمقراطية, ووافقت الجبهة الثورية لتصبح هي المدة المعتمدة في الميثاق للفترة الانتقالية.
وقد كانت سرعة الإتفاق في بعض القضايا, والتي تؤكد أن بعضاً من الخلافات متوهمة وناتجة عند عدم التواصل أوالدعاية المغرضة للأجهزة الحكومية – كانت مثار دهشة حتى لأعضاء الوفود أنفسهم, الذين لم يصدق بعضهم أن الطرف الآخر يمكن أن يقبل ما يقترحونه بهذه السرعة, بل طالب أحد المشاركين, في إحدى المرات, إعطاءه فرصة للتفكير في مقترحه مرة أخرى بعد أن تم قبوله بسرعة من الطرف الآخر. .
ولست في حاجة لتكرار ما قاله مشاركون آخرون قبلي من أن كل الحديث عن تهديد الوحدة الوطنية, وحل القوات المسلحة, وإلغاء السلطة القضائية وبناء أخرى جديدة على أنقاضها, أن كل هذا الحديث لا يعدو أن يكون مخاوف متوهمة, تغذيها الأجهزة الأمنية للنظام المتمرسة في التشويش والتلبيس. إذ لم يتطرق النقاش إلى أي منها بهذه الصورة مطلقاً. فقد انتهى الحديث حول الفقرة المتعلقة بالوحدة الطوعية التي وردت في برنامج إعادة الهيكلة, إلى إحالة هذا الموضوع إلى المؤتمر الدستوري باعتبار أن ميثاق الفجر الجديد هو برنامج هذه الوحدة الطوعية, وأن الموقعين على الميثاق هم الذين سيطبقون البرنامج, ومناقشته في المؤتمر ستكون لمراجعة تطبيق البرنامج.
ولم يزد النقاش في موضوع القوات المسلحة عن ضرورة التأكيد على مهنيتها وقوميتها, وهي مطالب, تبنى صيغة منها حتى العسكريون الإسلاميون في مذكرتهم الشهيرة عام 2010, حينما دعوا لفصل القوات المسلحة عن الحزب, وعدم تحميلها أخطاءه وخطاياه. وجاء الحديث عن "أنقاض" الجهاز القضائي للإشارة إلى الخراب الواسع الذي لحق به في ظل النظام الحالي..
في المقابل تضمن الميثاق نصاً يحظر استخدام القوة العسكرية في العمل السياسي في ظل نظام ديمقراطي, وهو نص يهدف, مع نصوص الترتيبات الأمنية, إلى ضمان عدم استخدام قوات الجبهة الثورية في العمل السياسي, أثناء الفترة الانتقالية, وحتى إدماجها في القوات النظامية القومية. وإلى قفل الباب أمام أي وصاية جديدة يمكن أن تسعى لممارستها أي من فصائل الجبهة الثورية, مما يمكن أن يؤدي إلى تقويض الندية مع القوى السياسية الأخرة.
كذلك نص الميثاق على أن المجتمع المدني والقوى الاجتماعية النسائية والشبابية الجديدة شريك أصيل في قوى التغيير وبناء المستقبل. وأضاف نصاً يلزم الدولة بمحاربة الاستعلاء والعنصرية, وإصدار قوانين تعاقب من يروجون لها, ودراسة الجذور الثاقية التي قادت لجرائم الحرب والإبادة لمنع تكرارها مرة أخرى.
لقد أتاحت لي فرصة المشاركة في اللقاء, أيضاً, أن أشاهد, من قريب, السودانيين بكافة تنظيماتهم, وهم يتسابقون للتعبير عن اعتزازهم بسودانيتهم, وإخلاصهم لأهل بلدهم, وحرصهم على وحدته, واستعدادهم للتضحية, ونكران الذات, وتقديم المصلحة العامة على كل حسابات حزبية أو فئوية أو جهوية من أجل الأخذ بيده والنهوض به.
ولا شك أن لقاءات توحيد الوثيقتين كانت, كذلك, تمريناً وطنياً عظيماً في العمل السياسي المشترك, تلاشت فيه الخطوط والفواصل الحزبية والتنظيمية, وكان الذي يجمع بين من شاركوا فيها أنهم سودانيون, يحملون هموم السودان قبل أحزابهم وتنظيماتهم, حيث عمل فريق حزب الأمة المكون من د. صلاح مناع, ونصر الدين الهادي المهدي, ومبارك الفاضل, ومهدي داؤود الخليفة, والهادي نقدالله, وإدريس القاضي, وبرغم الانتماءات التظيمية المتعددة, عمل بصورة جماعية ومنسجمة.
وقاد د. صلاح مناع, رئيس وفد حزب الأمة القومي, مبادرات للتوفيق بين الصياغات, وعمل بصورة متواصلة مع أعضاء الجبهة الثورية في اللجنة الرئيسية, ومع أعضاء لجنة الصياغة المصغرة, لإعداد الميثاق ليكون جاهزاً للتوقيع عليه.
وشارك الاتحاديون بوفد كبير ضم التوم هجو, ود. أبو الفرح حسن, وهشام ابراهيم المفتي, ود. محمد زين العابدين, ود. عبد الرحيم عبد الله, وابراهيم عدلان. وجلس د. محمد زين العابدين, ود. عبد الرحيم عبدالله, طوال ليلة الخامس من يناير, يحسنان التبويب, ويدققان الصياغات ولغة الوثيقة.
كذلك عكس السيد طارق محجوب, وجها إنسانياً متحضراً وحديثاً للمؤتمر الشعبي, وساهم بصورة إيجابية في كل المناقشات, وكسب احترام الجميع بعلمه وقوة بيانه, والقى, في حفل التوقيع, كلمة قوية عدد فيها الحيثيات لضرورة التغيير, وذهاب النظام القائم.
وشارك عبد المنعم الجاك ممثلاً للمجتمع المدني, و ممثلو الحركات الشبابية: قرفنا والتغيير الآن, والاستاذة نجلاء سيد أحمد عن حركة ’لا لقهر النساء‘, شاركوا جميعاً على قدم المساواة في النقاشات وتقديم المقترحات, وأنجاز أعمال اللقاء. وانضموا للأستاذة هالة عبد الحليم, وبثينة علي دينار, وماما حكمة, القيادية بحركة العدل والمساواة, في الدفع بقضايا المرأة والمساواة النوعية في الميثاق, لتصبح نسبة تمثيل المرأة في مؤسسات الفترة الانتقالية 30% بدلاً من 25%, كما جاء في وثيقة البديل الديمقراطي.
وعملت هذه الوفود مجتمعة في تنسيق يومي تحت إشراف وفد الهيئة العامة لقوى الإجماع الوطني بقيادة المهندس صديق يوسف, و ضم الوفد د. جمال إدريس, والسيدة انتصار العقلي, والاستاذة هالة عبد الحليم, ود. أبو الحسن فرح. وقد طرح د. جمال إدريس مواقف تحالف قوى الإجماع بإلمام ودراية في اجتماعات اللجنة وفي لجنة الصياغة. وقاد المهندس صديق يوسف بما عرف عنه الحكمة والروح القومية محادثات التوفيق مع قيادات الجبهة الثورية عندما تطلب الأمر. وقد شارك مبارك الفاضل ايضاً في تجسير المواقف والصياغات.
من جانب الجبهة الثورية فقد مثلها في لجنة توحيد الوثيقتين ياسر عرمان , ود أبو القاسم إمام , وعلي ترايو أحمد (حركة تحرير السودان, مني), ومنصور أرباب يونس (حركة العدل والمساواة), وبثينة علي دينار (الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال). وكما تقدم, فقد تداخل التمثيل بفعل التوافق, فكان ضمن وفد الجبهة أيضاً مهدي داؤود الخليفة, وابراهيم عدلان. وشكل ياسر عرمان حلقة الوصل بين مختلف اللجان, وبينها وبين قيادات الجبهة الثورية وقوي الاجماع.
طوال الأيام الأربعة لانعقاد جلسات لجنة توحيد الوثيقتين, رابط السيد مالك عقار والسيد عبد الواحد محمد نور والسيد مني اركو مناوي, ود. جبريل ابراهيم, والسيد نصر الدين الهادي المهدي, ود. الريح محمود, ود. أحمد آدم بخيت.. رابطوا في موقع انعقاد الجلسات في حوارات متواصلة مع وفد قوى الاجماع, وللتوصل لتوافقات حول أي قضايا تستعصي على اللجان.
وكان الفريق مالك عقار قال في الجلسة الافتتاحية إن اللقاء "دعوة من الجبهة الثورية للأسرة السودانية المتضررة من الوضع الحالي, وأن القاسم المشترك بين الذين يجتمعون هنا هو السودان والتضرر من هذا النظام" وقال إنهم ليسو من هواة العمل المسلح, ولكنه للدفاع عن النفس, فالتجربة أكدت أنه لا أحد في المركز يستمع لمظاهرة أو إضراب أو إعتصام في كتم أو يابوس أو بابنوسة, لذلك اضطررنا لحمل السلاح", وقال إن الحكومة تروج لأن تنظيماتهم هي تنظيمات جهوية, ولكن من يقول بذلك عليه أن يقرأ برامجنا ليوضح لنا أين توجد الجهوية" وقال إن تنظيمات الجبهة ليس من بينها أي تنظيم جهوي أو إثني".
كما خاطب المهندس صديق يوسف الجلسة قائلاً: إن "الشعب السوداني ليس بحاجة لأن نحدثه عن الأضرار التي ألحقتها به سياسات الموتمر الوطني, فقد فصل الجنوب ودمر مؤسسات القطاع العام, وعلى رأسها مشروع الجزيرة والسكك الحديدية, والنقل النهري, لقد تضرر من سياسات المؤتمر الوطني كل بيت سوداني", وقال إن "ما ينتظره منا الشعب السوداني هو أن نتفق ونتوحد على السياسات التي تخرج البلاد من محنتها الحالية", وقال إن "وسيلتنا لإسقاط النظام نحن في قوى الإجماع الوطني, هي "العمل السلمي المدني الديمقراطي".
وقد أكد جميع قادة الجبهة الثورية وقوفهم بقوة مع الميثاق والتزامهم الكامل ببنوده, واستعدادهم في ذات الوقت للتشاور مع قادة قوى الإجماع على "تحسينه وتطويره وتجويده" ليحقق اهدفه بالصورة الأمثل.
وقد خاطب حفل التوقيع السيد عبد الواحد محمد نور الذي أكد أن اليوم هو يوم تاريخي للسودان ولكل السودانين, وأنه يلتزم بما ورد في الوثيقة, لإعادة الحق للمتضررين من حكم المؤتمر الوطني.
كما تحدث السيد مني اركو مناوي الذي قال " اليوم نرفع راية استقلالنا ويحدث التاريخ بموقفنا". وقال إن استقلال السودان يبدأ بهذه الوثيقة, لأنها تعبر عن تطلعات وأشواق الشعب السوداني, وقال إنه مستعد للتوقيع على أي وثيقة تعبر عن هذه الأشواق والتطلعات.
وخاطب د. جبريل حفل التوقيع فأكد أن الوثيقة انجاز كبير وأن التركيز يجب أن ينتقل الآن إلى التنفيذ, وترجمة نصوصها وبنودها عل الأرض.
إن الأسهام التاريخي لميثاق الفجر الجديد يأتي من جهة أنه لم يقع في الخطاين الذين وقعت فيهما إتفاقية السلام الشامل. فهو, أولاً, ليس اتفاقاً ثنائياً بين فصيلين سياسيين, بل أوسع تجمع سياسي في تاريخ السودان, فاق حتى مؤتمر القضايا المصيرية, في أسمرا عام 1995, إذ شاركت في مؤتمر الفجر الجديد, لأول مرة, القوى السياسية المستقلة للهامش السوداني.
وثانياً, لم يفتح ميثاق الفجر الجديد المجال للتفريق بين السودانيين وتقسيم البلاد على أساس ديني - كما فعلت إتفاقية السلام الشامل- أو على أي أساس آخر. بل أعاد الميثاق آليات تمازج سوداني كانت موجودة من قبل مثل النظام الإداري الأقليمي, والقبول القومي للمدارس الثانوية, وذلك من أجل تعزيز التمازج والوحدة الوطنية.
وأجاب الميثاق, من جعة ثانية, على السؤالين الذين أصبحا الشاغل السياسي الأكبر, بعد أن بدأ النظام القائم في الترنح الذي يسبق الانهيار, وهما: ما هو البديل؟, وكيف يُحكم السودان؟ فقد أثبت مؤتمر الفجر الجديد, أولاً, أن القوى السياسية المعارضة, سلمية ومسلحة, لا خلاف بينها في تحليل الواقع ورسم المستقبل, وأنها يمكن أن تلتقي وتتفق على برنامج لحكم السودان, يكون بديلاً للنظام القائم, وللفوضى التي يروج لها هذا النظام.
وثانياً, أن القوى السياسية المسلحة ليست مجموعة من قطاع الطرق العنصريين, وإنما قوى سياسية قومية لها رؤى حول طرائق لحكم البلاد, تسع جميع أهل السودان, ويقودها رجال ونساء دولة مسئولون, ولهم خبرات في الحكم وإدارة البلاد, بمثلما هو الحال مع قوى الإجماع.
وكما تقدم فقد تم اللقاء بترتيب سوداني خالص, ولم تشارك في الإعداد له أوفي تنفيذه أي جهة غير سودانية. أخلى بعض السودانيين المقيمين في كمبالا منازلهم, وانتقلوا ليقيموا مع سودانيين آخرين, ليفسحوا لسكنى المشاركين من الخارج. وتحمل من يملكون سيارات ترحيل بعضهم, واستخدم آخرون المواصلات العامة للتنقل من وإلى مكان الاجتماعات. وأخلى إدريس القاضي رجل الأعمال السوداني وقطب حزب الأمة مكتبه, لأسبوع كامل, ليستضيف كل الاجتماعات. ونصب خيمة صغيرة في حوش المكتب لتقديم وجبة غداء ومرطبات.. لقد جرت في ذلك المكتب كل فعاليات المؤتمر.
لقد كان الهدف من اللقاء والميثاق توفير منصة انطلاق قوية للم الشمل السوداني, وإخراج السودان من المحنة التي انزلق إليها, وهو ما يتطلب دعمه من كافة المحزونين على ما آلت إليه الأوضاع في بلادنا, ويشمل ذلك القيادات الفكرية والمجموعات الشبابية الإصلاحية الواسعة في الحركة الإسلامية, التي تمردت على الدكتاتورية, واستنكرت فسادها, وتبرأت من الجرائم التي ارتكبتها المجموعة الحاكمة باسمها.
لقد جان الوقت الآن ليبدأ تفعيل آليات الميثاق, أولاً, لإطلاق سراح المعتقلين من الأبطال الذي شاركوا في إنجاز هذا العمل العظيم, وكل وطني شريف تعتقله السلطات, ولإحكام الصياغات وإدخال التحسينات, والتجويدات, والتطويرات, التي دعا إليها المشاركون في جلسة التوقيعات, وأكدت عليها البيانات التي صدرت عن الجبهة الثورية وقوى الإجماع, حتى ينطلق السودان نحو فجره الجديد القائم على العدالة وحقوق الإنسان, بإذنه وتوفيقه تعالى.


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 901

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#562976 [zein]
0.00/5 (0 صوت)

01-19-2013 11:21 PM
د.احمد آدم بخيت شارك بصفته مؤتمر شعبى ام عدل ومساواة


شمس الدين الأمين ضوالبيت
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة