المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الدين والدولة والفجر الجديد
الدين والدولة والفجر الجديد
02-07-2013 10:32 AM

أفضل ما قدمه الحزب الحاكم وأجاده هو أنه زعزع الصورة الدينية للسلطة , وكشف عن سهولة إستغلال الدين في السياسة , لأنه مطواع في أيادي الطامعين , وحمال أوجه في أيادي الدارسين , ويتعامل مع المطلقات سواء كانت في السموات أو الأرض , و يتعامل مع الظواهر ويترك البواطن , ويعتبر الكلمة الطيبة صدقة بغض النظر عن محتواها الحقيقي وعن الظرف الذي قيلت فيه وعن القائل الذي يلقيها على عواهنها عفوا أو بنية الجزاء والإحسان .
كل أمهات الكتب حتى الدينية منها كتبها أناس على مسافة بعيدة من السلطة الدينية فضلا عن تلك الكتب والنظريات التي كتبها وإبتدعها أناس صنفوا كمعادين للدين وساعين لتقويض أفكاره وإنهاء سلطته الروحية والفكرية على البشر , فالسلطة الدينية لا تفرق بين الفكر الديني والفكر الطبيعي , لأن مرجعهما المشترك هو العقل , ذلك العدو الغامض والمنتصر دائما في معاركه التاريخية مع المندسين بين النصوص و الطقوس والمتخفين وراء الشرائع وحمية الجهاد الكاذبة .
في مجتمع إسلامي معروف يقوم بعض إنقلابييه بإخفاء هويتهم الإسلامية حتى يستتب لهم الأمر وينقاد لهم الناس مع أن المتوقع أن يعلن هؤلاء الإسلاميون عن عنوانهم الديني وصفحتهم البيضاء بشجاعة وأمان حتى يجدوا التأييد والمدد الفوريين من مجتمع مسلم ولكنه اللعب في الزمن الضائع للخلافات القديمة التي سنت سنة إستغلال وتطويع وتحريف الدين مرة بالفتوى ومرة (بالطمس) ومرة بالعصا , ولأنك يمكن أن تخفي الدين كهوية لعدة شهور أو سنوات كما تخفي غيره من الإعتقادات الظنية أو اليقينية كذلك يمكن لك أن تتلاعب به كما يتلاعب الحواة بالبيضة والحجر إلى زمن يطول أو يقصر حتى تقرر أنت أوان الخطوة القادمة أو يقررها الكهنوت الذي يتوهم أن السلطة تتحدث بلسانه وتفكر بعقله , وفي هذه اللحظة الفردية بالذات يمكن إستغلال الدين والذي بدأ مبكرا بوضع الأحاديث وخلق التفاسير ولوي توجهاته التي تتجه أينما وجهت لمصالح السياسة وأفكارها وجعله مطية رخيصة لكل رخيص ومطية غالية لكل إدعاء وتطبيل وشعار , وللمسلمين باع طويل في إستغلال ومط وتعريج نصوص الدين وإدراك مقنن بقدرته على حشد الأتباع والموالين خاصة إذا كانوا من نفس الملة أو نفس الطائفة وذلك لأنهم حكموا إمبراطوريات واسعة لا يدركون أو يعاينون تفاصيلها ويحتاجون إلى القداسة والقدرة الإلهية ووحدة الرابطة الدينية في جعلها متماسكة ومنقادة لمركز واحد رغم اختلافات مواقعها الجغرافية وتعدد لغاتها وأعراقها وإستمر ذلك السلوك حتى إنهيار الخلافة العثمانية كآخر الخلافات الإسلامية في القرن العشرين ومع تشكل الدول القومية الحديثة تواصل إستغلال الدين والإنتماء لجماعاته السياسية التي تمايزت عن جماعات الفقراء من الطرق الصوفية ودور المشايخ لإرتماء تلك الجماعات في يد السياسة الدولية كأداة في الصراع بين الرأسمالية والشيوعية والإرتماء تحت سطوة البترودولار ثم زاد بريقها لفشل الدول العربية والإسلامية في التنمية الإقتصادية والديمقراطية وهي ليست سوى بقايا محاولات إستغلال الدين في الخلافات السابقة ولذلك يربطون الاتجاه لتبني أطروحات دينية بهدف دفين يعلنونه حينا ويخفونه في أحيان كثيرة وهو إقامة الخلافة الإسلامية أو الخلافة العثمانية .
لم يكن الدين منذ نشأته مرتبطا بشيء محدد كالدولة ( ولم يرسل النبي محمد صلى الله عليه وسلم بنظام حكم لأنه أرسل إلى الناس كافة على اختلاف أنظمتهم السياسية ) وإنما نشأ مرتبطا بالفرد وحريته وضميره , فلم يكن الأنبياء مسؤولين في دول أو موظفين في إدارات ولكنهم أرسلوا للناس كافة بما فيهم الحكام والملوك الذين يموتون كرعيتهم ويبعثون معهم وهم عبيد لله كسائر الخلائق ولم تخرج نبوة واحدة من ملكية مستقرة أو أمبراطورية راسخة يتوارثها الأبناء عن الآباء عن الأجداد ( كان سليمان بن داؤد ملكا كوالده لأن بني إسرائيل طلبوا من كهنتهم أن يكون لهم ملوك كسائر الأجناس من حولهم ورغم ذلك لم يترك سليمان أو داؤد عليهما السلام نظاما مقررا للحكم لا في القرآن الكريم ولا في كتبهم المقروءة في التوراة اليوم , وفي إسرائيل منذ تأسيسها في 1948 إستقر الحكم على نظام ديمقراطي غربي ) ولكن بعض النبوات كالنبوة الخاتمة نشأت في بيئة تميزت بالفراغ السياسي وإنعدام دور الدولة بعد إنهيار سلطة أكسوم والدولة اليمنية القديمة التي جمعت أطراف الجزيرة العربية ووسطها إلى الحجاز بعد أن ضربها الجفاف وهجرات السكان الكثيفة إلى المراعي الوفيرة عبر باب المندب فوجدت الدعوة الدينية الجديدة في مكة نفسها تواجه ذاك الفراغ الإجتماعي العريض الذي يهدد ثبوت وإنتشار الدين للعالمين- من هنا جاءت الفتوحات , فلو كانت هناك دولة لما حدث الغزو لا دفاعا عن النفس ولا طلبا للغنائم في بيئة فقيرة أصبحت تتجمع كلها حول رجل واحد لا يملك مالا وليس هو بملك - وتضطلع بدور جديد في تاريخ الرسل والأنبياء وهو الدور السياسي الذي توحدت به الجزيرة تحت رآية القران وزعامة النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك إنقسمت الدعوة تاريخيا إلى دعوتين احداهما في مكة بدون سلطة وبلا إتباع غير حفنة تستطيع أن تقوم ببعض تكاليفها قبل أن يتزاحم حولها المؤمنون بها في بيئة تعتمد على منتجات التجارة الخارجية وإتاوات العبور, وأخراهما في المدينة بسلطة نشأت فجأة وعلى غير إنتظار من الدين الجديد أثناء الدفاع عن النفس وبلا رغبة منه في طريق دعوة تنشد التوحيد وتتلقى الوحي كمهمة أصعب من تكوين الجيوش إلى درجة أننا في العصر الحاضر نستغرب كيف ترك الإسلام كتابا مثل القرآن وجيوشا تغزو , فتطورت الدعو سريعا في طريق آخر و أنجبت الخلفاء والخلافات التي تعد طارئة على النظام الديني وسيرت الجيوش على غير إستعداد ومع تطاول الزمن بهذه السلطة السياسية فسد الدين وتشوهت الأصول وأنحرفت الدعوة عن طريقها المستقبلي إلى أن أنهارت الخلافة المبتدعة في القرن العشرين بعد أن أطلق عليها الحلفاء ( رجل أوربا المريض ) وبإنهيارها بعد مفاسد طويلة بحيث لم يذرف عليها المسلمون دمعة واحدة بل ساعدوا الحلفاء في القضاء عليها ظهرت جماعات إستغلال الدين السياسي من عباءة المستعمرين الذين وزعوا أملاك الخليفة والخلافة بينهم ينادون يالمستحيلات ويحيون ذكرى العنقاء من قبيل إحياء الخلافة الإسلامية العثمانية وتوحيد الدول على أساس ديني من أجل تنصيب الخليفة المرتقب وأثناء هذا الغياب الكلي عن العصر الحديث وعن التطورات السياسية المعاصرة يمارسون كل الدجل الديني بالفتاوى المباحةالخاطئة ويرتمون في أحضان من يدفع أكثر حتى ولو كانت التضحية بنصف بلد أو بنصف شعب وفي هذه الأجواء أيضا ظهرت أكاذيب ما بعد الخلافة العثمانية وهي دمج الدين بالدولة والحاكمية لله ثم ظهر بعد مخاض عسير من مجابهات العصر الحديث الفكرية الفاشلة تنظيم القاعدة كآخر تجليات إستغلال الدين في ا لسياسة مرورا بطالبان والنظام الإسلاموي في السودان بزعامة حسن الترابي ونظام الجماعات الهاربة الآن في مالي وهي كلها بقع في ثوب الخلافة القديم المهترئ بفعل العصور الحديثة وجزء بائد من أنسجته وهي كلها مع الوقت إلى زوال كما أكد التاريخ وكما زالت الخلافة العثمانية برغم تقديمها الضحايا بالملايين وزال معها من ساهموا بداخلها في إستغلال الدين لتثبيت السلطان والمفاسد وإكتناز الغنائم رغم من بقي منهم في زمننا الحاضر يمارسون نفس اللعبة القديمة برفع المصاحف على أسنة الرماح ويفتون في الشأن العام وفي شأن المسلمين حسب هواهم إستغلالا للمسلمين وإستغلالا لأملاكهم الكثيرة بإسم الدين وربما لا يلعن الأوائل شيئا مثل إقامة الخلافات التي إصطرعوا حولها بلا مرجعية مؤكدة ونشؤ الدين في بيئة صحراوية لا دولة فيها ولا حضارة غير ما يسمع في الرحلات وذلك كله كلفهم بأن يقيموا تلك الدولة بمفاهيم تلك العصور في القرن السابع بينما الدين يصلح لكل عصر ويدعو في كل زمان , وهذه الفتنة مازالت قائمة حتى اليوم .. وبينما الوحي توقف بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم مازالت الجيوش تسير ومازالت المليشيات تؤسس وتسلح .. ومازال ضعاف النفوس يستغلون الدين ويعتبرون الدولة أداة لتجريده من سلطاته الروحية لتوجيه وتنمية روح الفرد وأداة فعالة لخداع الناس الحالمين بمدينة فاضلة لا توجد إلا ليعيش فيها سادتهم من أصحاب الكهنوت والسلطة والغش .

خالد بابكر أبوعاقلة
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 753

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#580315 [المشتهى الربيت]
0.00/5 (0 صوت)

02-09-2013 08:03 AM
مقال ممتاز استاذ خالد. اتمنى مواصلة الكتابة فى هذا الشأن


#579616 [حليم-براغ]
0.00/5 (0 صوت)

02-07-2013 11:34 PM
السودان ضاع خلاص وإتفركش .. وإحنا قاعدين نتفرج عليه .. السودان أصبح دولة لافيها دين ولا أخلاق .. ولاهي دولة..ولافيها فجرجديد..السودان أصبح دولة عصابة خارجة عن دين محمد.. السودان أصبح فقط إسم علي خريطة العالم..السودان أصبح دولةتغضيها ظلمة حالكة غير قابلة لطلوع الشمس أو إنقشاعهامرة أخري إلا بإذن الله تعالي.. (لا يغير الله مابقوم إلا مايغيروا بإنفسهم). إحنا شعب أصبح يعشق المذلة .. بقينا شعب يعشق الظلم والإضطهاد.. بيقينا شعب مكسور.. بقينا شعب نقول للابيض أسود والاسود أبيض.. رحم الله شرفاء السودان الذين ضحوا بإرواحهم فداء للسودان..أصحي يا شعب وما تخجل فينا العالم ..الشعوب ثارت وإنتفضت وغيرت أنظمة ولسه سقياتهم مدورة..وشعب السودان الجميل بيحكموه أقذر أنواع البشر مثل البشير ..وعلي عثمان.. ونافع ..والحاج أبوساطور ..وقطبي.. وربيع وغيرهم من بقية الكلاب المسعورة الضالة ..


#579521 [عبد الرحمن مصطفى]
5.00/5 (1 صوت)

02-07-2013 08:54 PM
الدين لا يتناقض مع العقل وكثير من الآيات تدعو للتفكر والتأمل وحضارة المسلمين الأوائل خير دليل. والعقل ليس عدوا للدين ودونك ما كتبه العلماء عن الإعجاز العلمي في القرآن. أما غن كنت تتكلم عن تفكير بعض المسلمين فهذا ممكن.
يقول صاحبنا( وللمسلمين باع طويل في إستغلال ومط وتعريج نصوص الدين وإدراك مقنن بقدرته على حشد الأتباع والموالين خاصة إذا كانوا من نفس الملة أو نفس الطائفة وذلك لأنهم حكموا إمبراطوريات واسعة لا يدركون أو يعاينون تفاصيلها ويحتاجون إلى القداسة والقدرة الإلهية ووحدة الرابطة الدينية في جعلها متماسكة ومنقادة لمركز واحد رغم اختلافات مواقعها الجغرافية وتعدد لغاتها وأعراقها)
هذا اتهام عام لكل المسلمين ولا يجوز ذلك يمكن ان تتكلم عن فئة معينة في زمن معين وتستدل بالاحداث لمن من يطلق الاتهام هكذا فواضح انه إنما يهاجم الدين الاسلام نفسه وليس المسلمين.
الكاتب يتهم كل الجماعات والحركات الاسلامية غير الصوفيين باستغلال الدين لخدمة أغراضهم والاتهام للكل وهذه كما قلت كلام من لا يرضى بالفكرة نفسها ويريد ان يكون الدين بعيدا عن كل شيء، وفي هذا اتهام للدين بانه يفسد حياة الناس.
يريد الكاتب ان يسقط دعاوى الاسلام السياسي بعدم فصل الدين عن الدولة عبر حديثه عن بعض الانبياء لإثبات بعدهم عن السياسة والحكم. وفي الاسلام يرى ان قيام دولة في المدينة لأن الاسلام ظهر في فراغ سياسي واجتماعي يهدد ثبوته وانتشاره. ويقول:
(فلو كانت هناك دولة لما حدث الغزو لا دفاعا عن النفس ولا طلبا للغنائم في بيئة فقيرة أصبحت تتجمع كلها حول رجل واحد لا يملك مالا وليس هو بملك - وتضطلع بدور جديد في تاريخ الرسل والأنبياء وهو الدور السياسي الذي توحدت به الجزيرة تحت رآية القران وزعامة النبي صلى الله عليه وسلم) وهنا يرى ان الفتوحات كانت دفاعا عن النفس وطلبا للغنائم وهذه إغك واتهام للاسلام ومغالطة للحقائق. ويقول:
(أخراهما في المدينة بسلطة نشأت فجأة وعلى غير إنتظار من الدين الجديد أثناء الدفاع عن النفس وبلا رغبة منه في طريق دعوة تنشد التوحيد) يعني ان السلطة السياسية بغير رغبة كما انه يرى ان ذلك حالة طارئة.
كل ذلك ليبعد السياسة عن الحكم. ولكن ماذا نفع بآيات الزكاة والصدقات والجهاد والربا والعقوبات والحدود، والآيات التي تطالب بحكم الله؟ هل منسوخة؟ أم ان الزمن تجاوزها؟
اتقوا الله ايها العلمانيون
لا تجعلوا عداءكم للحكومة يوقعكم في الضلالة. لا تتخذوا الشريعة بابا لمهاجمة الحكومة.
فساد الحكومة لا يعني فساد الشريعة


خالد بابكر أبوعاقلة
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2016 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة