المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
إضاءة على دستور المدينة التاريخي
إضاءة على دستور المدينة التاريخي
02-08-2013 10:37 PM

كنت في مقالتي السابقة قد تطرقت إلى معنى الدولة العلمانية و أبنت أن كلمة العلمانية هي ترجمة لثلاث كلمات مختلفات في اللغات الأجنبية كالإنجليزية مثلا , لكل واحدة منها معنى مخالف و تطبيق مخالف و هي كلمات scientism , laicism , secularism , و ذكرت أن هنالك الدولة شبه العلمانية و هي مرادفة في معناها للدولة المدنية و لها أمثلة في معظم الدول العربية و الإسلامية . أما مقالتي الحالية و كعودة إلى تراثنا الإسلامي فسوف أتطرق فيها إلى ( وثيقة المدينة ) أو كما عرفت عند الكتاب الإسلاميين الأوائل كإبن هشام بإسم ( صحيفة المدينة ) و قد أطلق عليها في العصر الحديث إسم ( دستور المدينة ) .
قبيل الهجرة في عام 622 ميلادية أضحت مكة غير قابلة للدين الإسلامي الجديد و إزدادت تعديات الكفار بالتعذيب و التقتيل على الذين أسلموا . من أجل ذلك إتخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم قراره بالهجرة إلى يثرب التي كان أهلها و فيهم خؤولة أبيه قد دعوه كي يهاجر إليهم , و هكذا إستقبلوه بالترحاب و الأهازيج حين طلع عليهم من ثنيات الوداع . في ذلك الوقت كانت تعيش في يثرب مجموعات قبلية متعددة تدين بأديان مختلفة , فكان هنالك المسلمون و اليهود و المسيحيون و عبدة الأوثان . من هذه القبائل كانت قبيلتا الأوس و الخزرج اللتان هاجرتا إلى يثرب من جنوب الجزيرة العربية بعد إنهيار سد مأرب , و كانت قبائل بني النضير و بني قريظة و بني قينقاع و هي قبائل يهودية هاجرت إلى يثرب من الشمال . كانت علاقات هذه القبائل غير مستقرة و كثيرا ما تنشب النزاعات بينهم و التي قد تستفحل و تقود إلى مواجهات دامية .
عندما وصل الرسول صلى الله عليه و سلم إلى يثرب قام بتغيير إسمها إلى ( المدينة ) ثم إجتمع بكل القبائل المكونة للمدينة بكل إختلافاتها الإثنية و الثيوقراطية و الثقافية و إتفق معهم في عام 623 ميلادية على وضع وثيقة تنظم لهم طريقة تعايشهم في مجتمع واحد يجد كل فرد منهم دوره فيه . لقد وقف بعض الكتاب المستشرقين على هذه الوثيقة – الدستور و قاموا بإبرازها و إعتبروها تمثل اول دستور مدني في التاريخ , و أن ما بها من حرية للمعتقد و عدالة و أمان و شعور جمعي بالمواطنة و بتكوين الدولة – الأمة يجعلها قابلة للتطبيق في عصرنا الحديث , في تعارض للإسلاموفوبيا التي نراها حاليا في الأصولية الجهادية المتطرفة و في الصراع بين الأديان .
تحتوي هذه الوثيقة على إثنين و خمسين بندا , يختص خمسة و عشرون بندا منها بأمور المسلمين , بينما يختص سبعة و عشرون بندا بالعلاقة بين المسلمين و أصحاب الديانات الأخرى في المدينة , و سوف أورد هنا أهم البنود التي وردت في وثيقة دستور المدينة و هي كالآتي :
1 – حرية المعتقد
2 – العدالة و عدم حماية الظالم و الآثم
3 – الدفاع عن أرض الوطن و إقتسام التكاليف
4 – عدم معاقبة أحد على جرم قد إقترفه غيره
5 – إقرار الحدود الجغرافية
6 – أمان الدولة و المواطنين
7 – أهمية وجود مرجعية للعمل بها في حالات عدم الإتفاق
8 – تأسيس أمن للمجتمع
9 – إستقرار العلاقات القبلية
10 – إيجاد نظام ضريبي لمساندة المجتمع
11 – إيجاد نظام لمنح الحماية للأفراد
12 – عمل نظام قضائي لحل الخلافات
13 – عمل نظام لضبط دفوعات التعويضات بين القبائل لحل التجاوزات في ما بينها
لقد منح دستور المدينة حقوقا لغير المسلمين نجدها في الآتي :
1 – أمان الله يتساوى و يشمل كل المجموعات في الأمة
2 – غير المسلمين يتمتعون بحقوق سياسية و ثقافية متساوية مع المسلمين و تشمل الجميع حرية الأديان
3 – غير المسلمين يحملون السلاح و يحاربون ضد أعداء الأمة و يتقاسمون تكاليف الحرب مثلهم مثل المسلمين
4 – غير المسلمين لا يلزمون بالمشاركة في الحروب الدينية التي تخص المسلمين
إن روح التسامح و القبول بالآخر التي كانت سائدة في المجتمع المديني قد ساعدت على عملية التآخي و الإندماج التي تمت للمهاجرين من مكة , و قد عزز في ذلك ما شملته بنود الوثيقة من حرية و عدالة و مساواة , و بذلك فقد عكست وثيقة الدستور معاني التسامح كما هي موجودة في القوانين الحديثة و ما في ذلك من حقوق و واجبات للأعضاء في المجتمع بمن فيهم المرأة التي لعبت دورا كبيرا في مجتمع المدينة . لقد تطرقت وثيقة دستور المدينة عمليا لأمر التعددية و التي قد تم تعريفها حديثا بأنها ( شكل للمجتمع تصون فيه مجموعات مكوناته تقاليدها الثقافية المستقلة ).
لقد كتب الدكتور محمد عمارة الكاتب الإسلامي المعروف مجموعة مقالات في صحيفة الأهرام المصرية و قال في مقالة له عن دستور المدينة : (( يعتبر دستور المدينة أول و أقدم دستور محفوظ بالكامل حتى الآن , و فيه تقنين لخروج الإنسان من إطار ( القبيلة ) إلى رحاب الدولة و الأمة . لم تكن دولة المدينة دولة دينية لأن دستورها قد تميز عن القرآن و إن لم يخالف روحه و مبادئه , و رعية هذه الدولة لم تقف عند الجماعة المؤمنة بدين الإسلام بل كانت رعية سياسية إتخذت من المعيار السياسي و الإطار الحضاري ميزانا حددت و ميزت به الرعية من الأغيار , و قد إستخدم هذا الدستور مصطلح الأمة بمعنى الرعية السياسية , و أقر التمايز و التعددية الدينية في داخل هذا الإطار القومي – الحضاري – السياسي . إن أمة إقترن تأسيس دولتها الإسلامية الأولى بالدستور المكتوب , لا يليق أن تنكص على أعقابها فيحكمها الإستبداد متحللا من ضوابط الدستور شكلا و فعلا )) !
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك افريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني القديم تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !

عمود : محور اللقيا
د. عمر بادي
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1702

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. عمر بادي
د. عمر بادي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة