السياسي أم المهرج؟ا
11-03-2010 01:03 PM

اوراق متناثرة

السياسي أم المهرج؟

غادة عبد العزيز خالد

من أكثر البرامج العالقة في ذاكرتي منذ أيام الطفولة، هو برنامج الأكروبات الصينية والذي كان يجعلني اجلس امام شاشة التلفاز شدهة محتارة. كيف تمكنت هذه الفتاة على وضع كل هذه الأشياء على رأسها ثم تقف في مكانها بدون ان يقع منها شيء؟ كيف يمكن للرجل التأرجح في الهواء ثم يترك مكانه طائرا ليمسك بيد آخر، متأرجح أيضا في الهواء، ينتظره على الجهة الأخرى ليمسك بيده. ألا يخاف ان تفلت في مرة هذه اليد ولا يجدها فيهبط إلى الأرض؟ بالطبع هنالك تلك الشبكة التي من المفترض ان تتلقفهم إذا ما وقعت مثل هذه الحادثة، لكن كيف لي ان اثق بشبكة لتنقذ حياتي وعمري كله؟ وكنت أفكر انه ربما تكون هنالك خدع تلفزيونية او سينمائية في الأمر.
ولم أثق ان ما كنت اراه على شاشات التلفزيون القومي وقتها، وفي برنامج الأكروبات الصينية، حقيقة حتى زرت في مرة سيرك. إن جو السيرك عموما مربك، الكثير من الأحداث تجري، الأنوار باهرة، والحيوانات الأليفة، وغير الأليفة، تحف المكان. هنالك الطيور الجميلة والببغاء، هنالك القطط والكلاب، وهنالك في ذات المكان معها الأسود والنمور والأفيال. هنالك المهرجون الذين نجدهم يلعبون بكثير من الكرات، تتحول واحدة من يدهم اليمنى إلى اليسرى لتحل أخرى محلها في جزء من الثانية. ويظل المهرج يحرك تلك الكرات بين يديه بحركة سريعة تجعل المتابعين، صغارا كانوا ام كبارا في حيرة من امرهم، ترى، كيف تمكن هذا المهرج من التدريب على تحريك كل هذه الكريات بكفاءة عالية.
ولا أدري إن كان سبب الأحداث السريعة التي تجري في السيرك، أو المتناقضات التي تتعايش فيه، هو السبب الذي جعل الناس عموما، والصحفيون خصوصا، يصفون كل ما يحيط به الإرتباك بالسيرك. وكذلك نجدنا نصف كل من ينص عليه واجبه ان يكون شخصاً جديّ فيلجأ إلى الحيل واللهو واللعب بالمهرج.
ويبدو ان هذا الوصف ليس حصريا على السودان، او الدول العربية، بل ثقافة هذا الوصف يبدو انها متغلغلة في المجتمع الأمريكي ايضا. فتجري بالولايات المتحدة هذه الأيام الإستعدادات لإنتخابات الكونجرس، وبسبب الأحداث والإيقاع السريع وجدت الصحافة الأمريكية نفسها تصف الإنتخابات التي تجري بولاية نيويورك تحديدا بالسيرك وتصف سياسييها بالمهرجين. ووجد هذا الوصف غضبا شديدا، ليس من قبل السياسيين او العاملين في مجال السياسة، بل من المهرجين. فاصدر «كيث نيلسون» أحد اقدم العاملين في مجال السيرك بيانا قال فيه ان السيرك هو واحد من أكثر الأماكن التي نجدها تدار بنظام ودقة وإقتدار. ثم أضاف انه على الصحافة والناس عموما، قبيل ان يطلقوا على احد السياسيين بواشنطون لقب المهرج، ان يتذكروا ان وظيفة المهرج الحقيقية هي إسعاد الناس.
ربما قال كيث حديثه دفاعا عن مجاله، وربما قاله في محاولة لمهاجمة السياسيين الذين وظيفتهم هي ضمان سعادة الشعب عن طريق توفير سبل الحياة الكريمة لهم، لكنه وبغض النظر عن اسبابه فلقد اصاب. إن وظيفة المهرج هي فعلا سعادة المشاهدين حتى وإن كان لفترة بسيطة، ترى، هل نفضل الآن لقاء سياسي أم مهرج.

الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 1199

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




غادة عبد العزيز خالد
غادة عبد العزيز خالد

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة