المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
تنازعنا ...ففشلنا..... فهل ستذهب ريحنا؟!
تنازعنا ...ففشلنا..... فهل ستذهب ريحنا؟!
02-11-2013 01:56 PM


بسم الله الرحمن الرحيم
تنازعنا ...ففشلنا..... فهل ستذهب ريحنا؟!
في مطلع السبعينات ، تشرفت بأن اكون ضمن وفد السودان ( مجموعة المسرح) المشارك في مهرجان الشباب الأول الذي عقد بالجزائر . وقتها ، أحرز وفدنا المركز الأول في كل الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية والتشكيلية تقريبا ، وكان بلدكم هذا مصدر فخر للجميع ، عربا كانوا أو أفارقة ، وعد وقتئذ من طلائع الدول الأفريقية ثقافة وحضارة وندا قويا للدول العربية في مجالات شتي . كان سبب هذا النجاح هو حسن إدارة التنوع من خلال الاهتمام بالمواطن ، تعليما وصحة وخدمات إجتماعية وثقافية ، والتي كان جلها بالمجان لأنها عدت من صميم مسئوليات الدولة . ولعل مرد أسباب النجاح هذا أن الكل كان يشعر أنه مواطن ومسئول ، مهما إختلف توجهه وإختلافه مع الآخر.
كنا في ذلك الوقت نلبس مما نصنع ( مصانع سلوي للملابس وباتا للأحذية مثالين ) ونأكل مما نزرع بحق ( مئات إن لم يكن الاف المشاريع الزراعية والصناعية الكبري ).
لم يكن المرحوم جعفر نميري ملاكا ، وإنما كان ديكتاتورا شموليا ولكنه ، كان وطنيا بحق ، لم يفرط في شبرمن أرض هو المكلف بالزود عنها وحمايتها وشعبها بحكم رئاسته للدولة . فيما بعد ، لعب عليه المتأسلمون حتي أقصوه لتبدأ مرحلة جديدة لبداية إنهيار الدولة السودانية ، وتحديدا منذ عام 1989 والذي إعتبرت فيه الحكومة المنتخبة شرعيا مجرد " كوبري" للوصول الي السلطة ، وقد كان . يالله ... اي داهية هذا الذي كان وراء كل هذه المصائب؟!.

كانت فترة حكم المرحوم جعفر نميري هي آخر عهد لتلك الدولة الفتية التي كان لها مكانا يوما تحت الشمس بين الأمم. المفارقة ، وبعكس ما قررت آنفا ، كنت واحدا من الذين كانوا يعارضون نظام مايو ، جهارا نهارا ،علي خشبة المسرح القومي التابع للدولة !!.
رغم كل ذلك ، بقي الشعب السوداني ، وحتي وقت قريب ، يٌشهد له ، إقليميا ، ودوليا ، أن شيماه الود وجزيل العطاء والكرم عفيف النفس وحسن الخلق وحافظا للأمانة والشرف. ماذا حدث إذن ، وكيف وصل بنا الأمر الي هذا الحال المزر والمنذر بانهيار وشيك ، إن لم يتداركه العقلاء؟!.
بدفع حركة التاريخ الي الوراء ، وتحديدا ، قبل سبعة وخمسون عاما ، ورث الحكام الذين تعاقبوا علي حكم البلاد مشكلة مزمنة تتعلق بتنوع التوجهات الفكرية والسياسية للنخبة و عدم الرغبة في صهرها في بوتقة واحدة لمصلحة الوطن ، بل راحوا يتصارعون وفق الأطماع الشخصية والأنانية الطائفية وكانت حركة الاستقطاب آنذاك تجري علي أشدها بين الأحزاب الأتية :
1- الأحزاب الطائفية ذات التوجه الديني المتوارث " العائلي"
أ‌- حزب الأمة الأصل.
ب‌- الحزب الاتحادي الديموقراطي.
2- حزب سانو الجنوبي
3- الجماعات ذات التوجه السلفي ( الوهابي).
4- الجماعات ذات التوجه " المحدث" للدين، كجماعة الأخوان المسلمين، ثم فيما بعد الأحزاب الاسلامية ( الحركات الاسلامية بأنواعها) والتي كانت تعمل وقتذاك تحت الأرض.
5- الأحزاب المتأثرة بالنزعات القومية ( الناصرية والبعثية ).
6- الأحزاب المتأثرة بالتوجهات الأيدولوجية العالمية
( اليسارية ) .
7- حديثا ، أحزاب ذات توجه علماني ، يفصل الدين عن الدولة ومدعوم دوليا ( الحركة الشعبية - قطاع الشمال ، حركة تحرير السودان ، حركة العدل والمساواة).
8- حاليا ، حركات شبابية وليدة كحركة قرفنا ، حركة التغيير الآن ، حركة لا لقهر النساء ، بالاضافة الي حركات أخري مشابة.
بمراجعة تاريخية سريعة يمكن أن نلاحظ أن كل جل هذه الأحزاب والحركات ، قد سعي ، كل منها ، منذ الاستقلال وإلي الآن ، الي محاوة الوصول الي الحكم بشكل أو بآخر ، إما إستفرادا أو مشاركة ، ومن قراءة سريعة لتاريخ هذه الكيانات نجد أنها لم تتفق مع بعضها أبدا علي ثوابت لا يحاد عنها وإنما تدخل في تحالفات مصلحية مؤقتة ما تلبث أن تنبذها بمجرد قضاء مأربها. يلاحظ ايضا أن جل هذه الكيانات لا يجيد أصول اللعبة السياسية ، ويفضل ، بل ويحرص علي اللعب دوما بمفرده.
الشيء الجديد والأخطر الذي طرأ علي البلاد وغير حالها الي الأسوأ بدأ منذ عام 1989 هو " اللعب" المنفرد ، فقد إستولي الإسلاميون ، بالمكر والخديعة علي السلطة، واستمر حتي اليوم مسجلا فشل بعد فشل ومنذرا بقرب إنهيار الدولة السودانية ، والشواهد علي ذلك كثيرة ، نورد منها علي سبيل المثال ما يلي :
:
1- علي المستوي العقدي : إستغلال الدين " نفاقا" و" تملقا " لتحقيق مآرب شخصية ، مما أدي الي ظهور مفاهيم مشوشة وتطبيقات مغايرة تماما لتعاليم الإسلام ، بالاضافة الي ظهور جماعات " تكفيرية " تدعي حوزة وأحقية تبني الخطاب والتقييم الديني لسلوكيات الناس ولاتنهي في نفس الوقت عن منكر وسلوكيات منحرفة من أهل الحكم مخالفة لشرع الله. أو ليس الدين النصيحة ، واين هي مما نراه؟!.
2- علي المستوي التطبيقي : الإمعان في الظلم والجور في الحكم و إساءة إستغلال السلطة والاسئثار بها علي حساب الآخريين وعلي حساب العدالة.
3- علي المستوي المجتمعي : تفشي العنصرية والقبلية وترسيخ سياسة إقصاء وتهميش الآخر والسماح بتمدد أذرع خارجية وتغلغلها داخل المجتمع لنشر سمومها كالتنصير القصري والتشييع والتخريب الماسوني العلني .
4- علي المستوي الأخلاقي ، تفشي ظواهر لا اخلاقية كالسرقة ونهب المال العام وإشاعة الفاحشة والزني واللواط وإغتصاب الأطفال ونهب ممتلكات الدولة ، وظهور العصابات المسلحة داخل المدن ( النقرز).
5- علي المستوي السلوكي : الترفع والتطاول علي الخلق والكذب والنفاق ونقض العهود والمواثيق وعدم إحترام القانون.
6- علي مستوي العلاقة بين المركز والمناطق الأخري :عدم الاهتمام بالحقوق الشرعية للمواطنين بالمناطق المهمشة أدي إلي تفاقم النزاعات ورفع السلاح بين ابناء البلد الواحد مما حدي بالمهمشين إلي الاستعانة بالدعم المادي والمعنوي واللوجيستي من أطراف خارجية لها أجندات مختلفة تماما عن الأهداف الوطنية.
7- علي المستوي التنظيمي : تكوين " ميليشيات " موالية وحامية للنظام تستخدم العنف والترهيب بديلا عن الحوار كالدفاع الشعبي ، والجنجويد ، بالاضافة إلي ترسيخ ثقافة الحسم بالسيخ داخل المؤسسات التعليمية.
في المقابل ، إستخدمت المعارضة السلاح كحل للحصول علي مطالب يفترض أنها مشروعة مما أدي الي نسف لغة التفاوض والحوار وبداية ظهور التدخل الخارجي المباشر والغير مباشر والانحناء الي ثقافة الإملاءات الخارجية المشبوهة علي حساب الإرادة الوطنية الحرة.
8- علي مستوي " الكاريزمات" القيادية : ظهور شخصيات " شاذة" سواء في الحكومة أو المعارضة ليست مؤهلة أصلا للقيادة وإنما أوتي بها عنوة ، إما وفق ترضيات أو إملاءات سياسية داخلية أو خارجية ، مع ملاحظة أن بعضها عليه مآخذ جنائية سابقة وهذا يخالف الجانب الأخلاقي لشروط القيادة ، كما أن قيادات أخري ، تتبوء مواقع حساسة في دست الحكم الأن ، تحمل جوازات سفر أجنبية ، مما يخرجها من دائرة الولاء الخالص للدولة وبالتالي ، تولي المسئولية الوطنية المشروعة.
9- علي مستوي العلاقات الإقليمية : تضعضع الثقة بين دول الجوار لأسباب عدة تخرج عن إطار التعايش السلمي وحسن الجوار ، إما بسبب دعم الجهات المناوئة ، او بالتحايل للحصول علي الدعم المادي ، أو تبني سياسات مخالفة للتوجه الإقليمي العام ، أو إيواء الجماعات " الارهابية ".
10- علي مستوي العلاقات الخارجية : وضع الدولة ضمن قائمة الدول الداعمة والراعية للإرهاب وضعف حسم المشاكل السياسية الداخلية مما أدي الي التدخل السافر للأطراف الدولية والأممية لحسم النزاعات لحساب أطراف محددة دون النظر الي أماني ورغبات وتطلعات الشعب ومؤخرا ، الفشل في سداد رسوم الإشتراك في المحافل الدولية. حتي اللحظة يسمع في المحافل الدولية صوت الحزب الحاكم وليس صوت الدولة.
11- علي مستوي الوضع الاقتصادي : الافتقار الي سياسات إقتصادية محددة تستثمر فيها الموارد الداخلية للايفاء بالمتطلبات الحياتية ، كالزراعة والصناعة مما أدي الي زيادة الاعتماد علي القروض الخارجية الربوية بالاضافة الي الصرف البذخي خارج نطاق الموازنة العامة علي مشاريع هامشية والتصرف في الممتلكات العامة لحساب المصالح الحزبية والشخصية . وأخيرا ، تحويل المجتمع برمته إلي مجتمع مستهلك " إتكالي" بدلا من مجتمع منتج.
12- علي المستوي الفضاء الجغرافي : تقليص حجم الدولة من 2.500.00 كلم مربع الي حوالي 850.00كلم فقط مما أدي الي تقليص دول الجوار من تسع دول الي ست فقط . كما ظهرت حركات مسلحة بالأطراف ، تلوح بالحكم الذاتي الذي يعقبه ، كما علمتنا التجارب... الإنفصال.
13- علي مستوي الموارد الطبيعية : صدمة تقليص حجم الموارد الطبيعية المفاجئ بسبب الانفصال وإهمال الزراعة والمشروعات الزراعية وتبديد وإهمال الثروات الغابية والحيوانية والمائية علي حساب التنقيب عن النفط والذهب .
14- علي مستوي الموارد البشرية : إهمال الكوادر البشرية الوطنية المؤهلة والمدربة علي حساب الكوادر الحزبية وعدم إنصافها مما أدي الي إما فصلها تعسفا أو هجرة أو إغتراب معظمها .
كل هذه العوامل وغيرها كانت سببا مباشرا للتنازع الذي قوض بدوره كل أرضيات الحوار وتحولت الدولة من قرية " آمنة مطمئنة" الي كيان " فاشل" مهدد بالانهيار في أي لحظة وهذا ما يسعد بالطبع أعداء الأمة وأعداء الناس .
بقي أن نوضح أن هذه الحكومة تدعي أنها تدافع عن دين لا تعمل به أصلا ولا تفهم جوهره وأن المعارضة التي تسوق البديل " الديموقراطي" علي حساب إقصاء دين ، لا تعمل به ولا تفهم جوهره ، وأن مجمل هذا الصراع ، سواء أكان من طرف الحكومة أو من المعارضة ليس له نصيب الا في الدنيا فقط ، بل يمكن أن يخسر فيه الجميع .
نلخص مما سبق انه ، وبالرغم من كل هذه المتناقضات ، فأن قواعد الحوار لا زالت قائمة وأن امكانية التوافق علي أهداف مشتركة لا زالت متوفرة ، وهي أكثر بكثير من نقاط الخلاف والمطلوب فقط مد جسور الثقة بين كل الأطراف والتخلي مبدئيا عن الأحكام المسبقة تجاه الآخر.
بقي فقط أن نحدد بعض من القواعد المشتركة وهي كلها بديهيات لا يمكن الاختلاف عليها :
1- " كلنا إبن آدم وآدم من تراب" ........نعم.
2- " إنك ميت وهم ميتون"......... نعم.
3- " لافرق بين عربي أو اعجمي إلا بالتقوي" .......نعم.
4- لا إكراه في الدين ؟...... نعم " افأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين ؟"........ لا.
5- " والصلح خير"...................نعم
6- الوطن للجميع ؟....... نعم.
7- حق المواطنة مكفول للجميع ؟.......نعم.
8- الحرية والعدالة للجميع ؟............نعم.
9- التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع ؟........نعم
10- التوزيع العادل للثروة ؟....... نعم.
كمواطن عادي ، أحب أن أري وطنا يفخر به ، كما كان في عهده السابق ، وأحب أهلي جميعا ، سواء أكانوا في الحكومة أو في المعارضة ، طالما كانوا مواطنين صالحين ، حرصيون علي وطنهم ، وأشفق علي شبابنا الحالي الذي ضيعناه بسبب الأنانية والجهل بأسباب الوجود ، فنحن لم نخلق كي نتصارع علي السلطة والثروة فقط ، فذلك من شيم " الجهلاء" ، وإنما خلقنا كي نصلح في الأرض ونعمل صالحا.
اللهم أهدنا ، شعبا وحكومة ومعارضة إلي ما فيه خير البلاد ونفع العباد ...آمين.
الدمازين في :11/02/2013م.
محمد عبد المجيد امين ( عمر براق)
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1018

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#582662 [سودانى غير منفرج الأسارير]
0.00/5 (0 صوت)

02-12-2013 02:08 AM
ايها الأخ البرّاق .. بعضمة لسانك اعترفت انكم فشلتم وتنازعتم .. بس الا تزال تتساءل عن ذهاب ريحكم ؟ ونسالك ونحن ادرى .. هى ما راحتش لسّه؟ ريحكم يا سيد "برّاق" هى راحت و فاحت و"انداحت" واصبح لها حضور واسع ومتنوع ودور رائد واسناد استراتيجى فاعل كمان فى الآفاق ... وفى النهايه "يداكم اوكتا وفوكم نقخ".. قوموا لصلاتكم عسى ان يرحمكم الله...


محمد عبد المجيد امين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة