المقالات
منوعات
رحيل المغني - عندما تزلزلت الارض تحت اقدام السودانيين
رحيل المغني - عندما تزلزلت الارض تحت اقدام السودانيين
02-02-2013 07:59 PM

image


لم يتوحدوا على حزن واحد عريض وكثيف، ولم تتقاطر حشود السودانيين بهذا النحو الاستثنائي منذ زيارة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر للخرطوم عام 1967 أو وصول الزعيم جون قرنق إليها، مثلما تقاطرت وانهمرت أعدادهم الغفيرة على جانبي الشوارع المؤدية إلى المطار عند انتظارهم لجثمان المغني الأشهر، البالغ الشعبية محمود عبد العزيز الذي وافته المنية بالأردن صباح الخميس - السابع عشر من يناير - كانون الثاني هذا العام.

ركضاً من المطار إلى (حي المزاد) الشعبي البسيط بالخرطوم بحري شوهد المُرَوَّعون المصدومون من الشباب وهم لا يلوون على شي سوى إلقاء نظرة الوداع على مغنٍّ شغل لياليهم وغسل جراحاتهم بأغانيه لفترة تقترب من ثلاثة عقود.

سارعت الأجهزة الأمنية للدولة بإرسال طائرة خاصة لحمل الجثمان من العاصمة الأردنية، وتنافست الأحزاب والقوى السياسية المعارضة في إصدار البيانات وتسطير خطابات الفقد وتقديم واجب العزاء في تقاطعات ساخنة مع عشرات من حالات الإغماء، وتداخل عويل نساء الحي مع الصراخ الهستيري للقادمين والذي غطته في معظم الأحيان إنذارات عربات الإسعاف والأصوات الغليظة للرجال المنتشرين طلباً للاستغفار والرحمة.

خرج محمود عبد العزيز للحياة في أكتوبر عام 1967، وأظهر منذ الطفولة الباكرة تفرداً لافتاً في خامة الصوت وأسلوب الأداء عبر الأناشيد المدرسية وبرنامج جنة الأطفال بتليفزيون السودان والذي غالباً ما أوكل اليه أداء الأغاني المصاحبة للتمثيليات والأدوار التي تتطلب مهارة في الأداء الغنائي. التحق الفقيد بعدها بقصر الشباب والأطفال حيث نضجت موهبته، وأصبح يؤدي الأغاني المسموعة لكبار المغنين، ولكن على نكهته وبأسلوبه الذي أخذ من أسلوب المغنيين الهادي الجبل، والصومالي الراحل أحمد ربشة. قَلَّده النميري في أواخر السبعينيات جائزة الكشاف الأعظم، ومنذ أواسط الثمانينيات أضحى صوت محمود مألوفاً عبر الحفلات ومناسبات الأفراح لسكان منطقته التي انتشر غناؤه بها عن طريق مركز الشباب الذي لم يعرف صوتاً مماثلاً أجمل من صوته. ولكن جاءت الانطلاقة القصوى والمدهشة للمغني الشاب عندما بدأ في إصدار ألبوماته الشخصية والتي تسابق كبار الملحنين والموسيقيين السودانيين على التوقيع بألحانهم فيها. لَحَّنَ له كل من عبد اللطيف خضر، ويوسف الموصلي، وأحمد المك، ويوسف القديل، وهيثم عباس، وناصر عبد العزيز، ود. الفتح حسين وآخرين فاستطاع أن يُصدِر في قرابة عقدين حوالي ثلاثين ألبوماً غنائياً.

تتلخص مأثرة المغني الراحل في تغطية مضامينه الغنائية لكافة ممثلي الثقافات السودانية وتنوُّعه العرقي من شماله إلى جنوبه (القديم)، ومن شرقه إلى غربه. ولا غرابة أن ذكر أحد التقارير القادمة في تعزيته من جمهورية جنوب السودان أن الجنوبيين أرادوا قبل أعوام الاستفتاء على مغنٍّ شمالي وآخر جنوبي يفوزان بالقدر الأعلى من إعجاب الجماهير، وكم كانت المفاجأة عندما كان المغنيان الفائزان مغنياً واحداً هو محمود عبد العزيز. غير أن سر الشعبية الهائلة التي تمتع بها محمود يكمن في أن مصيره الحياتي وتفاصيل التجربة اليومية له قد عكست سائر مصائر وتجارب أبناء جيله والأجيال اللاحقة في مواجهاتها لواقع حياتي ووجودي شرس لا يخلو من تراجع حرج في فرص الحريات الشخصية والعامة ووقوعهم تحت مزدوجات من الحروب الأهلية والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

أما على المستوى الفردي فقد عَبَّر الراحل عن معاناة متنوعة بين السجون والعقوبات الجسدية التي تم تنفيذها عليه من قبل شرطة النظام العام التي جعلت استهدافه في أوقات كثيرة هدفاً عزيزاً لها.

ولا يمكن استبعاد الرغبات السياسية للحزب الحاكم وغريمته الحركة الشعبية في استخدام المغني الفذ في محاولة إغوائه وجعله متحدثاً غنائياً باسمهما. فمحمود عندما تكاثرت عليه العقوبات الجسدية من قبل أمن وشرطة النظام نظر في الحركة الشعبية، واقترب منها بوصفها مخلِّصاً وحائطاً بمقدورها توفير قسط من الحماية له. ولكن انشطار البلاد وانفصال الجنوب كانا قد أعلنا ضعف الشق الشمالي للحركة الشعبية، وتحرك الحائط بالمغني الذي كأنما اختار السلام مع الحزب الحاكم بطريقته الشخصية، وصار كثيراً ما يتردد مغنياً في مناسباته وحفلاته.

من أهم الملاحظات التي يمكن إيرادها هنا أن الارتحال السياسي للمغني لم يعن تغييراً في حب ومحبة الملايين من معجبيه ومحبيه من الشباب بل ظلوا أوفياء مخلصين له، متدافعين أينما حل، ومتى ما أحيا حفلاً. أكسبوه الألقاب والأسماء التقديرية، ونادوه بـ(الجان) و(الحوت)، وعندما حضر الجثمان كانوا يكتبون على اللافتات: سكت الرباب، ورحل الغمام.

في العام الفائت ابتدأت الأمراض تفتك بالجسد النحيل العليل. فمن انفجار للقرحة في الاثني عشر، إلى تسمُّم في الدم، إلى تعطُّل في وظائف الكلى والكبد.

تم نقل عبد العزيز إلى مستشفى ابن الهيثم بالعاصمة الأردنية عمان التي ما إن قضىي بها بعض أيام حتى تدهورت حالته الصحية أكثر مما سبق بحدوث نزيف بالمخ تطور إلى انعدام الكهرباء بالدماغ ثم توقُّف بالقلب.

توقف قلب المغني الجميل، ولكن خلدت أغانيه وأعماله الخيرية التي لا ينساها له الكثير من السودانيين ممن وقف بجانبهم وأعانهم. غاب المغني محمود عبد العزيز محبوب الملايين، وكأنما أراد بغيابه تأكيد أن الحب أبقى وأثمن هدايا الإنسان على الإطلاق.

نشر هذا المقال بعدد هذا الشهر لمجلة الدوحة..


[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1225

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#574932 [أبوكريم]
0.00/5 (0 صوت)

02-02-2013 11:26 PM
أولا: رحم الله أمواتنا أجمعين

ثانيا: أليس غريبا أن تتجمع هذه الجماهير الحاشدة مزلزلة أرض السودان حزنا علي رحيل فرد أو خسارة مباراة في كرة القدم ولاتحرك ساكنا وهي ترى البلاد علي وشك الموت.


وجدي كامل
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة