إنجازات في مجتمع مُعيق
11-03-2010 08:27 AM

كيف لا

إنجازات في مجتمع مُعيق

منى عبد الفتاح

سجّل محمد بشير أحمد المواطن السوداني في اليابان قصة نجاح رائعة، وروعتها لا تقتصر على تدرجه في السلم الوظيفي حتى وصوله إلى نائب مدير شركة إلكترونيات في طوكيو التي قدِم إليها باحثاً عن فرصة عمل. وإنما تتجلَّى قصة النجاح عندما نعلم أن محمداً وصل إلى ما وصل إليه من مراتب عليا واستطاع تحقيق النجاح في محيطه المهني والاجتماعي وهو فاقد لنعمة البصر، فلم يمنعه ذلك من إزاحة مساحة من العتمة حتى ينجلي له ضوء البصيرة فينير حياته بما حقق وأنجز لنفسه وعائلته. هذه القصة المصورة عرضتها قناة الجزيرة في برنامجها الاجتماعي الهادف «مع الناس»، ولن تملك عند المشاهدة إلا أن تردد قوله تعالى: «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور».
هذه القصة الفريدة تحيلنا إلى قصص كثيرة عن نجاح السودانيين في الخارج وما يتوفر لهم من فرص تكاد تكون معدومة في الوطن سواءً على المستوى الأكاديمي أو المهني. وهذا الموضوع فيه حديث كثير قد ينعطف بنا عن القضية الأساسية وهي قضية اندماج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع السوداني وتأهيلهم ومدى ثقة الناس في قدراتهم. فمنهم ذوو مواهب تحتاج موهبتهم إلى اكتشاف مبكر ورعاية تعتمد على مهارات الاستكشاف العامة عوضاً عن وجود معلمين أكفاء يهتمون بهذه الفئة ويراعون احتياجاتهم الاجتماعية والعاطفية.
وتختلف وجهات نظر المختصين في رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة بين تعميم التعليم وتخصيصه، فمع توجه العالم المتقدم في هذا المجال للتركيز على تعليم مخصص لهم ولاكتشاف أفضل القدرات لدى هذه الفئة فإنه لن يكون ذلك سهلاً إلا بتعاون مؤسسات التعليم مع مؤسسات العمل الطوعي. ولن يكون ذلك ممكناً دون تبني وعي اجتماعي شامل يتيح للمهتمين أن يطلعوا غيرهم على ما يقومون به في هذا المجال ويشركوهم فيه. وهناك نماذج كثيرة لشباب كادح رغم الإعاقة وصل كثير منهم إلى درجات عليا في التحصيل الأكاديمي ولكن في مجال العمل لم يظفروا بوظائف تناسب مؤهلاتهم الأكاديمية. وإذا كانت عطالة الشباب المؤهلين أكاديمياً شيئاً مؤرقاً لمضاجع أولياء الأمور والأهل فإنها لهذه الفئة أكثر إيلاماً وذلك لأن السعي للتحصيل العلمي رغم الإعاقة يتطلب تحديات كثيرة وكبيرة تتجاوز تحديات الشباب موفوري الصحة. حيث يتضاعف عند ذوي الاحتياجات الخاصة من الشباب الطموحين حجم المعاناة التي تزيد عن المعاناة اليومية التي يتكبدها الآخرون متمثلة في تكاليف المعيشة والدراسة والمواصلات بالإضافة إلى الاحتياجات الأساسية الأخرى التي لا يمكن التنازل عنها في مثل هذه الظروف الخاصة.
هذه الفئة ليست مُهملة تماماً في المجتمع السوداني ولكن العطف الذي يزجيه أفراد المجتمع عليها هو عطف عاجز عن مدها بما تحتاج إليه، وما تحتاج إليه هو الثقة غير المشوبة بالحذر. فعدم الثقة في إمكانيات هذه الفئة أفقدها حتى ثقتها بنفسها، وإن جاهد أي فرد منها ليحقق إنجازاً ما يُدخل ما يقوم به وينجزه في باب الخوارق والمعجزات. وكمثال لهذا فقد شاهدت في قناة الشروق برنامجاً اجتماعياً قام بزيارة أسرة أغلب أفرادها شباب مكفوفين وكان تركيز الحلقة على كيفية اعتماد هؤلاء الشباب على أنفسهم في غسيل ملابسهم وكيّها وممارسة نشاطات يومية كلعب الكرة وبعض الهوايات الأخرى، وكل هذا يحدث داخل أسوار المنزل أو في أحسن الأحوال في باحته الخارجية. وهذه الأسوار لم يصنعها هؤلاء الفتيان وإنما خلقها المجتمع من حولهم الذي لم يسمح لهم بحق التعليم وحق العمل وحق الاندماج في المجتمع وحق تنسم الهواء الطلق ومن ثم إطلاق العنان لمقدراتهم التي رآها منفذو البرنامج تنحصر في غسيل وكي الملابس. ومن هنا يصلح أن نقول عن المجتمع السوداني أنه مجتمع مُعيق، لا يستطيع رفع الظلم عن أفراده ولا يساهم في بسط العدل، يستنكر أبسط الحقوق ويندهش لأبسط الإنجازات.

الاحداث


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1095

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#42963 [ابوشامة]
0.00/5 (0 صوت)

11-03-2010 08:02 PM
العادات والتفاليد اما ان تحفز على على الانتاج والعمل ام ان تعقد
ونحن فى السودان للاسف الشديد عاداتنا واعرافنا عبارة عن سلال من حديد تكبل الابداع


منى عبد الفتاح
منى عبد الفتاح

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة