المقالات
منوعات
علَّه الحنين
علَّه الحنين
01-29-2013 08:54 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

علَّه الحنين

عروة علي موسى
[email protected]

هذا الصباح وطيف مريا تبدى أمامي ..
وصلاح أحمد ابراهيم حواليه العرائس على جبال الألمب ..
ورائعين مبدعي بلادي .. يبذون غيرهم .. ويتفردوا ...
وهكذا المبدع دوماً يخلق الدهشة في نفوس الغير ويبني لشعره مجداً تليداً من الديمومة ..
مريا .. فتاة يونانية حوت الجمال فلو ذهبت تزيده في الوهم حسناً ما استطعت مزيدا ..
ما طاف في خلدها أن شاعراً ـ من افريقيا ـ سوف يخلدها بهذا البوح الشفيف ، وهذا القول الجميل ، ولكن هذا هو ما حدث ، فصارت مريا جزءاً من حياة الناس في السودان النخبة والبسطاء ، فتجد الجميع يتمايل طرباً وتهزه الأشواق حينما يصدح حمد الريح بمريا ..
فالحنين حالة تسيطر عليك ، ولا تحتاج أن تعرف ما تحن إليه ، ففي أحيان ٍ كثيرةٍ يأخذنا الحنين إلى عوالمٍ لم نرتادها من قبل ومن مثل ذلك مريا ...
فليس حباً ولا وجداً هما اللذين دفعا صلاح ابراهيم لتقديم هذه القصيدة وهندستها لتنهدس حواس المتلقي ، ولكنه احساس شاعرنا ، وما يمتلك من موهبة فذة ، ورؤية شفيفة ، ومقدرة على تأكيد الانفعال بجيد الوصف ، والانفعال مع الجمال وفتنة الأنوثة ، فجاء اللحن شلالاً روياً ، وتمنى ساعتها شاعرنا ليصور لنا هذه البهجة وهذه الفتنة لو أن له أزميل الرسام فيدياس ليبدع لنا فتاته بالمقياس كما هي ..
وصلاح أحمد ابراهيم ذهب أبعد من ذلك .. فنجد تجاوز التصوير الحسي المنحوت ، وسما إلى مصاف العشق الصوفي وتصوير الخيال بأحرفً زاهيات بدلاً من حوجته لإزميل وأدوات نحت ، فكفا أنفسنا مشقة جلب الخيال فرأينا ماريا في الكلمات مرسومة ناضرة وحاضرة وباسقة وارتبطت بخيالات الناس وأصبحت رمزاً من رموز الحنين الذي لا نبدي كنهه .. حنيناً ربما يجلعنا بنكي فمنشي معه .. دمعة دمعة .. ونحن نصطحب الأهداب التي كالليل المتعثر .. والأجفان التي لا يُشر لغزها ..والنور الذي على الخدين من يقدر على كسره .. وتلك الفتنة الهوجاء في صورة الأسد الذي يزمجر إنه فم اجتمعت الفتنة وسر الحياة .. وهناك عند خليل فرح عندما يصف (فوز) في (جناين الشاطيْ) وكيف أنها هيفاء يقول (هيفاء غير زنار) .. وها هو صلاح أحمد ابراهيم يصف تلك الصورة بالحزام الذي على المضيق فإن كان هو صغيراً كان خصر مريا أصغر ..
وعلى الاهداب ليل يتعثر
وعلى الاجفان لغزا لايفسر
وعلى الخدين نور يتكسر
وفم كالاسد جوعان زمجر
وحزاما فى مضيق كلما قلت صغيرا هو كان الخصر اصغر
هذه لمحة في عجالة عن الحنين والشجن في (مريا) وتلك مقدرة الراحل ـ رحمه الله ـ صلاح أحمد ابراهيم في التصوير وسامق الاحساس بما حوله من أحداث وصور .. فجاء الشعر هنا يحمل روعة وجملاً وألقاً اسمه (مريا) ..
وكما يقول مخائيل نعيمة : (إن الشعر ما يبقي في الذاكرة) فهل يجرؤ أحدٌ أن يقول إنه ما خرج من (مريا) ولو ب (يا مريا) عندما يستمع إلى الأغنية .. ذلك هو الشعر الذي يهندس حواسنا ويحرسها ويرعاها من الجدب ، فهو يتدفق من الأعماق عنيفاً ومؤثراً ، فيأتي مشحوناً بالأسى والشكوى ، ومترعاً بالجمال والصفاء ، ولا ضير في ذلك ، فالإمام البوصيري وفي بردته التي مدح فيها سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ذكر الأحبة وحنَّ إلى ديارهم حيث قال :
(أمن تذكــــــر جيــــــرانٍ بذى ســــــلم
مزجت دمعا جَرَى من مقلةٍ بـــــدم
َأمْ هبَّــــت الريـــــحُ مِنْ تلقاءِ كاظمــةٍ
وأَومض البرق في الظَّلْماءِ من إِضم
فما لعينيك إن قلت اكْفُفا همتــــــــــ ـــــا
وما لقلبك إن قلت استفق يهـــــــــم
أيحسب الصب أن الحب منكتـــــــــــم
ما بين منسجم منه ومضطــــــــرم
لولا الهوى لم ترق دمعاً على طـــــللٍ
ولا أرقت لذكر البانِ والعلــــــــــمِ )
فشكراً صلاح أحمد ابراهيم على إثارة لواعج الحنين .. فتلك إثارة حميدة .. تهذَب النفس .. وترق القلب .. وتنظم ايقاع الحياة .. فنغنى .. يا مريا ...
(ليت لي ازْميل فدياس وروحاً عبقرية
وأمامى تل ُ مرمر
لنحتُ الفتنة الهوجاء في نفس مقاييسك
تمثالاً مُكبر
وجعلت الشعر كالشلال : بعضُُ يلزم الكتف
وبعض يتبعثر
وعلى الأهداب ليلاً لا يُفسر
وعلى الخدين نوراً يتكسر
وعلى الأسنان سُكر
وفماً كالأسد الجوعان زمجر
يرسل الهمس به لحنا معطر
وينادى شفة عطشى وأخرى تتحسر
وعلى الصدر نوافير جحيم تتفجر
وحزاماً في مضيقٍ ، كلما قلتُ قصيرُُ هو،
كان الخصر أصغر
يا مريه
ليت لي إزميل فدياس وروحاً عبقرية
كنت أبدعتك يا ربة حسنى بيديَّ
يا مريه
ليتني في قمَّةِ الأولمب جالس
وحواليَّ العرائيس
وأنا في ذُروة الإلهام بين المُلهماتْ
أحتسي خمرةَ باخُوس النقيَّة
فإذا ما سرتْ النّشْوةُ فيَّ
أتداعى ، وأُنادى : يا بنات
نقٍّّروا القيثار في رفقٍ وهاتوا الأغنياتْ
لمريه
يا مريه
ما لعشرينين باتت في سعير تتقلب
ترتدى ثوب عزوف وهي في الخفية ترغب
وبصدرينا بروميثيوس في الصخرة مشدوداً يعذب
فبجسم الف نار وبجسم الف عقرب
أنتِ يا هيلينُ
يا من عبرت تلقاءها بحر عروقي ألفُ مركبْ
يا عيوناً كالينابيعِ صفاءْ...ونداوة
وشفاهاً كالعناقيدِ امتلاءْ...وحلاوة
وخُدوداً مثل أحلامي ضِياءْ ....وجمالا
وقواماً يتثنّى كبرياءْ...واخْتيِالا
ودَماً ضجَّتْ به كلُّ الشرايينِ اشتهاءْ..يا صبيَّة
تَصْطلي منهُ صباحاً ومساءْ....غجريَّة
يا مريّه
أنا من إفريقيا صحرائها الكبرى وخطِّ الإستواءْ
شحنتْني بالحراراتِ الشُموسْ
وشوتني كالقرابينِ على نارِ المجُوسْ
لفحتني فأنا منها كعودِ الأبنوسْ
و أنا منْجمُ كبْريت سريعِ الإشتعالْ
يتلظَّى كلًّما اشتمّ على بُعدٍ :تعالى
يا مريه:
أنا من إفريقيا جوْعانُ كالطِّفلِ الصَّغيرْ
و أنا أهْفو إلى تُفاحة حمراء من يقربها يصبح مذنب
فهلُمي ودعي الآلهةَ الحمقاءَ تغضبْ
وانْبئيها أنها لم تحترم رغبة نفسٍ بشرية
أيُّ فردوسٍ بغيرِ الحبِّ كالصَّحراءِ مُجدبْ
يا مريه
وغداً تنفخُ في أشرِعتي أنفاسُ فُرْقة
و أنا أزدادُ نأياً مثْل يوليوس وفي الأعماق حرقة
رُبما لا نلتقي ثانيةً
يا ....مريه
فتعالى وقّعي أسمك بالنار هُنا في شفتي
ووداعاً يا مريه)
عروة علي موسى ،،،


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1168

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#571416 [عادل]
0.00/5 (0 صوت)

01-29-2013 11:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
شكرا على هده الحنين وشكرا على هده الألق
شكرا عروة ورحم الله صاحب مريا


عروة علي موسى
عروة علي موسى

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة