المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. محمد بدوي مصطفى
الشاعر الألمانيّ "جوته" ... لماذا أحبّ تراث العرب وكرهه الفرنسيّ "ديدرو"؟
الشاعر الألمانيّ "جوته" ... لماذا أحبّ تراث العرب وكرهه الفرنسيّ "ديدرو"؟
01-22-2013 12:06 AM

إخوتي الكرام،
هذا أول مقال لي بصحيفة أخبار الأدب المصرية وهي صحيفة الأدب الأولى في الوطن العربي. تصدر عن دار أخبار اليوم المصرية وبها نخبة كبيرة من الأدباء فهي جديرة دون أدنى شك بالمتابعة .
لكم مني كل الود والتمنيات الصادقة
أخوكم محمد بدوي


http://www.dar.akhbarelyom.org.eg/is...d=news&id=5871

الشاعر الألمانيّ "جوته" ... لماذا أحبّ تراث العرب وكرهه الفرنسيّ "ديدرو"؟

بقلم د. محمد بدوي مصطفى

[email protected]

إذا سألنا أنفسنا عن عدد الأدباء والمثقفين الذين يهتمون لأمر الحضارة العربية في الألفية الثالثة فسوف نفقد وقتا كثيرا في البحث عن هؤلاء دون الوصول إلى نتائج مرضية. أهَلْ صارت الثقافة العربية لا تُهم أهل العلم بالغرب مقارنة باهتمامنا نحن الآن بثقافاتهم؟ إن من الأمثلة التي لا تكرر والتي من المستحيل أن تجود بها الأزمنة بسهولة هو مثال الشاعر الفذ (جوته) التي سُمِّيت معاهد اللغة الألمانية باسمِهِ. يعتبر (جوته) من جملة الأدباء الألمان مثالاً بارزاً للصلات المتبادلة بين التراث الشرقي والغربي وكان (لجوته) نصيبا عظيما في الاهتمام بالحضارة الإسلامية وبرسولها محمد (صلى الله عليه وسلم) وهذه الحقيقة تُعتبرُ من أبرز الشئون ذات الأثر العظيم في حياة الشاعر. لقد أحبَّ (جوته) التعاليم الإسلامية وافتتن بها فكان القرآن من أحبِّ الأسفار إلى نفسه ولقد عبَّر عنه علانية عندما بلغ الكبر بقوله: "إني أُبَجِّلُ تلكم الليلة التي أنزل الله فيها القرآن كاملاً على رسوله محمد". لم يتأثر هذا الشاعر الفذ بالإسلام وفلسفته فحسب بل ملكت لُبَّهُ آلهةُ الشعر العربي التي تجلَّت لهُ في بلاغة امرئ القيس وتصوير لبيد وشفافية المتنبي ومُجونية أبي تمام. إن الديوان الشرقي والتعليقات التي كتبها (جوته) لفهم هذا الأخير تحمل في طياتها أعظم الدلائل التي تقف برهانا قاطعا علي اتصاله الوثيق بالتراث العربي الإسلامي، فهو قد انتهج فيه نهجا اخرا أضفى علي مادته الشعرية رونقا بديعا في أصالته. فلنأخذ قصيدة (هجرة) التي كتبها عام ١٨١٤ وسماها بنفس الاسم العربي (هجير) من سفر مغني نامه ( كتاب المغني) وهو يدعو فيها نفسه للهجرة إلى الشرق الْمُشرِق الصافي حيث مَهد الأنبياء والرسل والهداه حيث الكرم الحاتمي والضيافة الطائية، وهناك قصائد كثيرة تحمل في معانيها حب التراث العربي الإسلامي، مثال كتاب (زليخة نامة) الذي نجد فيه تناص وافي مع سورة يوسف في القرآن.

فإن قارنَّا (جوته) بالأدباء الفرنسيين فنحن نجد أن الأدباء الفرنسيون من باسكال إلى فولتير قد احتقروا الإسلام ورسوله (محمد) ولم يَشُّذُ سوى البعض منهم، لنذكر على سبيل المثال (جان بودان) الذي افتتن بالفكر الإسلامي و(جيوم بوستيل).

ونحن نَجِدُ أن كثير من الأعمال الأدبية تقف برهانا على الصورة الْمُعتمة للتراث العربي الإسلامي في فرنسا ك(كقصيدة رولان) التي تمتلئ بعداء مسلمي الأندلس، (ديدرو) كتب عن عصبية المحمديين و(جان جاك روسو) أيضاً في (العقد الاجتماعي) و(مونتي) في محاولاته في القرن ١٧، وكَتَبَ (شاتوبريان) في غضون القرن ١٩ في كتابه (السفر من باريس الي القدس) عن فظاظة العرب وحُبِّهِم للاستعباد، بيد أن (لامارتين) في سنة ١٨٣٥ نجده يتعاطف في كِتَابِه (رحلة إلى الشرق) مبديا بذلك تفتحا علي العالم الجديد أكثر من (شاتو بريان)، أما فيكتور هيجو (١٨٠٢ - ١٨٨٥) فهو يفهم التراث العربي الإسلامي مِن وِجهَة نَظَرِهِ كشاعر، والإسلام في نظرهِ عبارة عن مفهوم يتجلَّى في كتابه (الأقدار) وفي كتب وقصائد اخري، ويعبّر (هيجو) عن انطباعاته عن الإسلام في صورة خياليَّة رَسَمَها هو، تتركَّزُ في شهوانية وقسوة هذا الدين. الجدير بالذكر إن هذه الانطباعات ليست وليدة السَفر الشخصي لبلاد الإسلام ولا ترتكز على خبرة بِعُلُومِهِ وإنما استيحاء خيالي بحت مَبنِيّ على بعض القراءات التي كتبت عن الشرق آنذاك. ولقد كان نيرفال (١٨٠٨ – ١٨٥٥) المعاصر لهيجو، يختلف عن زملائه هؤلاء في كيفية تصويره للتراث العربي والإسلامي وعبر أي وسيلة، ذلك أنه قام برحلات كثيرة في بلاد الإسلام كما ورد في كتابه (رحلة إلى الشرق) ولقد عَمِلَ هذا الأديب، كما عمل جوته في نفس الفترة، في تقويم حكم مُسبَق ومُجحِف عن التراث العربي الإسلامي خاصة في مسألة المرأة فكتب كتابه المشهور (مشاهد من الحياة الشرقية - المرأة في القاهرة).

لقد كتبت الأستاذة (كترينا ممزن) المختصة بجوته والشرق في مقدمه كتابها (جوته والعالم العربي) الآتي: "لقد ارتبط جوته بالعرب الاقدمين وأدبهم ودينهم وآثارهم ارتباطا وثيقا نَبَتَ عن ولعٍ وميلٍ نابعٍ من أعماق دواخله، فنحن نجدهُ يخصُّ العرب بأسمى آيات الامتنان والتبجيل في طيَّات العديد من أعماله الأدبية وعَبرَ نشاتها المتفاوتة . فالديوان الشرقي لهذا الشاعر خير دليل لارتباطه العميق بالحضارة العربية وبحضارات شرقية أخرى."

وكانت رؤية (جوته) الفريدة في التسامح وعالميَّة الأدب تعتمد في مبدئها اعتماداً عظيماً علي مبادئٍ قرآنية، فكانت رؤيته سابقة لعَصرِهِ، فهو يرى في التبادل الفكري للعلوم الإنسانية والأدب وسيلة هامة في فهم الشعوب بعضها البعض وتقديرها لبعضها البعض وبالتالي معاملتها المتبادلة بعدل وأمانة واحترام. لقد نشأ (جوته) في مناخ تَشُوبُهُ الحروب الشعواء والتناحر الدامي ومناخ مُعادٍ للتراث الإسلامي، لذلك كانت نظرته في إبراز صورة حقيقية وبدون حكم مُسبق عن التراث العربي في غاية الأهمية. وهذه النظرة تختلف تماما عن تلك التي رسمها الأدب الفرنسي.

من الشعراء الذين كان لهم أعظم الأثر في أعماله الأدبية وحياته كشاعر مخضرم مثل شعراء المعلقات كامرئ القيس وعمر و بن كلثوم ولبيد وطرفة بن العبد وزهير وآخرون مثل تأبَّطَ شراً وحاتم الطائي وفي الفترات المتأخرة المتنبئ.

لكن ما هو سر افتتان (جوته) بالعرب وآدابهم؟ ولماذا خصهم سواء في أعماله أو في التعليقات الكثيرة التي سطّرها لفهم الديوان الشرقي بالاهتمام الواسع والشعور بالجاذبية تجاههم ؟ كان يُبجِّلُ (جوته) العرب كأُمَّةٍ بَنَت مجدها وعلمها وحضارتها علي ركائز تراثها العريق وعلي عاداتها. كان (جوته) مفتون بافتخارهم وتمسُّكهم بعاداتهم وتقاليدهم وافتخارهم بأصولهم وبيئتهم وبأصالة عبقرتيهم الشعرية الفذة، وبإحساسهم المرهف وخيالهم الفيَّاض ذي الأُفق الواسع. كل ذلك زرع في قلبه حبَّهم وتعظيم شأنهم.

فهل لنا في هذا الشاعر الفذّ مِن عِبَر؟


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 3245

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#566659 [رد على مواطن]
0.00/5 (0 صوت)

01-24-2013 10:43 AM
ان ما تقوله هو العنصرية بعينها، الاسلام رسالة الى البشرية جمعا وهذا هو الفرق بين الاسلام و بقية الاديان و الرسالات السماوية كالمسيحية واليهودية التي انزلت لهداية شعوب محددة مثل بني اسرائيل. اما حكمة اختيار سيدنا محمد من العرب هي لان العرب امة تقع في منطقة وسط من الناحية جغرافية، ثم لكونهم من امة بعيدة عن الرسالات السابقة وبالتالي تنزيه القران من شبه انه مجرد نسخة معدلة من الانجيل او التوراة، وليس لانهم اعلى أو افضل من بقية شعوب الارض. ولا تنسي قول الرسول الكريم " لا فرق بين عربي أو اعجمي الا بالتقوى" ...


#564838 [معري]
0.00/5 (0 صوت)

01-22-2013 11:36 AM
بلا عرب بلا كلام فارغ..فعلا هم قوم بدو وافظاظ ويحبون استعباد من يرونه ويخضعون لمن يرونه اعلى منهم، وعرب الخليج خير مثال، فهم يحترمون الرجل الابيض لحد التقديس
يجب ان نفرق بين الدين الاسلامي وبين العرب اي الشعوب التي تدين بهذا الدين ،فالدين الاسلامي هو دين الرحمة ودين الحق لو فهمنها الفهم الصحيح وطبقنها على الوجه الصحيح لصرنا خير امة ، اما العرب فهم قوم اجلاف، وللاسف يعطون انطباع سئ عن الاسلام..


ردود على معري
United States [مواطن] 01-22-2013 10:39 PM
لولا العرب لما كان الاسلام .... الله سبحانه وتعالى اختار العرب لحمل آخر رسالة
سماوية للبشرية جمعاء فهل تتدخل في اختيار الله عز وجل ؟ ومن العرب اختار عز وجل
قريش ومن قريش اختار الله الرسول محمد بن عبد الله بن عبد المطلب لتبليغ
الرسالة الخاتمة ..... قال تعالى في محكم تنزيله :
( لسان الذي يلحدون فيه أعجمي وهذا لسان عربي مبين )
صدق الله العظيم .
فلنبتعد عن العنصرية والكراهية ولو كان هناك بعض الذين يسيئون لدين
الاسلام من بعض الأعراب فهذا لا يعني أن كل العرب كذلك ..


#564536 [مواطن]
5.00/5 (6 صوت)

01-22-2013 01:58 AM
مقال جميل ورائع يا دكتور محمد بدوي .... للعرب تاريخ وتراث لا ينكره
الا مكابر وقد نهل الغربيون من هذا التراث ما نهلوا كالشاعر الايطالي
دانتي صاحب ( الكوميديا الالهية ) والتي اقتبسها من ( رسالة الغفران )
لأبي العلاء المعري .... وغير الأدب هنالك العلوم الطبية والفيزيائية
وغيرها .... لا يسع المجال لذكرها وما الصناعات الحديثة الا نتاج هذه
المعارف التي نقلها العرب من الصين واليونان قاموا بترجمتها وأضافوا
اليها ونهل منها الأوربيون ....


ردود على مواطن
United States [مواطن] 01-23-2013 02:49 AM
أبو راس كفر .... كاتب المقال
الدكتور محمد البدوي مقيم بألمانيا وأنا في السودان
واذا كانت لديك فكرة لنستفيد منها فأعرضها ليستفيد
الجميع ..ولك الشكر .

United States [MB] 01-22-2013 11:59 AM
شكرا لك يا صديقي (مواطن) على الرسالة البديعة التي أسعدتني كثيرا. الأدب الغربي أو العلوم الغربية عموما مدينة لعلوم العرب بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان. وفي كل مجال نجدهم انطلقوا من الكنوز الثرة التي استقطبوها من علماء الأندلس وغيرهم وحتى بعد فترة الخروج - أنظر مقدمة ابن خلدون في علم الاجتماع. ويكفي أن (الكتاب) لابن سينا في علم الطب كان أول منهج يدرس في كليات الطب بفرنسا (جامعة مونبلييه) وفي ايطاليا (جامعة بولونيا). حتى الواحدات المعجمية في لغاتهم لا تخلو من العديد من الفاط الحضارة التي افتقدوا لها حينذاك: السكر، الشاي، القفة، الجنزبيل، الجبر، اللوغرثمات، اسماء النجوم وحتى كلمة (مقابر) نجدها في اللغة الألمانية.

لك التحايا العطرة ومشكور على الإضافة الجميلة فيما يتعلق بدانتي في الكوميديا الإلاهية.

ولنا لقاءات أخرى ...


د. محمد بدوي مصطفى
د. محمد بدوي مصطفى

مساحة اعلانية


الاكثر مشاهدةً/ق/ش




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة