المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
انثلم سيف الجليلاب وانهدّ ركنٌ: رحيل الخال: الجليلابي
انثلم سيف الجليلاب وانهدّ ركنٌ: رحيل الخال: الجليلابي
02-05-2013 03:49 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

انثلم سيف الجليلاب وانهدّ ركنٌ: رحيل الخال: أحمد يوسف أحمد الأمين الجليلابى الضبيانى فى فجر حزين

في يومٍ مطير من أيّام فيضان عام ألفٍ وتسعمائة وثمانٍ وثمانين خضتُّ ووالدي، في طريقنا للعزاء في فقيدة عزيزة لنا، أمواجاً تتلاطم ونحن نحاول عبثاً اتّقاء زخّات المطر والرياح بمظلّة ملكت أمرى أكثر ممّا ملكتها.
وعندما ضمّتنا غرفة واسعة مع خالي المرحوم إن شاء الله أحمد يوسف أحمد الأمين(حــَمـّــُودْ) سليل راجل الغارين الحاج داود بن عبدالجليل مضيف الشيخ تاج الدين البهاري مؤسّس الطريقة القادرية في السّودان وحفيد الأميرة ريّا الفونجاويّة، وعمّى الراحل عوض الله حسن أحمد الأمين، رحمه الله وأسكنه فسيح جنّاته.
وكان عمّى الياس حسن أحمد الأمين، أطال الله في أيّامه ومتّعه بالصحّة والعافية، كعادته يضحك حتى يهتزّ جسده، وجدّى خال أمي سليمان الأمين العشا، رحمه الله وأحسن إليه مع الصدّيقين والشهداء، يضحك بوقار ويراقب كشاعر، وجدّى خال أمي مهدى العشا متّعه الله بالعافية وأمدّ في أيّامه الطّيبات، في عينيه ذكاء لا يُحدّ وفى كلامه حكمة الخبير. نظرت إليهم بوجوههم النّضرة لا تعلوها تقطيبة ولا أخاديد ولا تجاعيد، أسنانهم سليمة بيضاء طويلة، وشعورهم قصيرة سوداء، وقاماتهم ممشوقة كالنّخيل تتقافز الضّحكات من أفواههم كما ينتفض النّدى من فيه النرجس إذا هززته، كأنهّم في فرحٍ لا مأتمٍ.
كان عمّى عوض الله، كعادته، يناكف ابن عمّه خالي أحمد يوسف. قلت لنفسي هذه الوجوه الصبيحة رأيتها كما هي منذ أن وعيت الحياة كأنّها فى متحف تجمّدت يد الزّمان عند بابه.
عندما دخل رجل ومدّ يديه طالباً قراءة الفاتحة، تحيّنت لحظة الهدوء التي أعقبتها وملت إلى خالي هامساً ومومئاً للجمع المحتفل بالحياة لا تغيّره تصاريفها: "الجماعة ديل ليه ما بتغيّروا؟"، وضحك خالي وردّ هامساً: "ديل ناس دهرييّن".
هذه الجملة أثارت عصفاً ذهنيّاً لدىّ بمضامينها الفلسفيّة والنّفسيّة والاجتماعيّة، ولكنّ ذهولي كان في إيجاز بلاغته وفصاحته بفطرة خالية من الشوائب وقلت لنفسي ما أظنّه قرأ لجرير: "أنا الدَّهرُ يُفنى الموتَ، والدَّهر خالدٌ"، ولا تصفّح لسان العرب وعلم أنّ الدّهر هو "الأمد الممدود"، وعلمت حينها أن سنين الدّراسة وتصفّح الكتب لم يغن عنّى شيئاً وأنّ ما أطلبه عند من فارقتهم في سبيله، وأدركت معنى عمى البصيرة، وفقهت أنّ ما ينبغي أن تبنيه لا يقوم إلا على ما عندك من أساس، وتذكّرت عودة شيخي وصديقي محمّد عبد الحى، جعله الله في فردوس الجنّة، لسنّار وكلام محى الدّين بن عربي: "قال ما أخرجك من بسطام؟
قال طلب الحق، قال ارجع فإنّ الذى تطلبه تركته وراءك ببسطام، فرجع فلزم الخدمة حتى فُتح له".
وليتني رجعت وليتني لزمت الخدمة ولكنّ طول الأمل وعمى البصيرة وبُعدَ الطّلب أقعدوا فتى صار كهلاً ولم يُنجز ما أمِل وأصابه داء أهل السودان في خلط الأولويّات وصدق فيه قول الإمام الغزالي رحمه الله: "وترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور".
كلّما زرت أهلي كان أوّل المستقبلين فهو جارنا وقامته المديدة مثل النخلة المشرئبة للسماء تجعل الحائط يتطاول إليه فلا تفوته شاردة ولا واردة ليس كمثل رادارات السودان ويهشُّ إليك مبتسماً ومحيّياً " أهلاً يا خِينا، ما خلاص كفاك؟"، وأردّ مازحاً: "إن شاء الله قريب"، هذا ديدننا منذ أن أدرت ظهري للوطن وأقبل عليه قلبى، وفجيعتي أنّني لم أوف بوعدي وقد كاد، إن أذن الله، أن يتحقّق فكيف يحلو الوطن وجناحي ربعنا، عوض الله وحَمُّود، قد قصّهما الدّهر وقد كانا يرفرفان ويحلّقان بنا ثمّ غاب جناح وظلّ الآخر يخفق وحيداً حزيناً حتّى لحق برفيقه.
أذكرهما في حلبة العرس يتقابلان بسيفيهما يطيران ويحطّان ومعهما النظرات والشهقات وتتبعهما الزغاريد وكلمات "أبشروا بالخير". قلت لعمّى عوض الله رحمه الله: "كم أشتهى أن أراك وخالي حَمُّود في حفل عرس"، فردّ ضاحكاً: "القاوت (النّقرس) خلّى لينا كرعين نعرض بيها"، وأردف مقهقهاً: "حتّى خالك حمُّود قال عندو قاوت، يعنى من كترة أكل الكسرة بي موية؟ القاوت ده أعمى ما بشوف؟" والمعروف عن خالي حساسيته المفرطة لكلّ أنواع اللحم وخاصّة البقري وكنت أعزم عليه ليذوق شواء الكرامة فكان يجاملني بأكل قطعة أو قطعتين كنت أعلم أنّه سيدفع ثمن أكلهما لاحقاً.
سألته أختي فاطمة بعفويّتها المحبّبة وقد ظهر فى شعرها خيط أن خيطان من الشيب وهى فى ريعان الصبا وميعة الشباب، خفّفنا عنها بقولنا إنّه شيب السعد أو البخت: "إنت يا خالي مالك ما بتشيّب؟"، فانتفض قائماً وغاضباً ومحوقلاً: "البت دي دايره تسحرني وتقصّر أجلى"، ولكن في ساعة صفاء سألته عن السّر فباح لي هامساً:
"يا ولدى من ما أخت راسي فوق المخدّة تاني ما بفكّر في حاجة ولا في حاجة بتهمّني ولا بشيل غبينة ولا غم وأقول الخالق رازق"، حينها أدركت معنى حديث المصطفى صلّى الله عليه وسلّم :"يدخل عليكم رجل من أهل الجنّة، وقول الرجل لعبدالله بن عمرو بن العاص عندما كاد أن يبخّس عمل الرجل: رضى الله عنهم: "هو إلا ما رأيت غير أنّى لا أجد في نفسى لأحدٍ من المسلمين غشّاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إيّاه".
قلت في نفسى ها أنت تدّعى معرفة علم إصلاح النّفوس وتفشل أكثر ممّا تفلح بدءاً بنفسك وها هي الحكمة تُلقّنها لا تكلّفك شيئاً غير السُؤال، وها هو خالك الذى لم يدرس في الجامعات ولا رأى المكتبات مع ما به من هموم تنوء بها الجبال الرّاسيات لا يصيبه طلّها ولا رذاذها كالصخر الصّلد تسيل على سطحه. بعد سؤالي بسنوات اكتشف العلم كيف يفعل هرمون القلق المزمن بالجسد إنهاكاً وشيباً، فهل كان ذلك إلهاماً أو بصيرة الفطرة؟.
في صيف قائظ في منتصف شهر مايو، حيث تركت ورائي ربيعاً تتنافس فيه ورود البشر مع ورود الشجر في شمال بلاد الإنجليز، عُدّت زائراً لأهلي وقد أخذهم الجهد من فحيح السّموم وقد ضاقت نفوسهم بأرضهم وسمائهم بما وسعت فقال لي خالي حَمُّودْ، أسكنه الله فردوسه في علّييّن، "أها ما جات مطرة المرّة دي؟، وكان يقصد مزحتي بادّعائي أن سماء السّودان لا تمطر إلا بوصولي لأنّ الخير على قدوم الواردين الصالحين وليس الجالسين الصالحين، قاصداً بذلك والدى شيخهم المقيم. وأذكر أنّ عودتي بعد غيبة طويلة، كما ذكرت سابقاً، صادفت الفيضان فما كان من خالي إلا أن قال لي: "تاني تعال لينا كلّ سنة ما تغيب وتجيب لينا فيضان".
قلت لخالي مازحاً في ذلك اليوم: "إن شاء الله ستمطر قبل منتصف الليل وعندها أنت وشيخك ستقبّلان يدى"، ونسيت الأمر وما كاد الليل ينتصف إلا وصوت "كمباله" يرتفع من حوشه فقد أمطرت وهُرع النّاس يستفسرون فقال جادّاً: "ود أختي اتبيّن"، ولكنه انتحى بي جانباً في صبيحة اليوم التالي وقال لي: "ما بنقدر ندّيك الراية لأنّو أبوك شيخنا وقاعد في وسطنا وانت كان احتجنا ليك ما بنلقاك"، وضحكنا سويّاً.
صحيح أن من يحيا متوافقاً مع نفسه يحيا متوافقاً مع الكون. لم يقصّر أجله تفكّر أختي فاطمة البريء التي بكته نائحة: "يا حليل خالي البِسُر بالى"، ولكن سوء العناية الطّبيّة وانهيار النٌّظم الصحيّة وتلاشى الأخلاق المهنيّة خطفت منّا فارساً ثغرته لا تسدّ وكسره لا يجبر فلا حول ولا قوّة إلا بالله وإنّا والله لفراقك لمكلومون ومحزونون وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
اللهمّ جاءك عبدك خرج من دنياك كما دخلها لا له ولا عليه، جلس على شطّ الحياة وحسا منها كما يحسو الطير، لم يملأ وعاءه بزادٍ أبداً ولا أبدى شرهاً، باشر بالمحبّة وصبر على البلاء، وضحّى بالكثير والقليل من عافيته وسعادته، وقابلته دنياه بالجحود وظلمته، ولكنّه احتسب وتوكّل وتأمّل فعلم أن كثيرها كقليلها فزهد فيها، ولم يبخل عليها وعلينا فرواها بابتسامته وسعة باله وعميق حكمته التي غطّاها بتواضعه، وبغيابه سينفرط عقدنا ويتشتّت شملنا اللهم فزدنا صبراً على صبرنا وافتح له وسيع أبواب جنّتك وألبسه ثوب نور منك واغسله بماء الجنّة واسقه منها حتى يروى وأطعمه من طيب لحمها حتى يرضى.
آمين.

د. عبدالمنعم عبد الباقي علي
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 838

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. عبدالمنعم عبد الباقي علي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة