الغناء على الموازنة
11-03-2010 08:22 AM

الغناء على الموازنة

د. حسن بشير محمد نور

التحسن في جميع المؤشرات ظل في إطار الوعود السنوية لتقديم مشروع الموازنة العامة لكنها مجرد وعود في النمو، العمالة، مستويات الأسعار، معدلات الفقر، استحقاقات الأجور والمرتبات وفك ضائقة التمويل الزراعي.


من النادر جداً أن تجد مسؤولين في بلد ما، خاصة في الشأن الاقتصادي وهم على درجة عالية من الإعجاب، حد التغني ببرامجهم الاقتصادية، وعلي الأخص بالموازنة العامة لبلادهم. لا يحدث مثل ذلك الإعجاب لعدة أسباب منها أنّ الموازنة العامة هي من صميم عملهم وواجباتهم ملزمة النفاذ ومن المفترض محاسبتهم علي كل صغيرة وكبيرة فيها. من جانب آخر فإنّ الموارد التي يتم تخصيصها ملك للشعب ومن حر ماله، ولا يعود الفضل فيها للحكومة، أي كانت في أي بلد من بلدان العالم، لأنها تنتمي للمال العام وليس الخاص. أما مهمة المؤسسات المختصة فتتلخص في تنفيذ السياسات والبرامج الموضوعة بعد إجازتها من المجالس النيابية التي من المفترض فيها أن تنوب عن الشعب وترعى مصالحه وتحاسب المسؤولين التنفيذيين عن أي خطأ أو تقصير ناتج عن إهمال، سوء إدارة أو نقص في التأهيل المهني المطلوب. أما التقريظ والمدح فيأتي في شكل تحليل لنتائج الأداء ومردوده على النشاط الاقتصادي بناءً على عوامل معينة أو انعكاسه إيجاباً على حياة الناس، الجزاء الأكبر يكون في صناديق الاقتراع يوم أن تقدم السلطة التنفيذية أو الحزب الحاكم نفسها إلى الشعب ليعيد انتخابها مجازاة لما قامت به من أعمال في خدمة المجتمع وتحقيق أهدافه.

لا شيء عندنا يدعو للتغني على الموازنة العامة اعتماداً على عدد من المؤشرات على سبيل القول “البيان بالعمل”. في هذا “البيان” نجد أنّ المسؤولين الذين يتغزلون في الموازنة ويكيلون الوعود تناسوا الغلاء الذي يطحن المواطن باعتراف جهات حكومية عدة، يتناسون الغلاء ويتحدثون عن الرخاء. ينسى المسؤولين الكساد السائد ونقص الدخول والموارد وشح السيولة ليحدثوننا عن الازدهار الاقتصادي. يتجاهلون الفقر والعوز ويتحدثون عن الرفاهية. مؤشرات الاستقرار الاقتصادي الدالة على حسن الأداء والتعافي الاقتصادي غير معافاة.

النمو الحقيقي لم يحدث نتيجة لفشل السياسات الكلية في كبح التضخم وتحقيق رقم أحادي يحدث استقرار في الأسعار ويثبت تكاليف الانتاج، بل أنّ الضرائب والرسوم والأسعار والتكاليف مجتمعة تزيد قبل إجازة الموازنة العامة ، كما حدث هذا العام، وبعدها أيضاً. أما ما سيأتي من بعد الإجازة وفي الأداء الفعلي فقد اشرنا إليه من قبل بالقول الشعبي: (الموية تكضب الغطّاس).

معدلات البطالة لم تنخفض بل هي في ارتفاع بالرغم من سنة التوظيف العام التي ظهرت أخيراً بعد غياب مديد، إذ أنّ الوظائف المعلنة في المركز والولايات أقلّ من عدد خريجي أي من الأعوام الدراسية في أي تخصص من التخصصات، اللهم إلا إذا كان تخصص خاص غير معلن. قيمة الجنيه السوداني في تآكل أسوة باحتياطي النقد الأجنبي، شح في الموارد التمويلية وعجز عن الوفاء حتى بالالتزامات الخاصة بالأجور والمرتبات الواردة في الموازنات السابقة ، بل إنّ العجز أصاب حتى المعاشات على بؤسها.

الاختلال واضح في التجارة الخارجية التي تشكل الصادرات البترولية أكثر من90% من جملة صادراتها، وتقدم صادرات القطاعات المنتجة في الزراعة والصناعة يسير ببطء لا يدل على أي مؤشر صحي. التحسن في جميع المؤشرات المشار إليها ظل في إطار الوعود السنوية المصاحبة لتقديم مشروع الموازنة العامة، لكنها ظلت مجرد وعود في النمو، العمالة، مستويات الأسعار ، معدلات الفقر، استحقاقات الأجور والمرتبات وفك ضائقة التمويل الزراعي الخ.

هذا ما يحدث في الشمال، أما في الجنوب، الذي لا نعلم شيء عن موازنته، وهل هي موجودة أم غير موجودة؟ وبالتالي لا يمكن الإلمام بتفصيلها، فهناك الوضع أسوأ في جميع المؤشرات المذكورة سابقاً ومن حيث التخصيص ومعدلات الأداء المتوقع في حالة الانفصال. في حالة الانفصال سيجد الجنوب نفسه في وضع صعب من حيث البنيات التحتية، المؤسسات والأطر القانونية والتنظيمية الحاكمة للأداء الاقتصادي الخاص بالدول؛ لكن وقياساً على اعتماد الجنوب حتى الآن في موارده على البترول بنسبة 90% فإننا نقول للأخوة الجنوبيين، وهم يعلمون ذلك بالطبع ولا حاجة لتذكيرهم “إنما من قبيل تسجيل المواقف فقط” إنّ هناك عمل شاق ومضنٍ في دروب التنمية والبناء في انتظارهم وستواجههم المشاق مباشرة بعد أن يفرحوا ويحتفلوا بتحقيق الانفصال في دولة مستقلة كما ينادي بذلك (90% من شعب الجنوب، حسب قادة الحركة الشعبية في أعلى مستوياتها). أما التوجه نحو الخارج لتجاوز صعوبات ما بعد ولادة الدولة فيحتاج للاستقرار السياسي والاجتماعي كشرط لامناص من توفره.

الموازنة العامة الجديدة، حسب وزير المالية فهي(أقلّ من سابقاتها)، أقلّ كمياً أي (اسمياً) من حيث حجم الإيرادات العامة وفقاً لتقدير سعر برميل البترول بـ(60) دولار، وهي أقلّ نسبياً أي (بالقيمة الحقيقية) نسبة لانخفاض قيمة الجنيه المحددة وفقاً للمالية بسعر (2.7) جنيه مقابل دولار واحد. هكذا تم القفز إلى أنّ موازنة العام 2011م ستكون بدون عجز. في رأينا لم يكن هناك أي داع لهذه(العبارة) في الظروف الراهنة بحكم أنّ الموازنة تعد لعام مضطرب لا يستطيع أحد التكهن بمآلاته. هذه الموازنة لحالة الوحدة، أما في أي حالة أخرى فان الأمر سيختلف كيف؟ لم تتم الإجابة عن هذا السؤال. أوضح ما أثبتته الموازنة المقترحة هو أنّ السودان لم يتجاوز أثار الأزمة المالية العالمية كما بشر بذلك عدد من المسؤولين الحكوميين، لكن قولوا لنا بالله كيف يمكن للسودان تجاوز الأزمة المالية العالمية والعالم بأجمعه لم يتعاف منها بعد؟

على أية حال هذه الموازنة طبيعية جداً لأنّ الحكومة هي الحكومة والظروف هي هي، لم تتغير كما إنّ الاستفتاء سيتم بعد إجازتها وبالتالي فهي تتم في إطار الدستور الانتقالي المحكوم باتفاقيات السلام الشامل، وقد سبق أن نبهنا إلى هذا الخلل الاقتصادي الخطير الذي يضع الاستفتاء علي تقرير المصير على بعد عدة أيام فقط من إجازة موازنة الدولة الموحدة. هذه واحدة من أوضح مفارقات نيفاشا وهي طبيعية، لأنّ نيفاشا لم تكن معنية أصلا بالشأن الاقتصادي، إلا إذا كان مهندسيها الأساسين يهدفون لأمرين لا ثالث لهما: الوحدة، وفي رأيي من هؤلاء كان الزعيم الراحل الدكتور جون قرنق، أو : التدمير.

ايجابية كل ما يدور من جدل حول الموازنة العامة هي إثباتها وبجلاء شديد أنّ خيار الوحدة هو الخيار العقلاني للجانبين وهو الذي سيجنب البلاد الكوارث والفتنة وهو الأكثر ربحاً وجدوى وأقل تكلفة. يثبت جدل الموازنة أيضاً إنّ من الأفضل للطرفين الاتفاق، خاصة في حالة التوجه الحالي المسلم بالانفصال، الاتفاق حول صيغة يتم التوافق عليها لإنقاذ الوضع الاقتصادي للبلاد الذي تقدم الموازنة بأفضل صورة ممكنة مؤشراته سلباً وإيجاباً والتوافق حول حلول لجميع الملفات العالقة مهما كان ثمن الاتفاق مكلفاً لأي من الطرفين لأنّ هذا هو المسار الوحيد لتجنب الأسوأ. لا نريد ان نعيد الحديث سيناريوهات توقف إنتاج البترول، و(انسداد) مصادر القروض، والمنح الخارجية بسبب النزاع وتوقف التدفقات النقدية من الخارج في شكل استثمارات وتمويل أجنبي وعبر تحويلات المغتربين. في هذه الحالة فان خيارات الاستدانة من النظام المصرفي، ومزيد من الضرائب والرسوم ستقود إلى حالة من (الزيمبابوية) من (زيمبابوي)، التي تحولت فيها وحدتها النقدية إلى ورقة أقلّ قيمة من الكرتون الملقي على أطراف الشوارع. في ظل التطورات الأخيرة هذه ستصبح الموازنة العامة مثل ورقة شجر جافة في وجه إعصار عاتي، يفعل بها الأفاعيل. في هذا الوضع، وليس من قبيل الناصحين، وإنما من وجهة التحليل الاقتصادي البسيط فنقول أن لا داعي للتغني على الموازنة العامة وليتم التركيز على ما يضمن لها التمويل وحسن الأداء وذلك مشروط بالتوافق على حلول سلمية تجنب البلاد ويلات الاقتتال


الميدان


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 839

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. حسن بشير محمد نور
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة