المقالات
منوعات
مولد الهُدى والنُّور
مولد الهُدى والنُّور
01-24-2013 03:08 PM

مولد الهُدى والنُّور

عمر الدقير
[email protected]

ببابِك يَستجيرُ الخائفونَ، ويَجلِسُ الفقراءْ
ببابِك تدخلُ التقوى فتوح الفاتحين وحكمة الحكماءْ
وفي نعماءِ عدلِك تَرْتعُ الدُّنيا، ومِيزانُ الحسابِ يُقامْ
حُفاة الرأسِ والأقدامِ ندخلُ في نبوَّتِك الرحيبة ..
مِن الزمنِ الكئيبِ وناسِه لُذنا بنورِكْ ..
ومِن شُحِّ النفوسِ ودائها المُودي، لنا بجمالِكَ استِعْصامْ

"محمد المكي إبراهيم"

في مثل أيام النفحات هذه من كل عام، يحتفل المسلمون بذكرى مولد نبيهم أشرف الخلق سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم. وهي مناسبة تغمر نفوس بالفرح ويحق الاحتفال بها، فميلاده صلي الله عليه وسلم هو ميلاد الإنسان الذي اصطفاه الله ليغير وجه الدنيا ويغير مجرى التاريخ ويعبر بالبشرية من الظلمات إلى النور، سيراً روحياً إلى الله يحدوه نشدان الكمال وتحقيق الفضائل في معانيها الأسمى ومستوياتها الأرقى .. دعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وجاء في ذروة سنام دعوته احترام العقل باعتباره موئل التكليف ومناط الاستخلاف، وبناءً على ذلك أقرَّت دعوته بكرامة الإنسان: "ولقد كرَّمنا بني آدم"، وأكَّدت على حريته، فلم تُكرِه حتى على الإيمان بالله: "لا إكراه في الدين" - "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" - "لستَ عليهم بمسيطر". وشهادة التوحيد التي تأسست عليها دعوته، إنما تعني، فيما تعني، إقراراً بكرامة الإنسان وحريته، فالذي يقصر العبودية على الله وحده يكون بالضرورة حراً تجاه كلِّ ما خلا الله، فلا يجثو أمام صنمٍ ولا يقدِّس كهنوت ولا يخضع للطغاة ولا يعبد المال ولا تسيطر عليه الشهوات والأهواء، ويكون حُر الوجدان والإرادة، حصاناً من الخوف والرزاية والاستجداء والذلِّ والهوان .. جاءت دعوته، صلي الله عليه وسلم، ثورةً على الظلم والطغيان واللامساواة وعصبيات الجاهلية والاستعلاء بالعرق أو اللون أو المكانة الاجتماعية، ورفضاً لاستغلال الانسان لأخيه الانسان وتهميشه واستضعافه: "ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين"، لتسود قيم الإخاء والمساواة والعدالة وتترسخ مكارم الأخلاق التي تعارف عليها البشر خلال تاريخهم المفعم بالصراع والمكابدات وسلب الحقوق وهدر الكرامة: "إنما بُعثتُ لأتمم مكارمَ الأخلاق".

كانت حياته صلى الله عليه وسلم تجسيداً حياً لما جاء به، حتى وصفته زوجه السيدة عائشة رضي الله عنها بقولها: "كان خلقه القرآن" .. فهو إذ يدعو الناس للإيمان بالله وتوحيده كان من الإيمان واليقين بربِّه على مثل ضوء الشمس ما شَعَبَته مصارف الشكِّ ولا اقتسمته أطياف الريب .. وهو إذ يدعو الناس علي الثبات علي الحق والثبات علي المبدأ كان في ذلك علي مثل رسوخ الجبال الرواسي، حتى أنه حين نهض بأمر الدعوة إلى الله ومعه عددٌ قليل من المؤمنين ولاقى ما لاقى من صنوف الأذى والعذاب والحصار قدم أُنموذجاً فريداً في الثبات والصمود في وجه الترهيب والترغيب: "والله يا عم لو وضعوا الشمس علي يميني والقمر على يساري علي أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتي يظهره الله أو أهلك دونه" .. وهو إذ يدعو الناس لعبادة الله وشكره وذكره، كان يصبح وهمه الشكر ويمسي وشغله الذكر، وكان يجافي جنبه عن فراشه يقوم في جوف الليل البهيم شكراً وحمداً لربه "حتى اشتكت قدماه الضرَّ من ورم"، رغم أن الله بشره بغفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولكنه كان يقول "أفلا أكون عبداً شكورا".

وهكذا كان في كل شؤون الحياة العامة .. لم يكن يدفع بالصبية إلي جبهات القتال ثم يلزم بيته أو يعتكف في مسجده، بل كان يتقدم الصفوف ويكون أقرب أصحابه إلي العدو وأكثرهم ثباتاً في حومة الوغى .. لم يكن يتستر على المفسدين أو يقبل شفاعةً فيهم، وهو القائل "وأيم الله لو سرقت فاطمة بنت محمدٍ لقطع محمدٌ يدها" .. كان يعرف للمال العام حرمته ويرفض استغلال الوظيفة العامة لتحقيق المصالح الخاصة. جاءه عامله على الصدقات قائلاً: "هذا حقكم وهذا أُهدي لي"، فغضب صلى الله عليه وسلم وقال: "أفلا جلس أحدكم في بيت أبيه وأُمِّه فينظر أتأتيه هديتُه أم لا" .. ما كان يبيت شبِعاً وحوله بطونٌ جائعة وأكبادٌ حرَّى، بل كان أول من يجوع وآخر من يأكل حتي أنه كان يربط الحجر على بطنه الشريفة من شدة الجوع .. لم يكن يُميِّز أقرباءه وأولي رحمه علي حساب أصحاب الكفاءة وأصحاب الحقوق. بعد فتح مكة دعا عثمان بن طلحة - حامل مفتاح الكعبة - فأخذ منه المفتاح وفتح الكعبة ودخلها، وبعد خروجه منها قال له ابن عمه الإمام علي كرم الله وجه: "يا رسول الله، اجعل لنا الحجابة مع السقاية، صلى عليك الله"، لكنَّ الرسول الكريم نادى على عثمان بن طلحة ودفع إليه بمفتاح الكعبة قائلاً: "هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم برٍ ووفاء" .. في صميم منهجه تقدِّيس حق الإنسان في الحياة وصون كرامته، نظر إلى الكعبة يوماً وخاطبها قائلاً: "أشهد أن ابن آدم أشدُّ حرمةً منك عند الله"، وعندما طالبه ذلك الإعرابي بجفاءٍ وغلظة قائلاً: "المال مال الله يا محمد، فاعطني واعدل"، ما زاد صلى الله عليه وسلم على أن قال: "ويحك، من يعدل إذا لم أعدل"، ثم أعطاه نصيبه كاملاً .. كان جوهر دعوته الرحمة والإعتدال والرفق والتسامح وليس التزمت والعنف والقهر والإقصاء.

سيظلُّ الواصفون والمادحون يحاولون أن يصورا شيئاً من كريم صفاته وسمح خصاله، ولكنهم مهما بلغوا فلن يبلغوا مقدار قطرةٍ في بحره الزاخر .. وقد صدق، صلى الله عليه وسلم، حين قال للصدِّيق: "يا أبا بكر .. ما عرفني غير ربي".


تعليقات 2 | إهداء 1 | زيارات 618

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#570432 [moa]
0.00/5 (0 صوت)

01-28-2013 09:17 PM
اﻻخ عمر التحيات العطرة أجمل ماق رأت. جزاك. خير أ


عمر الدقير
عمر الدقير

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة