المقالات
منوعات
سنبقى ما بقي البقاء
سنبقى ما بقي البقاء
02-01-2013 10:05 PM

image


التفكك من صفات العالم هذا، و هي عملية ينتسب إليها الكون كلما أراد التجديد، فترى الأجساد تأخذ صيغتها الجزئية، ثم تتجزأ لتكوّن بعد ذلك مواد قابلة للتركيب بشكل جديد، و هيأة جديدة، و بطريقة فعالة تضفي عليها قوّة رحيمة، لربما هي عملية أصلية في الكون، فهل ما يحدث للكون يحدث للإنسان؟ هذا المخلوق الذي صارع الكون كثيرا، و حارب معنوياته أكثر، و رغم كلّ ما يحمله لقب إنسان من نكران، إلاّ أنّه بقي أكبر و أشرس و أقدر كائن على التحمّل، مهما اشتدّت العواصف، و مهما زاد وقع الزمان.

فالأمور الوجدانية عند البشر هي عالية التقدير و الإطراء، لأنها لغة تسموا على حساب العبث، كنار تزداد لهيبا كلما زاد الحطب الملقى بين حضنها الحارق، أو كقاطرة بخارية تزداد سرعة بزيادة الفحم الملقى في نارها، لأنّ المادة موجودة دائما، هي تتحوّل كما تظهر الواقعات كل يوم، و لكنّ المشاعر تتكلم لغة لا تفهمها المادة، فكثير من المفكرين حصروا هذه اللغة في أعماق البشر، أو كما قال الرومانسيون هي لغة "القلوب التي لا تفهمها العقول" لكنني أراها لغة سهلة الاستعمال، و صعبة الإدراك أنها كذلك.

"…. لو جمعت فرنسا سائر أموالها وخيرتني بين أن أكون ملكا ً عبدا ً أو أن
أكون حرا فقيرا ً معدما ً ، لاخترت أن أكون حراً فقيرا ً…."
الأمير عبد القادر الجزائري

و هذه العبارة التي تخرج من لسان إنسان عالميّ كأمير الجزائريين، هي خير الأدلة على اللغة التي سبق و طارحناها في هذا الموضع، فرغم كل قيود الدبلوماسية التي فرضت على الرجل نوعا من إخفاء الصراحة كاملة، إلاّ أنني لا أجد هذه العبارة تقترب من الخطاب الدبلوماسي بأية صورة ممكنة التخيّل، و بالتالي اللغة المستعملة هنا هي لغة العاطفة، أو هي لغة لا تستمدّ قوتها من الواقع كسائر اللغات، و إنما هي ذات منبع لا شعوري للشرعية و القوة في التأثير، إنها لغة تصريح، لا لغة تعبير.

"…. نحبهم
لكن لا نقترب منهم
فهم في البعد أحلى
وهم في البعد أرقى
وهم في البعد أغلى…."
جبران خليل جبران

كما أنني أسوق كلمات أمير نيويورك لأظهر أنّ اللغة التي أتكلم عنها هنا هي لغة تفوق حدود العقل، هي تُعجز المنظومات الفكرية، فتعطي للخيال مساحة واسعة، بينما تغطي العقل بسحره الكبير كلما حاول تهدئة لوعة المفكّر، فهي صعبة الوقوع، و لكنها سهلة التفريغ في القوالب التي لا تضبطها معايير المنطق أو الـرياضيات، ببساطة! إنها لغة الأمراء و القياصرة.

يأخذ القرصان رغيف الخبز، و يقترب من أسراه في قاع القارب، خطواته يسمعها جميع راكبي هذا العالم المتأرجح فوق الأمواج، هكذا تململ الوقت فوق كف العفريت، و مع ذلك هذا القرصان ما يزال يقترب، ثم يفتح الباب، ليأخذ الأسرى كلّ وقتهم في الصراخ، كلّ يريد نصيبا من ذاك الرغيف، لربما كان الفتات غير كاف لسد الجوع، و لكنّ أمل كل فرد أسير هو سد جوع الحرية بأماني الحياة هو ما يحرك الحناجر، و جزء من فتات رغيف القرصان كاف لإبقاء أمنية الأسير حية و بكامل محركات وظائفها الحيوية. ففي روح القراصنة أمرا ما يخفى عن كل إدراك، فهم يحبون السلطة و لكنهم لا يتسلطون إلاّ على من يحب السلطة، و هم يتمسكون بالقوّة و يظهرون في ثياب الضعفاء التي تعلوها الرقع، و هم يجتهدون للحصول على الثروة ليلقوها في مياه البحار المالحة، و هم يخافون المجهول فيقتحمونه بواسطة بوصلاتهم التي لا تعمل، فحياتهم تقوم على السرقة، و لكنني أجدهم يعبرون عن صورة البشرية المتوحشة، و التي تأبى البشرية أن تعترف بها، فهم على الأقل يقومون دون خجل بالمحرمات و الممنوعات، فلا يعترفون بالحدود، و لا يخفون جرائمهم، و هم بذلك فخورين بما يقومون به، كحياة أيّ فرد في القرن الواحد و العشرين، فهذا الفرد يقوم بالمحرّم من انتهاك الشرائع عبر المظهر و النوايا تترجم في ميادين الخفاء، و هو لا يأخذ بالقانون سوى لإعطاء مشروعية لمشاريعه الخبيثة، و هذا الفرد نفسه يحاول بناء المجد و التفوّق كسبيل منه إلى العالمية، فما الفرق بين إنسان القرن الواحد و العشرين و القرصان في غير السرية و العلن؟

"…. نحن اليوم رهن عاصفة ثلجية جليلة مهيبة، وأنت تعلمين يا ماري أنا أحب جميع العواصف وخاصة الثلجية، أحب الثلج، أحب بياضه، وأحب هبوطه، وأحب سكوته العميق. وأحب الثلج في الأودية البعيدة المجهول حتى يتساقط مرفرفاً، ثم يتلألأ بنور الشمس، ثم يذوب ويسير أغنيته المنخفضة…"
من جبران إلى مي
نيويورك 26 شباط سنة 1924.


فينسجم الوعد بالوعيد، و يختفي الجرح بعد طول ألم، و يسير الإنسان إلى نهاية النهاية بكل ما يحمله من رغبة في العودة، فلا يمكنني أن أكون هنا و هناك في الآن معا، و مع هذا فجملة القرارات البشرية لها ما يبررها، خاصة عندما تعبّر عن عواصف غير عادية أبدا، عواصف تتحول إلى أعاصير فكرية من نوع خاص، تحمل الشدّة أينما حلّت، فيتعقبها البشر بعلمهم و آلاتهم دون جدوى إيقافها، فيقولون أنّ سقراط مات ضحية، و يقولون أنّ ابن مزوار متكبّر، و يقولون أنّ أنجلينا جولي كانت عشيقة لأب عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي في ما مضى، و يقولون كثير، و لكنّني أقول: "إن ظننت أنك مصيب، فاعلم أنّك مخطئ".
لا يجوز للإنسان أن يحاكم الصواعق، و لكنه يملك الحق في انتقادها إن أراد ذلك، و يُمنع أن يُذكر البطل المتوفى بسوء، و لكنه يعامل بأكثر من السوء وقاحة عندما يكون على قيد الحياة، فينادي المنادي قائلا: " يــــا قوم، ما لكم شأن في النفاق ! ".


[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 520

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




مزوار محمد سعيد
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة