رجل من السودان القديم
01-31-2013 11:36 PM

اعتبر نفسى من عشاق السودان القديم واحن دائما لتلك الايام الحلوه التى عشناها فى تكاتف وتوادد واندماج يحب بعضنا البعض الآخر ونتعاطف فى مابيننا وكنا صادقين ومخلصين وعاطفيين ورجال مروه وواجب لايفرق بيننا لون ولاحتى اختلاف الدين فالجار لايعرف من اين اتى جاره ولايكترث للون بشرته انما يكفيه انه جار .... حتى امثالنا كانت تحثنا على ذلك " الجار القريب ولا ود الام البعيد "لم يكن هذا مثالا فحسب وانما واقعا نعيشه فجيرانك هم الذين تجدهم فى السراء والضراء فعندما يغيب رب المنزل فى ماموريه او اجازه يحل محله الجيران فهذا يحل محل الاب فى المدارس وذلك يحل محل الاب فى جلب احتياجات الاسره واخر يذهب بمن يمرض فى الاسره الى المستشفى وهكذا يغطى الجيران كل احتياجات الاسره ........ كان الجار نعم الجار وكانت العشره صافيه لوجه الله واذا حل بالاسره مصيبه كالوفاه فيتكاتف الجيرا صفا واحد للوقوف مع جارهم واذكر فى الستينات وكنا بعطبره حى الاشلاق ان توفيت اختى فلم نوقد نارا فى البيت ولمدة 15 يوما كان الجيران يتولون اطعام من بالمنزل ابتداء من شاى الصباح وحتى العشاء فى اريحيه .... وطوال هذه الفتره لم يخلو المنزل من الجيران للتخفيف على اهل الميت .......... اما الآن فى هذا الزمن المكندك فان اهل الميت اصبح همهم بعد الوفاه توفير الكفن وحفر المقبره الذى اصبح باجر ليس عند الله وانما كاش وفى السودان القديم كان شباب الحى يتنافسون على حفر القبر وتجهيز الصيوان ويتبارى الجيران فى تجهيز صوانى الطعام ويفتح الجميع ابواب منازلهم للمعزين ......... اما فى زماننا هذا فقد توفى لنا قريب فى احد احياء العاصمه (ليس حى درجه اولى وانما حى شعبى للاسف) مساءا وعندما حضرنا من الدفن وجدنا الجيران قد اغلقوا ابوابهم بالضبه والمفتاح لم نجد منزلا واحدا فاتحا لنستخدم الحمام لمرضى السكرى بل لقد قضينا بقية ليلنا نائمين على الكراسى !! وقد حزنت كثيرا لما وصل اليه الحال فى سوداننا وحزنت اكثر عندما عرفت ان اهل الميت يتعرضون لسرقة الذهب والموبايلات وحتى الملايات والعده وهذا من بعض النساء المحجبات لانها تتستر بالحجاب ورغم هذه الصوره القاتمه فهناك بعض الاشراقات فقد توفى لنا شاب فى العشرينات فى الثوره الحاره 13فى صباح جمعه حزينه وعندما عدنا من المقابر كان ابناء الحى قد نصبوا الخيمه والكراسى مرصوصه واستقبلوا المشييعين بالماء البارد وكان من الجيران رجل من السودان القديم فتح ابواب ديوانه لكبار السن ولم يمر زمن حتى خرجت اكثر من عشره صوانى من الطعام من منزله وفى كل مساء كان العشاء يخرج من منزله صوانى محمله بالفطير وهو يحمل جردل اللبن ليصب بنفسه فى الصحانه متجولا بين المعزين
وفى نهاية الماتم عندما حلست بين اهل الميت وتناولت سيرة الرجل بالخير قال لى خال المرحوم ليس ذلك فحسب فرجل السودان القديم وبعد الوفاه مباشره دفع لهم الفى جنيه ليمشوا بها الحال فالوفاه حدثت فجاه وحتى لاينشغلوا عن ميتهم بالذهاب للبنك وبعد ايام الماتم عندما ارادوا رد المبلغ رفض حتى تنزلت عليه الطلاقات وبقدر ماحزنت لابناء السودان الجديد الذين اغلقوا منازلهم حتى لايستخدم المعزين حماماتهم بقدر مافرحت "رغم الحزن العميق على الفقيد " لانى عثرت على رجل من السودان القديم ذكرنى بتلك الايام الحلوه التى عشناها فى ذلك الزمن الجميل فى السودان الذى ضاع منا ولن نسترده الى الابد
محمد الحسن محمد عثمان
قاض سابق
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 799

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#573300 [Zoul sakiit]
0.00/5 (0 صوت)

02-01-2013 01:05 AM
الا ليتها تعود ايام زمان وسودان زمان وناس السودان الحنان لقد طمست المعالم المميزة للسودانيين وصاروا غرباء وكانوا لايشتكون هما ولاغما فتعليمهم مجان وعلاجهم بالمجان اهل الحي الواحد متكافلين في الأفراح والأتراح تجمعهم الدور والأندية كانوا اسرة واحدة كبيرة يفرحون لفرحة احدهم ويحزنون لحزنه


ردود على Zoul sakiit
United States [جعفر النميري] 02-02-2013 03:56 PM
حتى القاضي لم تسلم منه المحجبات ، نسأل الله العافية في هذا الزمان العجيب لأنه هذه شبه في الحجاب الذي أنزله الله من فوق سبع سموات يا مولاانا!!! وفعلاً موالانات الزمن دي ..


محمد الحسن محمد عثمان
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة