11-06-2010 01:39 PM

بشفافية

«كتلوك ولا جوك جوك»

حيدر المكاشفي

من افظع الاوضاع النفسية التي يمكن ان يكابدها انسان، ومن اسوأ المراحل «الانتقالية» المثيرة للقلق حد الهلع التي يمكن ان يجد نفسه في لجتها، هما وضع ومرحلة «جوك جوك»، التي يظل خلالها في حالة انتظار وترقب لمجهول قادم لا تشي بوادره بأي خير فتتلبسه الهواجس وتسيطر على تفكيره المخاوف بدرجة مخيفة تجعله يتمنى الموت على هذه اللحظات العصيبة التي اجاد التعبير عنها المثل الشعبي السوداني «كتلوك ولا جوك جوك»، ومن ذلك عمليات الاعتقال التي تطال اشخاصاً اعتباريين أو عاديين، دون ان يعرف المعتقل عند لحظة اعتقاله لماذا هو معتقل وفيم هو متهم، كما لا يعرف ذووه وافراد اسرته وكل من يهمهم أمره مكان اعتقاله دعك عن اسباب الاعتقال التي لن يعرفوا عنها شيئاً إلا بعد انقضاء مدة الاعتقال- طالت أو قصرت- أو عند تقديمه لمحاكمة أمام القضاء الطبيعي، هذه الحالة النفسية السيئة هي ما يعانيه الآن افراد اسرة الزميل الصحفي جعفر السبكي وزملاؤه ومعارفه الذين لا يعرفون عنه شيئا منذ لحظة اعتقاله عصر الاربعاء الماضي امام ناظري زملائه بالصحيفة وإلى هذه اللحظة التي أكتب فيها وهي منتصف نهار أمس الجمعة.
لقد كنت من بين الذين انتقدوا المطالبين بأن ينهض جهاز الامن وينشط فقط في جمع المعلومات والبيانات وتحليلها- رغم انه مطلب دستوري- وكان رأيي وما يزال انه لا بد لجهاز الامن من سلطة تنفيذية محدودة ومحكومة بإجراءات وضوابط قانونية واضحة وسلطة في الاعتقال لمدة معلومة لا تتجاوز بأي حال المدة التي تتطلبها عملية التحري والتحقيق، وكان رأيي ايضا وما يزال هو انه ليس من الحصافة في شئ تحويل جهاز الامن إلى مجرد جهاز لجمع المعلومات مثله مثل اي مركز معلومات ودراسات تابع لإحدى الجامعات، وبهذا الفهم لم أكن اغمط جهاز الأمن حقه في الاستدعاء والتحري والتحقيق، فحين كنت أتبنى هذا الفهم لم أكن أصوب النظر تجاه جهاز معين وما هو عليه من حال وإنما كنت أرنو إلى جهاز أمن وطني يحمي الوطن والشعب حتى لا تتكرر تجربة حل الجهاز التي مورست باندفاع افتقد الحكمة والرشد.
ولهذا فإن قناعتي بحق جهاز الأمن في الاستدعاء والتحري والتحقيق لا تجعلني استغرب او استنكر ذلك فقد خضعت شخصيا للتحقيق غير ما مرة، اما ما يدعو للاستغراب والاحتجاج فهو ما درج عليه من تكتم حول سبب الاستدعاء او الاعتقال وإحاطة مكان الاعتقال بسرية تامة الامر الذي يضع ذوو المستدعي أو المعتقل في دائرة الهواجس وتحت مرمى نيران المخاوف مما يتسبب لهم في حالة نفسية سيئة للغاية تنغص عليهم عيشهم وتربك حياتهم وتشل تفكيرهم وكأنما المراد هو اعتقالهم أيضا في دائرة الهواجس والمخاوف.
سيكون من غير المجدي هنا الاستشهاد بالدستور او الاحتجاج بالمواثيق الدولية وقانون الصحافة المحلي- فلا فائدة من تجريب المجرّب الذي لم يفض إلى شئ، فكم مرة طالب الناس بذلك وعادوا بخفي حنين، الاجدى من ذلك المطالبة بإنهاء حالة «كتلوك ولا جوك جوك» أي معرفة لماذا يعتقل المعتقل وأين يوجد، هذا أولا، ثم بعد ذلك إما إطلاق سراحه أو تقديمه لمحاكمة إذا توفر قدر من الاتهام ضده، فهل هناك أعدل من ذلك للجهاز قبل المعتقل.

الصحافة


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1750

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#43881 [بنانكو]
0.00/5 (0 صوت)

11-06-2010 08:40 PM
الأخ /حيدر

لقد تحدثنا كثيراً عن سوءات هذا النظام ولوتحدثنا لعقدين قادمين لما تزحزح قيد

انملة ...الوضع الطبيعي وعقب هذه المحن الطويلة ان نسعى بكل ما اوتينا من قوة فى

التفكير الجاد في ازاحة هذه الطغمة الغاشمة التي مازالت ترزح على صدورنا...كيف

يتأتى لنا ذلك ونحن نتحدث ونتحدث دون برامج واضحة و موضوعية لازالة هذا الكابوس

الويل ثم الويل لنا لوخنعنا بهذا الوضع ...لقد اضحى الامر سيان واقصد دخولك السجن

اوعيشك وانت مغبون خارجه...بالله عليك ما الفرق في الحالتين ؟التحية والتقدير لكل

كتاب الراكوبة وهيا بنا للتفكير الجاد والموضوعي لانهاء هذه المهزلة





#43822 [وحيد]
0.00/5 (0 صوت)

11-06-2010 04:28 PM
حالة «كتلوك ولا جوك جوك» ليست في اعتقالات جهاز الامن فقط. منذ مجئ \"الانقاذ\" و حتي الآن المواطن السوداني لم يحظ بلحظة واحدة من الاستقرار و راحة البال ففي كل لحظة توتر و توقع لكارثة وشيكة منذ ايام الاستبداد و بيوت الاشباح و حظر التجول و ديك الصباح الذي ينبح ، لعسكرة الشعب و كشات الالزامية و حملات اختطاف الشباب و الاطفال و حرب الجنوب و بعدها دارفور و مشاكلنا مع كل العالم و مشاكلنا الداخلية و الحركات المسلحة التي تجوب العاصمة و دخول خليل و الاثنين الاسود و النظام العام و ناس المرور.. بالله عليكم من منكم نعم بلحظة واحدة خالية من التوتر و القلق و الترقب للكوارث و الاحساس بعدم الامان... من منكم نعم بهذه اللحظة للعشرين عاما السابقة؟؟؟ كل لحظة في حياة الشعب هي احساس بكارثة مقبلة و استهداف داخلي و خارجي و خونة و مارقين و طابور خامس يحومون بين الناس - حسب الدعاوي الراتبة للنظام- كل لحظة يتوقع قصفا او حربا او \" خليل\" بقواته او طلقة من كلاشنكوف من اي قوات من التي تحوم في الخرطوم او قنبلة جرانيت تنفجر في وجهه في اي مكان!


#43796 [ود العوض]
0.00/5 (0 صوت)

11-06-2010 02:58 PM
يا أستاذ كنت تطالب في السابق بإخراج الجني من القمقم ، يا الله حوشه!! وعندما كان الآخرون يطالبون بتحجيم سلطات جهاز الأمن كانوا يدركون أن الأمن عندنا مثل كل شيء آخر هو غير ما اصطلح عليه في بلاد الله الواسعة التي يعرف كل إنسان فيها حدوده ويقف عندها.


حيدر المكاشفي
حيدر المكاشفي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة