انحياز
02-02-2013 10:24 AM



تداعيات

عجلات قطار نيالا - الخرطوم بدأت أصوات الرنين والصلصلة فيها تخفت وتتلاشى ، كان عصرا نديا ، محطة الرهد " الرهد أب دكنة مسكين ما سكنا " حيث يتمدد النهر معتزا بتكوينه وبرحلة مياهه عبر الجبال والوديان ، متسرباً بتلقائية داخل الرمال ، ما أن تحفر بيدك حفرة على رمال الخيران اليابسة إلا وينبع ذلك الماء الرقراق بانسياب عفوي ، عادة ما يلعب الأطفال هناك يحفرون بأصابعهم النقية فتتفجرتلك العيون المائية الصغيرة ، يشربون منها بأكفهم ، إن ماء " الجمامات " ، هكذا تسمي والمفرد منها " جمام " قالوا عن عذوبته ما لم يقله " الغزالي " في التصوف ، كانت الشمس قد بدأت استعدادها للمغيب والرهد تتلاصف فيه بلورات الماء بلون أزرق شفيف ، كان الرهد مستعداً لاخفاء الشمس في جوفه
تناثر الركاب في أرجاء المحطة ، للعارفين منهم ميزة الاختيار ، ذلك الاختيار المدفوع بالخبرة ، عادة ما يتزاحم أولئك العارفين حول بائعي " الأقاشى " خاصة " أقاشى " الكبدة ، تتنافس الفواكه في محطة الرهد وتلتقي القاطرات هناك ويلتقي الناس ويتعارفون ويتبادلون أحلامهم ، وتدب الحركة في المحطة قبل وصول القطار ، حركة دافعها التوقع والانتظار ، يهجم الباعة على ركاب القطار عارضين بضاعتهم وتتلون أصواتهم وتختلف ، مسافرون جدد ، أفواج من السكان ، برنامج المحطة برنامج مفضل لدى الشباب من الجنسين ، بين أن يرحل قطار ويأتي قطار تتشابك أحلام وتتقاطع الأمنيات يدب في الحنايا الشعور بالحياة و تهمد وتنطفئ شرارات الحب الأولى . تستمر علاقات وتموت علاقات وتولد علاقات ، كأن كل قطار يأتي أو قطار يذهب يخلف في الذاكرة معنى ذلك السفر الذي يذهب إلي البعيد ، حيث تتكون تلك الأنسجة التي تعلمت كيف يكون الشجن وتعلمت كيف تحرضه .
"لو سمحت يا شاب "
"أيوه جدا"
" ممكن تملا لي الترمسة دي شاي ؟ "
" بكل سرور "
" هاك امسك دي القروش "
" لاما خلاص ، معليش ، الحالة واحدة "
"عليك النبي يا ولدي كان مسكتها " حسم هذا الصوت الذي جاء من داخل "القمرة" أمر القروش ، نظر "فيصل" إلى أعلي محاولا أن يري
صاحبة هذا الصوت ، تناول القروش من يد الصبية التي كلفته بالأمر وتحرك بهمة باحثا عن بائع الشاي .

هرج ، صيحات ، هرولة مكثفة في أرجاء المحطة ، عاد " فيصل " بعد أن ملأ ترمسة الشاي، قبل أن يتخطى الأسلاك التي توازي قضبان السكة حديد ، مر به أحدهم مهرولاً ، اصطدم بـ " فيصل " قبل أن يتخطى الأسلاك ، صدمة حقيقية أطاحت بـ " فيصل " أرضا وتحطمت " الترمسة " .
على حديد القضيب مر به عدد من المهرولين يطاردون ذلك الذي قذف بـ " فيصل " على الأرض ، تتعالى الصيحات ، تواصل سيل المهرولين، منهم من حاول استخدام الحجارة ، انتبه " فيصل " إلي وضعه على الأرض ، نظر إلي "الترمسة تأكد تماماً منها ، فتحها ، اختلط الشاي بقطع الزجاج الرهيف داخل " الترمسة " ، عامت شظاياه الدقيقة حتى أنها اعتدت على لون الشاي الذي اخترق بذلك البياض اللامع ، ابتعدت موجة الهرولة الي حيث الرهد ، لاذ الهارب بالماء و بمهارة كان يسبح مبتعدا عن اليابسة ومن فيها، نهض " فيصل " ، " الترمسة " في يده ، مرتبكا " يحس بالحرج ، يبحث عن ماذا يقول لتلك الصبية وامها ، وسط أصوات مختلفة ومتنوعة الآراء تحرك " فيصل " نحو القطار بتمهل يحاول أن يجد فيه ما تيسر من كلمات الاعتذار ، يحس بثقل " الترمسة " في يده ، ينظر أليها بين لحظة وأخرى ، قرر أن يتخلص سريعا من الأمر وتفاصيله ، اتجه نحو " قمرة " الصبية، كانت قد نزلت من القطار ووقفت أمام شباك والدتها تحاول أن تشبع فضولها مما حدث لا سيما أن الأحداث دائما ما تنشط حيوية المسافرين متخلصين من توتر السفر وما يبعث من ملل .
انتبهت الصبية إلي قدوم " فيصل " ، هيأت لاستقباله ابتسامة ، وسط كل ذلك الحرج لاحظ " فيصل " أن خصلة من شعرها قد ارتاحت بين الحاجبين ، تفجر صوتها قبل أن يشرح " فيصل "أمر الترمسة " : -
" تعبناك معانا "
" بسيطة ما في تعب ولا حاجة بس الحقيقة "
" شكراً جزيلاً " هنا لاحظ " فيصل " بريق عينيها
" معليش الترمسة ، انكسرت ، الحقيقة .. "
" بسيطة ولا يهمك " .
" أنا آسف ، الحقيقة حصلت دربكة في المحطة ، الزول المطاردنو ده صدمني " .
" صدمة عديل كده ؟ وانفجرت ضاحكة ، ناولها " فيصل " " الترمسة
" آسف اعتذري للوالدة عن اذنك " .
" قبل أن يبتعد " فيصل " خطوة واحدة أوقفته الصبية "
" لو سمحت اسم الكريم من ؟ "
" فيصل " هم بالتحرك ولكنه رجع إليها سائلا : وأنت اسمك ممنو ؟"
" اعتماد "
واصل وين ؟ "
" كوستي "
" يعني قريب هنا "
" إنتوا واصلين الخرطوم ؟ "
" ايوه أنت راكب وين "
" هناك في الثالثة "
" ما تجي تركب معانا هنا القمرة فاضية ، تجي معانا؟ "
" يا بت يا اعتماد ، الشاي ما تديني ليهو ، أنا ما راسي دير أطق " صاحت والدة " اعتماد " من شباك القمرة
" معليش يمة ، الترمسة انكسرت ، خلاص جيب شنطك وتعال أنا أمشي احل مشكلة الشاي دي "
وصعدت بتلك الترمسة المهشمة نحو والدتها ولم تنس أن تلوح بابتسامتها في وجه " فيصل " الذي لاحظ وقتها أن خطوتها تقترب من الرقص دون المشي .
وفي مساء شفيف وقد اقترب من الظلمة خرج القطار من محطة الرهد منسربا في الظلام الذي بدا يغطي تلك الفيافي ، رحل " فيصل " من الدرجة الثالثة إلي " القمرة " التي بها " اعتماد " ووالدتها ، جهزت له مقعدا يقابلها من حيث تجلس هي ، جلس محاولا أن يتخلص من حالة كونه محرجا ، أخرجت " اعتماد " من حقيبتها " ميكي جيب " وتظاهرت بالقراءة ، الرجل الذي بقربه على المقعد يهمهم بدعاء خافت تتخلله أصوات أصابعه على سبحة " اللالوب " ذات الحبات الكبيرة ، ثرثرة متناثرة اميزها امرأة يبدو أنها مسكونة بالحكي فلا تعدم حيلة أبدا في أن تنتقل من حكاية إلي أخرى ، من موضوع إلي موضوع دون أن تنسى أعلان رأيها في كل ما تحكي وكل ما تقول ، صوتها واضح النبرات ليس منه فكاك " اعتماد " لا زالت تقرأ، " فيصل " يبدو صامتا تنتقل منه العيون في صخب مخفي هناك في الدواخل ، ملت " اعتماد التظاهر بالقراءة ، أغلقت المجلة بطريقة مؤكدة وقررت اقتحام " فيصل " .
" قالوا الزول ما قبضوا "
" ااي .. حكاية غريبة ، خطف القروش ودخل الموية "
" يعني حرامي وسباح "
" تصوري واحد بعد في قروشو بجي واحد يخطفا منو ويجري "
كانت " حاجة صالحة " والدة " اعتماد " تستسلم إلي نعاس ممتع ، صوت المرأة الثرثارة لا زلل ينوع في الحكايات ، أصوات أخرى بعيدة ، ليل دامس ونجوم مبعثرة تنثر ضوئها الخافت متداخلا مع الأنوار التي اطرتها نوافذ القطار .
تمضي المحطات ، تقترب المسافات ، حين خرج القطار من " تندلتي " أخرجت " اعتماد " كراسا من حقيبتها وكتبت على ورقة نزعتها من الكراس، طبقتها ، هدأت ثرثرة تلك المرأة ، تعالى شخير " حاجة صالحة " ، بخفاء مدرب ناولت " اعتماد " " فيصل " تلك الورقة الذي استلمها بأصابع محتارة لا تجيد الإخفاء ، نظر إلي هنا ، إلي هناك ، استعرض بنظره كل الأشخاص الموجودين في " القمرة" صمت الرجل إلذى بقربه عن الهمهمات ، والدة " اعتماد " تضع رأسها على زجاج الشباك وتشخر ، ذلك الشاب يبدو ساهماً ، فتح " فيصل " الورقة فردها ببطء شديد وقرأ ما كتبته " اعتماد " شكلك كان مضحك لما الترمسة انكسرت ،" ابتسم " فيصل " نظر أليها ، كانت " اعتماد " تضحك بعيونها ارتبك " فيصل " تجاه تلك الجرأة ، لم يستطع التعبير ، ساعدته " اعتماد " وبنفس ذلك الخفاء المدرب ناولته الكراس والقلم ، نظر إليها ، امتص ابتسامتها وكتب في الكراس :
" تفتكري لو ما انكسرت الترمسة كان يحصل شنو ؟ " ناولها الكراس ، تعمدت أن تجعله يقع على الأرض واستمتعت بارتباكه . تنقل الكراس بين " فيصل " و"اعتماد " مرت محطات ومحطات ، كانا يتابعان ما تبقى من مسافة ، تلك المسافة بين اللحظة والأخرى ، الكراس ينتقل بينهما ناقلا ذلك الهمس المشحون على الورقة ، حاملا ما ساعد على التعارف والمعرفة .
أخيرا وصل القطار إلي " كوستي " لم ينس " فيصل " أن يكتب على الكراس كلمة وداع بعاطفة كل الرومانسيين ، ودعته " اعتماد " بعينين تعلن عن معنى الإلفة ، نزل " فيصل " من القطار ، أخرجت " اعتماد " رأسها من الشباك ، اقترب "فيصل " منها ، نظر إليها وهي في عل وكانت تنظر إليه بأسى شفيف ، وقف " فيصل " تحت الشباك ، همست " اعتماد " ما تقعد لحدي القطار ما يتحرك "
" أديني الكراس عشان فيه عنوانك "
" لا الكراس أن ما بفرط فيهو "
" أديني ليهو برسلو بالبوستة "
تجادلا حول الكراس ، أخيرا قررت " اعتماد " أن تمتد في غزوها
هيأته للأمر ببريق عينيها وبعذوبة معنى الابتسام .
" فيصل أقول ليك حاجة ، أنت ما تصل معانا الخرطوم "
" معقول ! أصل الخرطوم ؟ "
" عشان خاطري "
ورجع " فيصل إلي حيث كان يجلس وحين مر القطار عبر كوبري كوستي ضحك " فيصل " من تصرفه لكن استمر ذلك الكراس في التنقل بينهما حتى وصل القطار إلي الخرطوم في صباح متأخر ، نزلت " اعتماد " ووالدتها ، " فيصل " في ضجة من التساؤلات ، اقتربت منه " اعتماد " وبذلك الخفاء وضعت في يده خاتما مصمما على شكل قلبين ، تحركت " اعتماد " ووالدتها إلي الخارج ، " فيصل " يتابع خطوات اعتماد " الراقصة " من خلال نافذة التاكسي الذي يوصلهم إلي حيث يريدون ، أشارت " اعتماد " إليه وهي تنزل زجاج نافذة التاكسي ، أشارت إلي " فيصل " الذي وقف محتارا ، لوحت له " اعتماد " بيديها وبابتسامة عذبة ، تابع " فيصل " بنظره التاكسي حتى تلاشى ، نظر إلي الخاتم ، ادخله في إصبعه وحين قرر أن ينصرف سأل أحد المارين أمامه : " لو سمحت ، أركب من وين للفتيحاب ؟ "
*****
[email protected]


تعليقات 11 | إهداء 0 | زيارات 2557

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#576086 [االدرمبال السديرة]
0.00/5 (0 صوت)

02-04-2013 10:02 AM
شكرا يحيي فالقطار كان عالمامشبعا بالجمال وملئ بكل ما هو رائع فقد سمعت ان اغنية الحالم سبانا لشاعرنا محمد عوض الكريم القرشي كانت احداثها في قطار اتي من غرب السودان الحبيب وان القطار بعد وصل الي المحطة الاخيرة ان بطل القصة لم يسال عن الطريق او الوسيلة التي توصله الي الفتيحاب كما فعل فيصل يحيي في انحياز بل قيل انه استقل نفس القطار عائدا من حيث اتي .........هكذا سمعت ولا اعرف صدق الروايةارجو تصحيحي ان كنت مخطئا


#575352 [امين]
1.50/5 (2 صوت)

02-03-2013 12:25 PM
الحبيب يحيى تحية شوق وسلام اعادني فطارك الى زمن الناس الركبو الطرورة والى تلك الايام الطيبه التي عشتها معك انت والحبيب قاسم والرشيد... يحيى لقد ذهبت بنا الطروره بعيد .............. ليتنا نعود ليتنا نعووووووووووووووووود


#575187 [بشرى عبدالوهاب]
2.25/5 (3 صوت)

02-03-2013 09:53 AM
شكرا ايحى على قطاركلجميل وتمنينت ان يصل عطبرة عاصمة الحديد ورجعت بى الايام للمرحلة الثانوية والقطار


#574926 [عادل]
3.38/5 (5 صوت)

02-02-2013 11:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

أجمل اوقات الألفة والحميمية تكون في السفر
نحاول أن نعيش اللحظة لدرجة الغوص فيها
ننسى الماضي والمستقبل وتتوحد موجات القلوب
سرعان ما يمر الوقت وتنتهي الرحلة
ولكن تبقى تلك الساعات خالدة في الزاكرة
نستدعيها فقط في ساعات الصفاء

لاحظ الفقرة في النص
وفي مساء شفيف وقد أقترب من الظلمة خرج القطار من محطة الرهد منسربا في الظلام الدي
بدا يغطي تلك الفيافي

شكرا يحي فضل الله


#574716 [نصري]
1.50/5 (2 صوت)

02-02-2013 07:09 PM
متعاك الله بالصحة والعافية ود فضل الله علي راي الاخوه في الخليج

مافي كلام


#574704 [محميد]
2.25/5 (3 صوت)

02-02-2013 07:01 PM
جميل رائع حد الاندهاش والحبور .. استاذنا ياكل الزمن الجميل .. حد البكاء


#574423 [rashid]
3.13/5 (4 صوت)

02-02-2013 03:29 PM
القطار دور حديدو مني شال زولي البريدو
شوقي ولع فيني نار ...ماكتب عنوان بريدو
قولو لي كيفن اعيدو الفراقو عليا حار..
دا الجيل الجديد مع انو لا لقي لاقطار
مترو انفاق


#574415 [بلال]
1.00/5 (1 صوت)

02-02-2013 03:20 PM
استاذ يحي متعك الله بالصحة والعافيه كما امتعتنا بتداعياتك الرائعه كروعه بلدنا وشعبه المعطاع الصابر لك التحيه والتجله


#574359 [faisalmukhtar]
3.82/5 (5 صوت)

02-02-2013 02:00 PM
اخى يحيي التحيه عارف لو الواحد بيمزمز فى المقال بتاعك وفى باله قطار الهم بتاع هاشم صديق يصاب بتخمه متعه لايفسدها الا تذكر الحال الوصلت ليه سكك حديد السودان خضر الله ضراعك بالكتابه واتمنى ان تجمع هذه التداعيات والقصص فى كتاب وتسميها حكاوى


ردود على faisalmukhtar
United States [تختخ] 02-02-2013 03:58 PM
التحيه لكل الذين يقدرون الابداع والمبدعين ,لقد تم جمع هذه(التداعيات)وصدرت منه الطبعه الاولي في التسعينات علي ماأذكر


#574324 [عوجة ود ديقم]
3.13/5 (4 صوت)

02-02-2013 01:17 PM
يالله ياأستاذ يحي يامدهش ،،،، عودا حميدا مجيدا جميﻻ ،، بروعة يراعك الذهبي


#574305 [عمممك]
3.13/5 (4 صوت)

02-02-2013 12:51 PM
إبداااااااااااااااااااااع والله يا أستاذ يحي ورجعتنا لي زمن جميل .. الله يفرحك زي ما بسطتنا بالاحرف الأنيقة دي والسرد الممتع ... شكراً شكراً شكراً


يحي فضل الله
يحي فضل الله

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة