عود على بدء
02-17-2013 11:25 AM

عود على بدء

نبيل أديب عبدالله / المحامي

” يقول هيجل فى مكان ما أن التاريخ يكرر نفسه ولكنه نسى أن يقول أن المرة الأولى تكون فى شكل مأساة والمرة الثانية تكون فى شكل مهزلة “

كارل ماركس 18في برومير لويس بونابرت

لا أدري لماذا يصر السلطويون على تكرار أخطائهم . الثابت هو أن الديمقراطية لا تتحقق إلا بإمكانية التبادل السلمى للسلطة، وأن البديل لهذه الإمكانية ليس بقاء السلطة القائمة أبد الدهر، فهذا أصلاً غير وارد، ولكن تغييرها عن طريق العنف. لكى تكون هنالك إمكانية للتبادل السلمى للسلطة، لابد أن تكون هنالك أوعية قانونية تستوعب التيارات السياسية المختلفة، ونعني بذلك الأحزاب، والتي يحتم وجودها الإنقسام الفكرى والطبقي وربما الإثنى و الثقافي الموجود داخل المجتمع. لمنع التوترات التي تقود للعنف السياسي، يجب أن يتوفر لتلك الأوعية ( الأحزاب ) القدرة على تقديم خطابها للآخرين، بحيث يكون وصولها إلى السلطة عن طريق قبول الأغلبية لخطابها، أمر لاتقوم دونه عوائق قانونية أو دستورية . إذا لم يكن ذلك متوفراً فلا بديل عن أن يشكل ذلك الخطاب الذى سيحاول بلا شك أصحابه أن يصل إلى الآخرين توتراً فى المشهد السياسي مما يشكل أرضية للعنف سواء أكان عنفا قانونياً، وهو العنف الذى تستخدمه أجهزة الدولة لتنفيذ القانون، أو عنفاً مخالف للقانون، وهو العنف الذى ستلجأ لإستخدامه القوى السياسية التى لا يسمح لها القانون بالتعبير عن نفسها، مع ملاحظة أن القانون الذى يحرم تياراً ما من حريتى التنظيم والتعبير، هو قانون متعسف والقانون المتعسف يفتقد ركناً مهماً فى إلزامية القاعدة القانونية، وهو القبول الطوعي لها بإعتبارها تعبير عن قيم إنقدحت في الضمير الجمعي للمجتمع. وبالتالي فإن القاعدة القانونية المتعسفة لا تستند فى إلزاميتها إلا على قوة السلطة، مما يبرر مخالفتها بعيداً عن أعين السلطة، ولا تكون مخالفتها موضع إستهجان، بل يصبح على العكس من ذلك أمراً مبرراً فى عين الكافة. وخطورة ذلك هو أنه يجعل للعمل المسلح مشروعية سياسية، لأن الخطاب السياسي لا يتم إنفاذه إلا عبر السلطة السياسية، و خلق عوائق قانونية تحول دون وصول الحزب الذي يطرح ذلك الخطاب للسلطة السياسية، أو منعه من التأثير عليها مما يجعل الطريق المتاح إلى السلطة السياسية لا يكون إلا عبر السلاح. ويكون أمام المجموعات ذات الخطاب السياسي التى منعها القانون من التعبير عنه، أحد أمرين إما أن تطوى خطابها وتصمت، أو تبحث عن إنفاذه بوسائل مخالفة للقانون والدستور. ورغم أن السلطويين يعلمون علم اليقين أن فرص قبول أصحاب الخطاب السياسي لأن يطووا خطابهم ويصمتوا لا تزيد عن الصفر، إلا أنهم يصرون على تكرار نفس التكتيكات مرة تلو الأخرى .

نقول كل هذا بمناسبة تحرك جهاز الأمن عبر مجلس الأحزاب للوصول إلى قرار من المحكمة الدستورية لحل ثلاثة أحزاب، وما يثير العجب هنا ليس فقط أن هذه التكتيكات تعيد نفس التكتيكات التى إستخدمت فى منتصف الستينات من القرن الماضى، حين لجأ ثلاثة أحزاب لحل الحزب الشيوعي بواسطة تعديل دستور 64 المؤقت وإصدار قانون من بذلك من البرلمان الذي كانوا يسيطرون عليه، وهو الأمر الذي قاد إلى سقوط النظام كله وحل الأحزاب التى لجأت لذلك التكتيك. ليس هذا هو المدهش، فهذه تقديرات سياسية قد يخطئ فيها جهاز الأمن، ولكن ما يثير الدهشة هو أنه إذا كان جهاز الأمن يرغب فى حصار الحركات المسلحة والتى تهدف للوصول إلى السلطة بغير الوسائل الدستورية، ألا يرى أن نجاحه فى دعواه لابد أن يمد تلك الحركات برصيد من جماهير الأحزاب التى لم يعد لها مجال سوى العمل السياسي غير القانوني ؟

الميدان


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 696

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




نبيل أديب عبدالله / المحامي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة