المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
المفاهيم الانسانية النبيلة واتفاقية جبهة الشرق
المفاهيم الانسانية النبيلة واتفاقية جبهة الشرق
02-16-2013 05:49 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

ساد و مازال يسود ملابسات وحيثيات اتفاقية جبهة الشرق الكثير من الغموض واطلاق الكلمات والشعارات الجوفاء التي لم ولن تتحقق ولكنها تثير الكثير من التشويش والخبال الي المستوي الذي يستدعي البحث عن تعريف ومدلولات المفاهيم والمصطلحات التي تعارف عليها الناس. في هذا المبحث سوف اتناول بعض المفاهيم النبيلة التي وردت في متون وحواشي الاتفاقية وفي الادبيات المتعلقة بنقدها سلبا وايجابا حتي يتوفر الحد الادني من الاتفاق حول اللغة التي يتم بها التفاهم.من المفاهيم الشعاراتية والمصطلحات التي استعملت بكثافة في ادبيات الاتفاقية المذكورة , الالتزام الاخلاقي والمسئولية الاخلاقية والتمييز الايجابي.
الالتزام الاخلاقي
الالتزام في اللغة العربية (لزم الشيء يلزمه لزما ولزوما ، ولازمه ملازمة ولزاما ، والتزامه ، وألزمه إيّاه فالتزمه ، ورجل لًُزمة يلزم الشيء فلا يفارقه. واللّزام : الملازمة للشيء والدوام عليه ، والالتزام الاعتناق.. (ابن منظور ، لسان العرب ، 15 مجلّد ، دار صادر ، بيروت / ط5 ن 195، ج12، ص:541- 542.).
ونقول "النية لازمة سيدها" يعرف الالتزام بانه تصرف او كلمة تقال عند موقف ما اومواقف محددة اوفعل يدعمه الانسان الذي تعهد به. وهو شأن يتطلب الصراحة والوضوح و الاخلاص والصدق واستعداد لتحمل التبعات المترتبة .اذن الالتزام ليس فقط اطلاق الكلام الاجوف والتأييد النظري لامر ما وانما السعي والجد لتحقيقه. جاء في الآية الكريمة : " وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحقّ بها وأهلها "سورة الفتح ، آية 26..
الاخلاق الفاضلة
الأخلاق من سمات الإنسان الجوهرية، وهي تتجسّد في السلوك و ألافعال في العلاقات الإنسانية وهي مع العقل ,تميز الانسان عن سائر المخلوقات، هي وعي الانسان بمجموعة من المبادئ والقيم كالعدل والحرية والمساواة التي هي سجايا وطباع تدرك بالفطرة والغريزة وترتقي وتكمل لتصبح ثقافة واساس قانوني تقيم عليه المجتمعات والدول الانظمة والقوانين. لا تتقيّد الأخلاق بزمان دون غيره، ولا تنحصر بمجتمع دون آخر. وبما انها سلوك وافعال فهي اما اخلاق فاضلة(مكارم الاخلاق) او اخلاق سيئة وما اقصده بالاخلاق ولاغراض هذا المقال هي الاخلاق الفاضلة . الخُلق هو الديدن والطبع والسجية، وهو عبارة عن الصورة الباطنيّة للإنسان، كما أنَّ «الخَلق» بالفتح عبارة عن الصورة الظاهرية للإنسان، فعند ما يقال: «فلان حسن الخَلق والخُلق» المراد أنّه حسن الظاهر والباطن.وعندما يقال عن شخص انه لا خلقة ولا اخلاق نعني والعياذة بالله سيئ الظاهر والباطن.وايام الصبا كنا نقول لا خلقة ولا اخلاق عندما تنتفي الروح الرياضية عند الخصم في الدافوري...
تظهر الصورة الباطنية جمالها أو قبحها من خلال صدور الأفعال عنها، فإن كانت الأفعال الصادرة عن تلك الهيئة أفعالا محمودة وحسنة عقلاً وممدوحة وراجحة شرعاً سمّيت تلك الهيئة «خلقاً حسناً» وإن كان الصادر عنها أفعالاً ذميمة وقبيحة شرعاً أو عقلاً سمّيت "خلقاً سيّئاً".
قال الرسول الكريم ,صلي الله عليه وسلم " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " والرسول هو أكمل البشر خلقا لقول الله تعالي عنه .بسم الله الرحمن الرحيم " وانك لعلى خلق عظيم".. سورة القلم الاية 3 . الأخلاق الفاضلة هي التي تحقّق في الإنسان معاني الإنسانية الرفيعة وتحيطه بهالة وضّاءة من الجمال والكمال وشرف النفس والضمير وسموّ العزّة والكرامة، كما تمسخه الأخلاق الذميمة وتحطّه إلى مستوى الهمج والوحوش .
أثر الأخلاق ليس مقصوراً على الافراد بل يسري إلى الاُمم والشعوب حيث تعكس الأخلاق حياتها وخصائصها ومبلغ رقيّها أو تخلّفها في مضمار الاُمم، وقد زخر التاريخ بأحداث وعبر دلّت على أنّ فساد الأخلاق وتفسّخها كان معولاً هَدّاماً في تقويض صرح الحضارات وانهيار كثير من الدول والممالك .
تعتبر الاديان بشكل عام وبالذات السماوية والدين الاسلامي بشكل اخص, سندا للأخلاق. الوحي الالهي مصدر الأخلاق الإسلامية ، ولذا فهي قيم ثابتة ومثل عليا تصلح لكل إنسان بصرف النظر عن جنسه وزمانه ومكانه ونوعه، أما مصدر الأخلاق النظرية فهو العقل البشري المحدود أو ما يتفق عليه الناس في المجتمع ، ولذلك فهي متغيرة من مجتمع لآخر ومن مفكر لآخر.ولا يعني هذا ان الاخلاق للمسلمين حصريا.روي عن الامام محمد عبده وذلك بعد عودته الي مصر بعد الدراسة في اوروبا انه"راي اسلاما بدون مسلمين.." متحثا عن الاخلاق الفاضلة التي عايشها في اوروبا.
مبدأ الإلزام هو المحور الأساسي الذي يدور حوله النّظام الأخلاقي كلّه، ولا يمكن تصوّر قاعدة أخلاقيّة بدونه، مصدر الإلزام في الأخلاق الإسلامية هو شعور الإنسان بمراقبة الله عز وجل له، أما مصدر الإلزام في الأخلاق النظرية فهو الضمير المجرد أو الإحساس بالواجب أو القوانين الملزمة. ورد في الحديث الشريغ .." ما من شئ اثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن" حديث شريف .
من هنا يتّضح لنا أنّ الأخلاق الإسلامية ونعني بها جميع الاخلاق الفاضلة هي مجموعة الأقوال والأفعال التي يجب أن تقوم على أُصول وقواعد وفضائل وآداب مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بالعقيدة والشريعة الإسلامية . الأخلاق الفاضلة او مكارم الاخلاق ليست جزءاً من الدين الاسلامي بل هي جوهره وروحه، ولعلّ هذا المعنى هو المقصود بالحديث المعروف المروي عن الرسول الأكرم (ص):.. "إنّما بعثت لاُتَمِّم مكارم الأخلاق".
المسئؤلية الاخلاقية
تختلف المسؤولية الأخلاقية عن المسؤولية القانونية ، المسؤولية القانونية تتحدد بتشريعات تكون أمام شخص أو قانون، اما المسؤولية الأخلاقية فهي أوسع واشمل من دائرة القانون لأنها تتعلق بعلاقة الإنسان بخالقه وبنفسه وبغيره، فهي مسؤولية ذاتية أمام ربه والضمير. أما المسئؤلية القانونونية فهي مقصورة على سلوك الإنسان نحو غيره وتتغير حسب القانون المعمول به، وتنفذها سلطة خارجية من قضاة، رجال امن ونيابة، وسجون.المسؤولية الأخلاقية ثابتة ولا تتغير، وتمارسها قوة ذاتية تتعلق بضمير الإنسان الذي هو سلطته الأولى .
التمييز الايجابي
التمييز الإيجابي هو تحقيق نوع من التمييز ولو نسبيا وفق اجراءات محددة لصالح فئة معينة مظلومة في السابق لتعويضها عن المظالم التي فرضت او نتجت في سياق اوضاع عامة استحال التغلب عليها . من الاسباب المعروفة الحرمان من المشاركة السياسية والاقصاء الاجتماعي والثقافي المتمخض عن السياق الثقافي و الاجتماعي والسياسي الذي تمارس فيه السلطة. تتفاقم الفوارق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عندما تكرس وتتمنهج بواسطة السياسات العامة للحكومات وغالبا ما تؤدي الي تفسخ المجتمعات واستشراء الفساد وزوال الدول . توزيع الثروة في اي مجتمع مؤشر هام لشرعية اي نظام سياسي .شرعية اي نظام سياسي عرضة للفساد والتاكل السريع ما لم ترتكز علي توزيع عادل للثروة والسلطة.والسلطة بالذات هي المشكلة وكما يقول اهلنا في دارفور..(سلطة للساق ولا مال للخناق).
يوصف التمييز الايجابي بانه اجراءات تفضيلية لانصاف الاقليات والفئات الضعيفة والمهمشة ويسميها الكتاب المصريون بالمساواة الرافعة.اي رفع الضعفاء الي مستوي الاقوياء . بمعني او اخر هو نوع من الانصاف لبسط الامن الاجتماعي وعليه يمكن النظر اليه كشكل من اشكال الحماية الاجتماعية وصولا للعدالة الاجتماعية والعدالة احد مقاصد الشرع ووواحدة من واجبات الدولة الاسلامية الخمسة وهن الخلافة في الارض و الحرية واقامة الشوري ووحدانية الخالق الله سبحانه وتعالي. ينسجم التمييز الايجابي مع مبادئ المساواة الوارد في ميثاق الامم المتحدة والاعلان العالمي لحقوق الانسان باعتبار انه وسيلة لإصلاح التمييز الذي مورس ضدهم في السابق وهي حقوق مرتجعه سلبت باسباب معينة وفي اوقات مختلفة.
تنص لجنة حقوق الإنسان/الحيوان بالأمم المتحدة أن مبدأ المساواة يتطلب أحياناً الالتزام بالتمييز الإيجابي للقضاء على الحالات التي تتسبب أو تساعد في دوام التمييزالمضاد . مثلاً، يجب علي الدولة اتخاذ الاجراءات الكفيلة بتصحيح الاوضاع العامة وقد يشمل ذلك معاملة تفضيلية في مسائل محددة كافية لاصلاح التمييزعندما تحول تلك الاوضاع دون التمتع بحقوق الانسان. ذلك الإجراء قد يتضمن منح ذلك الجزء المعني من السكان معاملة تفضيلية مؤكدة في مسائل محددة مقارنةً ببقية السكان مادام ذلك الإجراء لازما لازالة التمييز .كما تنص الاتفاقية الدولية للقضاء علي جميع اشكال التمييز العنصري (في المادة 2.2) على أن سياسات التمييز الإيجابي قد تكون واجبة على الدول التي وقعت على الاتفاقية، من أجل تصحيح التمييز المنهجي .
الهدف من التمييز الإيجابي هو تشجيع الفرص المتساوية،وهو نفس ما اعتدنا علي تكراره دون تحقيقه ... (تكافؤ الفرص(.... ويكون في الدواوين الحكومية والمؤسسات التعليمية للتأكد من أن البرامج لا تتجاهل الأقليات في المجتمع . يُبرر التمييز الإيجابي بأنه يساعد في تعويض التمييز والاضطهاد ويتعامل مع التشوهات والفوارق الاجتماعية الناتجة من سياقات سلطوية او اجتماعية او ثقافية وحتي تاريخية وجهوية. ويمكن ذكر قائمة طويلة من الممارسات والمناهج التي تميز بين الناس ولا يفوتني ان اذكر ان بداية الاحساس بالغبن بدا وخصوصا عند الجنوبيين بما عرف بالسودنة بعد الاستقلال من الحكم الثنائي و ما اعقب ذلك من تداول الثروة والسلطة بين مجموعات جهوية ان لم نقل عرقية او ثقافية وهي يمكن ان توصف بذلك.
هنالك عدة نماذج طبقت علي مستوي العالم ويمكن ان نضرب بامثلة. نبدأ بما لدينا واقصد شعار الوحدة الجاذبة الذي كان يتم تداوله بكثافة بعد اتفاقية السلام الشامل وتم تطويره بوعد الرئيس بان يكون للجنوبيين كل ثرواتهم بما فيها البترول وكل حكم الجنوب والمشاركة في حكم السودان عموما اذا وافقوا علي الوحدة في الاستفتاء .كان وحسب اعتقادي نوع مميز من التمييز الايجابي ولكن للاسف لم يكن كافيا بالنسبة للاخوة في الجنوب لاختيار الوحدة.
شمالا وفي مصر الشقيقة تجري مناقشات ومداولات واسعة بشأن تخصيص كوتات للاقباط وبدو سيناء والنوبيين وحتي كوتة للمرأة .لا املك اي معلومات او بيانات عن ما تم وعن ما سوف يتم ولكن علمت من بعض البجة المصريين(لا اعني حلايب وشلاتين بل مناطقهم تمتد شمالا الي الغردقة وقنا ودراو والي اسوان جنوبا) والذين التقيت بهم في القاهرة خلال وجودي فيها اثناء اخريات العام السابق عن وجود معاملة تفضيلية ورضي مجتمعي بها نوعا ما.
اصبح المبدأ قيد التنفيذ في الولايات المتحدة منذ صدور قانون الحقوق المدنية في أميركا في عام 1964، لردم الهوة المجتمعية الاقتصادية الاجتماعية السحيقة بين البيض والسود في الولايات المتحدة وكان تحولا هاما اعطي نتائج ايجابية تمثلت في ظهور اثرياء زنوج وكذلك مشاهير ونجوم في الفن والاعلام والرياضة والعلوم وفي الجيش وفي السياسة. من منا لا يتذكر الوزراء الامريكان المشاهير ,علي سبيل المثال لا الحصر مثل كونداليزا رايس وكولن باول وسوزان رايس وتوج ذلك اخيرا برئيس امريكي زنجي ومحبوب ذو خلفية اسلامية لدورتين متعاقبتين. قد لا يكون هذا كافيا لازالة اثار الرق والتمييز العنصري بعد الغاء استرقاق الافارقة عام 1860 ولكن و لابد وبرغم كل ما يقال عن امريكا الا انه لا يمكن تجاهل حقيقة انهم , اي الامريكيين , كمجتمع يعتبر بكل المقاييس مجتمعا ناجحا.
تعمل عدة مجتمعات ودول بمبدأ التمييز الايجابي وبالاضافة الي ما ذكرت, هنالك ايضا اشكال من التمييز الايجابي في جنوب افريقيا وفي الهند, كما ان الكثير من الدول الاوروبية وبالذات فرنسا وبريطانيا تنفذ برامج للتمييز الايجابي وفق منظور الدمج الاجتماعي . توجد في جامعات البرازيل انظمة لتفضيل قبول بعض الاقليات مثل السود و البرازيليين الاصليين والفقراء المعاقين وتدعم الحكومة الكندية وتقنن اي برنامج او نشاط يهدف الي تحسين حالات الافراد او المجموعات المتضررة بسبب العرق او اللون او الدين او العمر او بسبب الاعاقة العقلية او الجسمية بالاضافة الي التمييز الايجابي للسكان الاصليين في التعليم والتوظيف. وحتي في اسرائيل فقد أعلن وزير التعليم الإسرائيلي سياسة للتمييز الإيجابي، واعداً العرب بانه سوف يمنحهم ٢٥٪ من ميزانية التعليم والتي تعتبر أكثر من نسبتهم في عدد السكان (١٨٪). وأضاف أيضاً بأن الوزارة سوف تدعم إنشاء كلية أكاديمية عربية في محاولة لردم الفجوة بين القطاعات التعليمية بين العرب واليهود.
يري كثير من المهتمين ان دعم التمييز الإيجابي مرغوب فيه لإنجاز عدد من الأهداف منها تجسير عدم التكافؤ في التوظيف، وزيادة انتشار التعليم، إثراء قيادات الدولة بطيف واسع من المجتمع، تصحيح أخطاء الماضي.وفي الختام لا يمكن الحديث عن تمييز ايجابي دون ايقاف التمييز المضاد .
اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول ويتبعون احسنه
ولا تجعلنا من الذين يقولون ما لا يفعلون
يقول المولي عز وجل ..بسم الله الرحمن الرحيم .."يا ايها الذين أمنوا لما تقولون ما لا تفعلون.كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون."..صدق الله العظيم .الايات 2-3 سورة الصف.
د. احمد الحسن اوشيك
خبير ثروة حيوانية
ناشط حقوق انسان متطوع
وزارة الثروة الحيوانية والسمكية والمراعي الاتحادية
الخرطوم
E.mail:[email protected]
Mob: +249912568526


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 834

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#587944 [مدحت عروة]
0.00/5 (0 صوت)

02-18-2013 12:38 AM
مقالك او بحثك ممتاز!!!!
لكن البيقنع الديك منو؟؟؟؟؟
لك التحية والود!!!
وربنا يصلح الحال ويعود السودان الديمقراطى التعددى الحر!!!
وتذهب الحركة الاسلاموية الى مكانها المناسب وهو مزبلة التاريخ!!!!
انها لا اخلاق ولا عهد لها(منافقة)!!!!


د. احمد الحسن اوشيك
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة