المقالات
منوعات
يا حليلك (يا فنانتو مسوبتو) الفنان محمد عثمان حسن وردي
يا حليلك (يا فنانتو مسوبتو) الفنان محمد عثمان حسن وردي
02-18-2013 10:08 AM



كان وردي ظاهرة فنية متفردة في تاريخ السودان الحديث، و بينما نحن عشاق فنه ظللنا نمتع انفسنا بالدهشة و الطرب و الفرح الذي يشحنك بمشاعر شتي لا تستطيع وصفها، لكن تحس بها و هي تهز البدن و الروح، بينما نحن نرتوي من بحر فنه، هنالك آخرون هم خاصته ، العالمون بالفن و المدركون لعظمة فن هذا " الفنانتو مسوبتو"، الذين ظلوا في جواره يمتعونه بالرفقة الواعية المثقفة، فتشع الفرحة من عينيه ، و يطربهم بالحانه الخالدة، عرفوا قدره و قدر فنه ، و صاغوا حزنهم عليه ادبا بليغا و مشاعر سامية.

اليوم في الذكري الاولي لرحيله، و قد حقت حكمة اجدادنا "الله جاب يوم شكره"، اردت أن اكتب مقالا يناسب مقامه، و قررت ان اكتب لكم عن ابداعاته النوبية. فقد كان الفنان شاعرأ متفردا بالنوبية، يخال الي انه شبيه بتفرد نزار قباني، لكنني ارفض هذا الخيال و اقول هو "الفنانتو مسوبتو" لا شبيه له و لا نظير. و يخيل الي انني سببت "كاروشة" لغير الناطقين بالنوبية بترديد "فنانتو مسوبتو" بدون شرح. المعني الحرفي لهذه العبارة "الفنان المجنون"، لكني ما يشدني للتعبير انه شطر من شعره، و في سياق القصيدة تعبر عن شخصية الفنان العارف قدر نفسه و المعتز به. فهذه جزء من اغنية عاطفية يخاطب فيها المحبوبة و يقول لها:
يا تري من غيري انا
الذي دللك
و نومك و صحاك
اضحكك و ابكاك
من غير الفنان المجنون
الذي يستطيع ان يلقح قلبك كما تلقح النخيل
و يصيبك بسهم الحب
*******
من ذا الذي يدق قلبه مع قلبي
قلبي ملكك الخاص
من ذا الذي يستطيع ان يصور جمالك بعيونه
و يوصفك من شعر رأسك لاخمص قدميك
لا احد ... فقط هذا الفنان المجنون

و بما اننا في يوم شكره لا بد ان نمجد هذا الفنان الانسان الرائع، و هنا وقف "حمار الشيخ في العقبة"، حيث انني و انا من غير الناطقين بها، لا استطيع ان افي هذا الجانب حقه، فهداني ربي لاسلوب يمكنني من اجادة هذا الجزء من المقال و هو ان انقل لكم فقرات مما كتبه اعلام الادب و الفنون، و التي تمجد الفنان العظيم:

الاستاذ الشفيع عمر حسنين

كتب الاستاذ الشفيع مقالا مطولا في رثائه، قطعة ادبية رائعة اقتطف لكم منها الآتي:

تاريخ حافل
بعيداً عن تاريخ محمد وردي الحافل والذي أصبح محفوظاً لدى كل من عرفه، فقد مثّل وردي حالةً فريدة من الإبداع والتفرد على مستوى شخصيته التي احبها وإعتزّ بها كل من عرفه وتقرّب منه، وعلى مستوى الموسيقى والكلمات والألحان والتجديد الذي أتى به، والتخمة التي رفد بها موسيقى السلم الخماسي السوداني، يُضاف الى ذلك إجتهاداته العديدة، ومزجه ما بين أغاني وسط السودان العربية، والتراث النوبي الأصيل الذي بدأ به حياته الفنية كشاعرٍ في مقتبل العمر، وكعازفٍ لآلة “الطمبور” وهو طفلٌ لم يتجاوز الثامنة من عمره
.....................
.....................
نموذج نوبي
يمثل محمد رودي أنموذجاً نوبياً وسودانياً حقيقياً للفنان الملتزم بقضايا شعبه، وتراثهم، عبّر عن السودانيين حق تعبير، وتدرج في دروب الفن صعوداً فقط، ولم يجرب الهبوط! فغنى واطرب، وأبدع، وكان يشارك الشعراء في الكتابة، بل ويعطيهم مقترحات للكتابة كمطلع أغنية، أو قصة، لتكون قصيدة رائعة يزيدها جمالاً وبهاء ما يبدعه من لحن طروب، ليقارب ما قدمه على مدار تاريخة أكثر من 400 أغنية ما بين الوطني والعاطفي.
عاش وردي معتزاً بنفسه وأصله النوبي وبسودانيته، حريصاً على ما يقدمه في مجاله الفني، وحريص على تطوره، متعاوناً ومبتكراً، غير مهادنٍ، ومطلعاً على الجديد والإفادة منه، ومساهماً حقيقياً في رفعة مجتمعه، والتعبير عنه، وعنواناً رائعاً لفن أهل النوبة والسودان، فاستحق الخلود في ذاكرة وواقع الوطن والناس، وليكون محمد وردي، هو المقال الذي لم يكتب بعد!




الشاعر السفير محمد مكي ابراهيم
اما هذا الاديب الاريب فقد كتب عن وردي و هو بين ظهرانينا يتمتع بكامل الصحة، مدافعا و منافحا لينفي عنه ما بدر من نقد سياسي له بعد عودته للسودان، مقال دبجه بلغته البليغة، و تحليله العميق. و هذا بعض مما جاء في مقاله و الذي كان بعنوان "وردي مين يشتريك؟":

إنه جميل حقا أن تحتفي أجهزة شبه رسمية بوردي الفنان الذي لم يقدم لها أي نوع من الملق الزائف كما فعل آخرون من ذليلي النفوس فأخطأهم التقدير وأصابه هو رغم انه لم يدل مثلهم بشهادة الزور ولانرى في ذلك المبلغ الزهيد ثمنا لوردي أو حتى محاولة لشرائه فليس في كل الخزائن ما يكفي لشراء من هو مثل محمد عثمان وردي الذي تصدق فيه (على اختلاف المناسبة) كلمة الفنان محمد عبد الوهاب التي يتساءل فيها قائلا : ياورد مين يشتريك؟ وذلك ما يجعلنا نتنسم في تكريم وردي رائحة طيبة زكية نريدها أن تنشر عبقها وتمتد إلى كافة الفنانين. ومهما قيل في تصنيف تلك الرائحة فإنها قطعا ليست جائزة سياسية ومخطئ تماما ذلك الذي قال الدكتور حمدنا الله أن وردي غني للانقاذ بانشاده المديح النبوي بقرينة أن المديح النبوي هو غناء الإنقاذ فالحق إنه غناؤنا نحن وغناء آبائنا وأمهاتنا وأجدادنا قبل أن تكون الإنقاذ وبعد أن تفنى وتروح. وقد كرر وردي مرارا وتكرارا سرد المقتنيات الثقافية السودانية التي ادعتها الإنقاذ وهي ليست لها : ملافحنا ومسابحنا ومصاحفنا التي توارثناها أبا عن جد وفي كل الأحوال لا يستطيع مدع أن يدعي انه أدخلنا دين الإسلام ليلة البارحة فالعقيدة شيء والإسلام السياسي شيء مختلف.الأولى محجة بيضاء ليلها كنهارها وهذا لجلج يتفاني فيه أهله بينهم قبل بقية الخلائق.

.....................
.....................
ولامشاحة في كون محمد الوردي مناضلا سودانيا عظيما تغرب عن وطنه الجميل رفضا للذل والخنوع وضرب في ذلك أرقاما قياسية وتحمل آلاما عظيمة من عوز ومرض وفقد عائلي إضافة إلى عبء العمر الثقيل وحاليا يعتبر وردي متقاعدا جاء يقضي سنواته الذهبية في ربوع الوطن بين الأهل والأحفاد والأصدقاء وجمهرة المحبين. وليس من العدل تكليفه بأي مهام جديدة فقد قام بواجبه على وجه الكمال وعلينا نحن القاعدين والمخلفين ان نضطلع ببعض ما قام به في نضاله الطويل
.....................
.....................

وتراني لا أكف عن التساؤل اين تذهب تضحيات الفرعون القديمة مثل حبسه عام 1959 ومواجهاته مع النميري ورجالاته التي وصلت درجة الاشتباك بالأيدي وما القول في اقامته الطويلة في مصر والولايات المتحدة.أهنالك يد عملاقة تمسح على تلك التواريخ وتجبها كما يجب الإسلام ما قبله وتلقي بها في غياهب النسيان أم أن عمل الخير كالنقش في صوان مروي والمصورات لاتطاله يد الزمان؟


ألاستاذ انس العاقب
اما هذا الفنان فقد ادهشني و اشجاني و اطربني بمقاله بعنوان: "في ذكري اربيعنية وردي مقالات كتبت قبل الرحيل" فالمقال تحليل علمي و فني بديع لاغنية "بناديها" يمجد من خلالها هذين المبدعين: الدوش و وردي. لكن المدهش المثير ان الاستاذ أنس العاقب عنده القدرة علي وصف كوبيليه من الاغنية، و يجعلك تري فرقة موسيقية امامك و يجعلك تنتقل بناظريك بين عازفي الوتريات و الجيتار و الساكسفون، و تسمع وردي فعلا، حتي انك ربما تشير لابنك المشاغب الذي يلعب بجانبك ان يسكت ، لتستمع!! لله درك ايها الفنان الاديب، فان وصفتهم كثنائي ، فانا اجزم انكم ثلاثي "مجنون". الي هذا الجزء من المقال:

والدوش يبتدر الموقف بكلمة واحدة صادقة ومدوية :
"بناديها" .... ثم ماذا بعد يا عمرالدوش ؟
"وبعزم كل زول يرتاح على ضحكة عيون فيها" .... و ... "بناديها"
هكذا قدم لنا عمر الدوش القضية ....قضيتنا كلنا معا .... بوعى أوبلا وعى
الدوش يناديها إذن ...... لماذا .... ولمن ؟
يناديها لنا لنرتاح من ظنوننا وعذاباتنا ويأسنا لنرتمى فى حضنها الدفئ ونهنأ سعادة وحرية فوق رموشها الوثيرة الأثيرة ثم ننثنى لنغازل النجوم والفرح والشروق ....والحياة الجديدة ..
هو إذن يناديها لنا وكذلك وردى يناديها لنا ولكل الدنيا ويلح فى النداء بعد مقدمة موسيقية ذات جاذبية إتسقت فيها قدرات وردى فى المواءمة بين الإنسياب اللحني والضرب الإيقاعي ولا يناديها وردى إلا بعد أن يناديها الجيتار مرات وبرغم ظهور جملة موسيقية تتقافز مرحا فتناديها الأوركسترا مع الجيتار مرات ومرات ... وكانما حفظ وردى النداء أوبعدما تأكد له أن الأوركسترا قامت بواجب المناداة ينطلق بصوته فى فضاء الكون كله
"بناديها .. بناديها .. بناديها .. بناديها .. بنــــاديــــــــــها "
" وبعزم كل زول يرتاح على ضحكة عيون فيها" .... وأنت يا عمر
"بناديها ..بناديها .. بناديها" .... علها تسمعك
وقبل أن نصحو تماما مع هذا النداء الداعى يعود الجيتار ويتبادل مع الأوركسترا حوارا شجيا حنينا ثم يحمل وردى بصوته الندى الصادح ذلك التوق الخافق إليها وقد قرر أن يؤدى الكوبليه كاملا .... فمن تكون هى وماذا يريد أن يقول؟؟؟
" أنا بحـلم إنى فى أكوان بترحل من مراسيها" .... كيبف ياوردى؟
"عصافير نبتـت جـنحات وطـارت للغـيوم بـيـها" ... ثم ماذا بعد؟
"مسافر من فرح لى شوق ونازل فى حنان ليها" ... ياللسعادة !
"أغنى مع مراكب جات وراها بلاد حتمشيها " ... وهل ترضى ذلك ؟
" وبحزن لى سفن جايات وما بتلقى البلاقيها" .... وهو ضياع ثم لابد من....!
"بناديها .. بناديها .. بناديها .. بناديها .. بنــاديـــــــــهــــــا"
عمر الطيب الدوش هو الشاعر الذى لم يجعل من حبه حالة رومانسية بكـَّاءة متوانية ولا حوله إلى لحظة عشق جريح مهزوم ولا أحتمى فيه بالتغزل المفضوح أنانية ... فقد كان الحب عنده حالة عارمة من الإنسانية وكونا واسعا يتدفق بالحياة مثله تماما ليتحول لعاطفة تتماهى فيها الإرادة بالرجاء والأمل والتفاؤل ولو على سراط العذاب كما تعذب هو لكنه لم يفقد أبدا إحساسه محبا وعاشقا للجمال وللحياة والحرية .
وردى فى عملية البناء النغمى والموسيقى أعطى لنفسه الحق التعبيرى لصوته ليؤدى بطولة التعبير الأدائى الظاهرى منه والجوانى لكلمات الأغنية ثم أن الغناء أصلا هو بطولة طرب صوتي حتى ولو جاءت الكلمات كما فى (بناديها) موحية أو مستغرقة فى الإيحاء والغموض والغمز المباح وغير المباح والتى تشير إليها بناديها بلا مواربة
.....................
.....................
وردى يحلم ويواصل الغناء الجميل مختتما الأغنية على إيقاع التمتم الذى يحبه كثيرا ولا تخلو منه أغنياته الطويلة والقصيرة والموسيقى كادت أن تستلف نغمة شعبيه ولكن وردى لا يريد أن يعطل إيقاع التمتم فيمنح الأوركسترا جملة موسيقية مسترسلة ليوظف مقطعها الأخير ويجعله لازمة موسيقية رشيقة تصحبه وهو يغنى مشحونا بالفرح والأمل والطرب ....
بمنتهى التفاؤل يعلن "بناديها والاقيها واحس باللقيا زى أحلام بتصدق يوم والاقيها"
وبمنتهى الأمل لاينفك يحلم "واحلم فى ليالى الصيف بساهر الليل واحجيها"
وبمنتهى التفانى يذوب مغنيا "أدوبى ليها ماضيها واطنبر ليها جاييها"
وبمنتهى الوفاء والرجاء يناجى"برسل ليها غنوة شوق واقيف مرات والوليها"
وعمر الدوش يردد ... ووردى يصدح
واناديها.. واناديها.. واناديها.. واناديها.. وانــــاديــــهــــــا
وانا... وانت .... وكلنا بلا شك
نــــــنـــــــــــــــاديـــــــــــــــــــــهـــــــــــــــأ
ويصدح النداء بصوت وردى قويا عميقا فى الضمير و إلى الأبد وسيتمدد الوطن
ظلا وريفا بالأمل والرجاء والتحدى بمثلما كان يحلم عمر الدوش..
وبمثلما غنى وردى ...
والنداء لا ينقطع ولن ينقطع ..
وهو فوق ذلك جرح نبيل ينزف حبا للوطن ..
وما اجمل وأعظم من الوطن إلا الوطن نفسه ..
وآه يا وطن ....


الاستاذ حسن الجزولي
و الاستاذ حسن الجزولي من الذين افتقدوا الفنان كصديق حميم ، و كقامة وطنية قدم للوطن ما لم يكن يقدمه ملايين البشر، و كأنه اخذ علي نفسه القيام بدورهم جميعا فيما يراه فرض كفاية اذا قام الوردي به سقط عن الباقين. من مقاله بعنوان حليلك يا غالي:

إنه من المستحيل وجوباً أن تأتي ذكرى الميلاد الفضي لهذا المطرب العاشق ثم تمر دون الحديث عنها والتحدث معها،، ذلك أنه لو كان محمد عثمان وردي مطرب ذا حس فردي وكفى لكفانا مشقة الكتابة ،، ولكان لنا العذر إن نحن تخطينا المناسبة ،، فكثيرة هي المناسبات التي تمر في حياتنا ونحن قعود! وجليلة أيضاً تلك المناسبات التي ننحني لها إعزازاً،، فلقد إستحق يوبيل وردي الفضي هذه الخصوصية لخاصية الابداع التي يمثلها فن مطربنا في خارطة الغناء في السودان وبقاع من أفريقيا ،، ومن أفريقيا نحكي أن شعوباً كثيرة منها تحمل اسم مطربنا كأحلى أغنية أفريقية على شفاهها وقد امتزجت أنغامه مع أفراح كثير من تلك الشعوب ،، وتلك شعوب لها حس فني رفيع ووجدان نقي ،، وهذه شهاة عالمية! وحقاً مالنا والبلدان العربية؟!. فهل أبالغ كثيراً إن وصفت وردي بالمؤسسة الاجتماعية متينة البناء؟!.عموماً يا لفرحة محمد الذي أكد يوبيله أنه ما زال الشيخ الشاب الذي تتجدد حنجرته الصافية كإبن التاسعة عشر! ،، بالنغم الجميل والشعر النبيل ثم الحس النقي،، ويا لفرحتنا معه نحن الجيل الذي سيحكي أنه عاش عصر محمد وردي ،، فتجدد به.
إن مطربنا قد استحق هذا الحب بجدارة في زمن أصبح فيه من العسير حقيقة منح الحب والوفاء الحقيقي لكل من هبً ودبً! ،، إستحق محمد هذا الحب الوفي بجدارة من قلوب ملايين من أبناء هذا الشعب السمح السجايا، فهذا شعب طيب لا يبخل أبداً بالود لمن يعيش أحلامه وأمانيه ،، لمن يحسن إليه ،، وقد أحسن وردي بالغناء النظيف نظافة الحس والاختيار.
فلكم من العشاق السعيدين من أبناء وبنات شعب السودان الهم وردي وأعطى بصوته الدافئ وأغنياته العذبة البسيطة شعاع الأماني والآمال الجليلة؟ ،، ولكم من زرافات من شعبنا أعطى وردي بشدوه الجميل للوطن والحلم النبيل شعاع التفاؤل ومعنى أن يكون الوطن في المواطن عظيماً ومهاباً؟!.
عندما حمل وردي ربابته متجهاً للمرة الأولى من أقاصي قرى المحس للعاصمة في الخمسينات لم يكن مطمئن البال ومرتاح الضمير،، وهذا سر تألق وردي ،، فقد كان يعلم بأنه سيبدأ من حيث توقف خليل فرح بمسيرته العسيرة ومجده السرمدي، ومنذ تلك الفترة، مروراً بحقب وأجيال، ثم أحداث، ويا لها من أحداث، عركت مطربنا، فأبدع، ثم أبدع ، وأبدع ،، حتى ظل يتوهج إبداعاً، وآخيراً حط محمد كناراً جميلاً مغرداً ،، دونما غرور أو تعال! ،، فجاء ميلاده ميلادنا ،، واستحق بجدارة مجد الخليل ،، ذاك المغني المهاب بحكم صلة فنه بالوطن!. فالخليل وسليله قد قاما بمحاولة إعادة بناء الهيكل الأساسي للغناء في السودان ثم نجحا. حقاً ،، إن عظمة الشعوب تقاس بعظمة من أنجبت للانسانية ،، ولقد أنجبك الوطن يا محمد ،، وحقاً (إن الشجر الطيب لا ينجب إلا الثمر الطيب) وعندما يدون التاريخ هذه الحقبة من زمان السودان، سيقر أن محمد عثمان وردي قد عمده شعبه كغيثارة له ،، فيا محمد ،، أيها الجن الأحمر ،، يا سليل الخليل ،، ويا غيثارة الوطن ،، أيها النوبي العاشق ،، ميلادك ميلاد أطفال وعشاق ،، صبايا جميلات ،، وتفتح زهور وعطور ،، ثم أوطان جميلة ، فاصدح ،، لك المجد ومديد الزمان ،، ولنا الامتاع!)
***
و يختم بابيات من رثائية الشاعر عـبد الـرحمـن إبــراهـيـم محـمـد

إحْـتـوطَـبَ الـُرطـبُ
الـنَـدِىُّ تَصــرمًا
والطلعُ شـاخَ
علـى عَـَراجينِ الـنـخــيـلْ
وتَـسـاقَـطـتْ بِـتلُ الـُورودِ
الـقانياتِ تَـشــتـتـاً
وتَـخـثُراً عـنـدَ الأصـيـلْ
وتَشـْرنَـقـت كـمـداً
عَـصافـيرُ الخـريفِ
الـوادِعاتُ بـلـيـلـها
قـدْ لـفًـها
الحَـزنُ النـبـيـلْ

رغم ان هذا النوع من ابناء بلادي، و هم نوع خاص كما القنديلة في السكوت و المحس، الذين ارتادوا محراب وردي و كتبوا عنه، كثيرون ، الا انني ساكتفي بهذا القدر، لكي لا اتهم باني اكتب مقالا بابداع الآخرين!

ابداعات الفنان وردي باللغة النوبية: اغنية صواردن شو نموذجا

في ذكري رحيله الاول اردت ان اعرفكم بشعره بلغة الام، فقد كان ايضا متفردا في شعره بالنوبية، فهو لم يكتب شعرا بالنوبية الا و غناه بالحان رائعة. و رغم ان الشعراء النوبيون كثر، ولو كنتم تفقهون لغتنا لعرفتم ان الشعراء النوبيون فيهم من تستطيع ان تقارنه بالمتنبي و مظفر النواب و نزار قباني. كم اتمني ان يستطيع احد ابناء النوبة ان يترجم الشعر النوبي الي اللغة العربية بصورة تجعلها معبرة تماما عن المعني الذي قصده الشعراء.

لكن كيف نشأ هذا الفنان ، و ما هي العوامل التي جعلته فنانا متفردا، وجعلت منه الموسيقار و الملحن و المغني الذي ترك بصمته في الفن السوداني كظاهرة فنية فريدة؟ لا اعرف ما هو رأي علماء الفنون و لا تفسيرهم لظاهرة الوردي، لكنني اعتقد كعاشق لفن وردي ان اولي العوامل كانت هبة الرحمن، اي الموهبة و الذكاء الحاد، و من بعد ذلك كان الاثر الاكبر في نضوجه كفنان، نشأته في البيئة النوبية. ساحاول ان اثبت لكم صحة اعتقادي هذا، و ذلك بوصف لحياة النوبة و لتراثهم منذ ثلاثينيات القرن الماضي حتي منتصف الخمسينيات- اي الزمن الذي قدم فيه الفنان للعاصمة حاملا طمبوره و عوده، فنان موهوب صقل موهبته و فيه كل مواصفات الفنان الكامل (Fully-fledged).

منذ ثلاثينيات القرن الماضي و حتي منتصف الخمسينيات ، كانت القري النوبية تتجاور علي ضفاف النيل، و حرفتهم الرئيسية كانت الزراعة بالساقية في رقعة الارض الزراعية حول النيل علي الضفتين و في الجزر "المطروحة" في وسط النيل. و هذه الساقية المستخدمة عند النوبيين من قبل الميلاد دليل علي ان النوبيين هم اول من حاول مكننة الزراعة. و لم تكن الساقية تلك الآلة فقط، بل كانت ثقافة و تراثا كاملا متصلا بكل انشطة المجتمع، اقتصادية، اجتماعية، وفنية. و رغم ان الكلمة "ساقية" تعني حرفيا تلك الآلة التي ترفع المياه من النهر للجدول، الا ان معناها امتدت لتسمي بها قطعة الارض التي تزرعها ساقية واحدة، و لوصف مساحة الارض الكافية لساقية نقول "اسكلي قروي Askalai Gurwai" و هي شبيهة بكلمة فدان او حواشة. كما انك تسمع من يقول لك هذه ساقية "ناس فلان" و المقصود هنا الارض و ليست الآلة. و النوبيون كذلك اول من استخدموا العمل بالوردية، فالساقية تزرع ثلاث ورديات في اليوم: "فجرن تتي"- اي وردية الصباح، "دكرن تتي" اي وردية الظهر، و "دبين او دبنون" و هي وردية الليل. و المحاصيل الاساسية للزراعة كانت القمح و الذرة، و لكن تزرع محاصيل اخري ، غالبا المحاصيل النقدية كالفول و السمسم و البقوليات و هذه الأخيرة نسميها "كلكتي". و بجانب الزراعة كان هنالك المحصول النقدي الأهم الذي تنتجه النخلة.

حتي بداية الخمسينيات كانت الزراعة بالساقية عملا شاقا و تحتاج لقوة جسدية ، كما ان الزراعة كمهنة لها اصولها التي تعلمها الاجيال لبعضها. لكن رغم مشقة كسب العيش ، كانت هذه القري تحيا حياة جماعية فيها الود و الحب و السلام. أذكر مذ كنت طفلا في الرابعة من العمر، ان الاحساس بالامان و الفرح في تلك الفترة لا يمكن تصويره، تري الفرح و تحسه في كل مكان و كل نشاط ، لا يعكر صفوه الا المرض و الموت. يبدأ اليوم في الصباح الباكر مع آذان الفجر ، حيث تفيق الاسرة كلها و تدب الحركة في البيت، و بعد شراب شاي الصباح يخرج الحميع للعمل: الام لنظافة البيت اولا ثم نقل الماء من جدول الساقية للبيت، ثم اعداد الطعام. و الأب برفقة الابناء الي الساقية ، و مساحة الارض التي يزرعها. لكن رغم جدية هذه الاعمال ، كلها مصحوبة بالغناء، فالنساء يتغنين و هن ينقلن الماء، او حين يقمن باعداد الطعام ، و الرجال في الحقول يكسرون رتابة العمل الشاق بالغناء، و الابناء و هم يقومون بالاعمال المختلفة حسب الموسم، يتغنون و يتسابقون. و عند الظهيرة، اي حوالي الثانية او الثالثة ظهرا يعودون جميعا لديارهم لتناول طعام الغداء، ما عدا المزارع الذي عليه وردية الظهر. و في وقت القليلولة يذهب الشباب الي شاطئ النيل و وسط النخيل ، حيث يمارسون برامجهم الخاصة : الالعاب المختلفة، العوم، صيد السمك،المسابقات، و ممارسة الهوايات كعزف الطمبور و الغناء و الصفقة. و هنا تظهر المواهب.

فضلا عن هذا فان أهل هذه القري يصنعون الفرح من كل مناسبة صغيرة او كبيرة، مثلا وصول احد القادمين من مصر مناسبة حيث يستقبل في "المشرع" مكان رسو المركب، بالزغاريد، و غالبا ما تضبح الاسرة و تجتمع القرية كلها في بيت القادم من السفر، الذي يبلغهم اخبار ابنائهم في القاهرة. و اذا اتي بهدايا او مصاريف يسلمها لاهلهم. و اذا كانت المناسبة "طهور" فالفرح بستمر لثلاثة ايام. اما العرس يستمر لاسبوعين في الثلاثينيات و الاربعينيات، و اختصرت المدة لاسبوع في الخمسينيات. كل هذه المناسبات هي الساحات التي يمارس فيها المهوبون ابداعهم و يصقلون مواهبهم. بل اكثر من ذلك فان الشباب يجتمعون كل ليلة فوق تلال الرمل و يكون معهم وردي او حسين لالا او دهب، فيغني الفنان و يصفق الشباب ، و تخرج النساء من البيوت يبحثون عن مصدر الفرح و يتجمعون و تصبح سهرة جميلة ، دون ان تكون هنالك مناسبة. و المدهش ان الاغاني التي تغني في الاماكن المختلفة و الاغراض المتعددة ، تختلق ايضا في اللحن : اغنية الام التي تهدهد طفلها ، تكون بلحن رتيب، و الاغاني التي يغنيها المزارعون و هم يفلحون الارض، او ينصبون الساقية، لها لحن حماسي و باصوات عالية، و اغاني النساء و هن مشغولات بالحرف اليدوية مستخدمين سعف النخيل، لها الحان متميزة و مناسبة لاصوات النساء، و غناء الاعراس الحانها هي تلك الراقصة التي تجعل الشباب يرقصون حتي الساعات الاولي من الصباح .... الخ و لا ادري ان كان هذا سببا في تنوع الحان وردي، حتي ان كل اغنية لها "ميلودي" لا يشابه ما في اي اغنية اخري و العهدة هنا علي الاستاذ السر قدور الذي ذكر هذه المعلومة في برنامجه الشهير.

بقي ان احدثكم عن الدكاي و ما ادراك ما الدكاي. هذا الدكاي شراب يصنع من البلح، و لها قوارير خاصة هي في الاساس جرار من الفخار كالازيار، تعالج معالجة معينة حتي تصبح صالحة لاعداد الدكاي. و هذه الجرار لها احجام مختلفة، فمنها التي تسع قيراطين بلح وهذه الجرة تسمي "كوبي" ، و تعرف باحجامها ، فجرة قيراطين تسمي كمبيج، و الاخريات تسمي بالحجم : اب ستة، اب اربعة، اب تمانية و مازاد عن ذلك تسمي "قمبرة". كل جرة يجب ان تسع البلح و صفيحة ماء مقابل كل قيراط بلح. يغلي الماء جيدا ثم يصب علي هذه الجرة، و يترك ل 6 او 7 اياما ثم يكون جاهزا للشرب. و اقر و اعترف و انا بكامل قواي العقلية ان هذا المشروب مسكر. و رغم ذلك فهو عند اجدادي خمر حلال ، تماما كخمر الجنة. و لم تظهر غلوطية حلال و حرام الا في منتصف الاربيعينيات، عندما عاد للقري خريجو الازهر و حتي المغتربون في مصر. هؤلاء هم الذين ظلوا يوعظون الناس بحرمة هذا الشراب، و لذلك فان جيلي يشربون الدكاي و هم عارفون بحرمته، و هم يسألون الله الهداية و التوبة. و لكن عندما كان فناننا طفلا و صبيا، كان الناس يتجادلون في مسألة الدكاي و الغالبية العظمي من جيل الآباء و الاجداد، ماتوا و هم واثقون ان لاحرمة في شراب مكونه الاساسي من محصول نخلته، و اعدته زوجته كما تعد اي صنف آخر من الطعام و الشراب.

و أمر آخر يجب التعرض له قبل الحديث عن اغنيات الفنان باللغة النوبية، الا و هو جمال الطبيعة في هذه القري. غابة النخيل التي تشقها لتصل الي شاطئ النيل ، منظر جميل و مهيب ، و جلسة السمر وسطها و في ظل مجموعة كثيفة "حاجة ما بتخلص"! و ما اجمل الجزر بكل ما فيها من اشجار "الطرفة" الكثيفة، وحيواناتها و عصافيرها. و يا لجمال المركب الشراعي و هو يشق "البحر" عكس التيار، و يزيد الجمال لو كان وردي معهم يعزف الطمبور و يغني. و لم يكن الفنان يري الجمال في الطبيعة فقط ، بل كانت انشطة الناس في القرية تمثل له جمالا يشبه به الفاتنة او المحبوبة. مثلا يقول الفنان انها تشبه ساحة تجميع محصول القمح (الين قيس)، و لا اعتقد انه يشير بذلك لجمال القمح المكوم كاالجبل قبل تخزينه في جوالات، و لكنه يقصد المناسبة نفسها ، عندما يجتمع الجميع ، فرحين بمحصول الموسم، الزغاريد و التهاني المتبادلة ، و الحمد و الشكر للرزاق الكريم. ليس هذا فحسب بل انه يشبهها احيانا بالعجل، لكنه يقصد نوعا معينا من العجول ، اي تلك التي تكون في مرحلة "البلوغ" اذا جازلي هذا الوصف، فالعجل في هذه المرحلة يتدور جسمه ويتلألأ لون شعره، و يكون له طاقة مهولة يستدعي ان ينقل الحبل الذي يربط به من الرجل الي الوجه و الرأس . يقول الفنان:

برولي بالقمنو كيوسا
ارمدين قرتوت القوسا
بناتي دكا كدوسا
اوان كنجن السوسا
سون جقتنقا انبي امة قونجني
انمنيني كلوليل ايتنا جومني
ايقون ايلن فرفور توقني
انونا آرتن برواني
مسورنباركسين ويراني
ارتا ماجقدموني انيبي سلي قوجمنو

ويل اسركا الي قونجي وايلاني
البنية في غفلة منا تدورت
واصبحت كما العجل الذي اصبح يربط من الرأس و الفك
قذفت بطرحتها بعيدا
و تجملت بالتوب
ضحكاتها باسنانها البيضاء كاللبن، تتأملها امة محمد
وكل من رآها يحدث نفسه و يسأل دي من وين و كيف
و انا وتتسارع دقات قلبي اقول
هذه لنا من بنات الجزيرة
باركتها مواسم الدميرة
فانظروا اليها، لا تسحروها و صلوا علي النبي

آه يا قلبي تعال انظر لطفلة الامس

لماذا افصل لكم هذا الجانب من حياة الفنان؟؟ اولا لأؤكد ان البيئة النوبية كانت المعهد الفني الذي نهل منه الفنان الغناء و الشعر و تصوير البيئة بنصوص بليغة، و الأمر الأهم لكي اؤكد لكم ان شعر و غناء الفنان وردي باللغة النوبية مرآة للتراث النوبي و سيأتي يوم تكون فيه اغنياته باللغة النوبية مراجع للتراث النوبي، تحفظ في دار الوثائق و المكتبات. و لاشرح هذا المعني اكثر ساتناول معكم اغنية "صواردن شو" و معناها جواب لصواردة. لكن قبل ذلك اريد ان اعطيكم نماذج و هي كوبليهات من اغنيات مختلفة.


منيلي مسورن توب منجكاني
صلاحن قربا منجلا
سقر ويلا شوقرويلا
ايقو اكو اوقا دولجي مالكو
نلون امنقارو جرا كيرنتان
كسر اكا بنجلا
اونتن نورن شارتي شارتنقا امنتولوق
كونجين منجلا
ارين موسقجا جقجلا
منيل اكا قونجليقا اتمني
في موسم الدميرة و قد امتلأ مجري النيل
في مركب في زفة عرس
و الهواء "صلاح" كارب
انا و انت و كل الذين يحبوننا
نمخر بمركبنا عكس التيار و نحن نغني
قريبا لشاطئ نلوة
و الطمبور يتكلم
وضوء القمر تنزل حزما من نور علي سطح الماء
و تنعكس علي وجهك
و انت تتبسمين في خجل
كم اتمني ان انظر اليك


اظنكم توافقونني ان خيال الشاعر دقيق كما ريشة الفنان الرسام ، بل ان عيونه كاميرا رقمية تلتقط الصورة بكل تفاصيلها.


حب فنتدن فيوكا
ماميل سارا كوسين كيلكا دوكا
ترق الا ديقسوقا
شيبن كرويداكسوقا
مناولوكايمون تأبنقيموني
ويكون مكي حقيلي
حبنا الذي نما مع الشتلة
تشابك مع جذور شتلة النخيل
حتي بلغ جريد النخل و سعفه
سقيناه بماء النيل الملون بالطمي
حتي اثمر
و ان يأتي احدهم دون مراعاة لمن سقي و تعب
و يحصد المحصول .. هل هذا عدل

و كما ترون مع ان القصد هو "التحسر" علي حبيبة رعاها و احبها فتزوجها غيره، الا ان الكوبليه تصور قصة شتل النخيل، و هذا ما اقصده بان غناءه بالنوبية مرآة للتراث. و يجب ايضا ملاحظة ان الفنان لا يتغني بحالته الخاصة، و لكن في كثير من الاحيان يتكلم عن حب صديق، او قريب.

و من الاشياء التي ادهشتني في وردي ، غناؤه للوطن الكبير السودان و غناؤه للبلد او القرية: بقدر ما كان ينفعل و ينتشي حماسا و حركة علي المسرح عندما يتغني بالاناشيد القومية، كان غناؤه للبلد حنينا و شوقا فقط، و اليكم المثال التالي:


اركون وو قتونقكو اركوني امن شنقركو
نلو ايلا نيردنقنا كبا بسميلوق كبدنقنا
مسكي ادوق الدنقنا اوسكي القاقوردنقنا
قتي اود ادوليدانقنا
ادوغالي دامونا بالله ايني شورتنقا بلدنا يا الريحتك عنبر و مويتك فضة
ما احلي النوم فيك و حلاة الاكل لمن نسمي و ناكل
الطيبة في ربوعك و الشينة بتنسي عندك
كل القاسيات بتبق خفيفة عندك
مافي اغلي منك بالله هاكي روحي


و نأتي الآن لاغنية صواردن شو ، و الذي اعتبره مرجعا في مصاف كتاب وليم آدمز "النوبة رواق افريقيا"، فالأغنية رغم انها قصيدة شوق للبلد، و حنين لايام الصبا، الا انها تحمل كمية مهولة من المصطلحات النوبية الخاصة بالساقية و الزراعة، و اشارات كثيرة للعادات و التقاليد ، و القيم النبيلة و شهامة الرجال الذين كانوا حراسا للقرية، و اوصياء علي التوادد و التراحم و اشاعة المحبة و السلام بين الناس. ليس هذا فحسب بل الاغنية فيها ابداع مدهش سيأتي تفصيله لاحقا.

في عام 2010 قرر المركز النوبي، بمبادرة من الدكتور ياسر عباس محجوب، اقامة حفل تكريم لوردي، ووجدتها مناسبة لسماع صوته و التحدث اليه، فاتصلت به و هو في الصين. و الحقيقة انني كنت اعتقد ان الفنان ألف كلمات هذه الاغنية ليحفظ فيها اكبر قدر من التراث النوبي. فسألته ان كان اعتقادي صحيحا. فقال لي: ابدا لم يكن هناك تدبير او تخطيط لغرض كهذا. قال لي انه اغترب كثيرا لكن الغربة الحقيقة كانت في امريكا، و هناك تفجرت المشاعر و الذكريات شوقا و حنينا للقرية.

تعالوا لنري كيف صمم هذه الاغنية ، و كيف استعاد ذكرياته، و ما هي الطريقة التي عبر بها عن اعزازه لاهله وصفاتهم الانسانية الجميلة. فسم الاغنية الي جزئين: مقدمة يصور فيها مجالس السمر و الفرح ، و التي كانت دائما في مجلس من مجالس الدكاي، وبطريقة الفنان المبدع تناول قضية حرمة الدكاي او عدمه، دون ان يتعدي فيها علي سلطة رجال الدين المؤهلين للفتوي، مستخدما اللحن الشائع في هذه المجالس و يسمي "كلاكيي"، و هذا النوع من الغناء في مجالس الدكاي كانت نوع من المطارحة كما في الدوبيت، يشترك فيها كل الموجودون بالترتيب، حيث يغني من عليه الدور كوبليه ثم يشير في غنائه انتهاء مساهمته " ويناول الميكرفون للذي يليه". أما الجزء الثاني الذي يغنيه بلحن راقص كان مرورا علي كل بيوت القرية للسلام علي الاهل و الجيران، و في تجواله هذا يمدح الناس بصفاتهم النادرة او بذكر صلة القربي و كذلك ذكر التقاليد النوبية في صلة الرحم و حسن الجوار و الحب و الايثار.

لكن دعونا نتأمل هذه الاغنية عن قرب و نمتع انفسنا بدهشة ابداع هذا الفنان العبقري. اعتقد اننا جميعا قرأنا المسرحيات باللغة العربية او الانجليزية، و في كلا الحالتين يبدأ اي فصل في المسرحيه بوصف "للمنظر" حيث يصف لك الروائي اين تحدث الاحداث التي نشاهدها. و كذلك فعل "فنانتو مسوبتو" في هذه الاغنية:

طشتفكيق اوبر اكاتيقوسا
قبا قيلنق اكنجيرا منجر
بوبلين اديق نوشكر ادينكرتل منجر
ادي كندوكا كوبين ايلاوكر
ايونوق دانات سكا كوبينتول سكر
اشمانتولق كدكر جنقا ايلنقو تر انقيقون تر
مجلسلاكنقو ويقي وو خليل انجتي اقلب الزير النحاسي و اجلس عليه
واجعل طاقيتك الحمراء تحاذي نهاية الاذن من الخلف
وشمر كم جلابيتك البوبلين الي الكعب
و بيدك اليسري اسند الكوبي
و باليمني امسك "الداناد" و انزل يدك داخل الكوبي
و فوق مصفاة العشميق و املأ الكاس صافيا
و اعط الكأس الاول لنفسك
ثم الثاني لخالك
ثم وزع علي جميع من في المجلس
يا ابن اختي يا خليل

ما اروع ابداعك يا "فنانتو مسوبتو"، سافر بي خياله هناك و صنقر في المجالس التي كان يفرح فيها و ينقل عدوي الفرح لللآخرين بطمبوره و غنائه العذب, و يعطي صورة الشخص الذي يوزع الدكاي و كيفية ادائه لمهمته. و لو اراد ان يزيد لقال لكم ان المجلس به كذا نفر و هم جلوس علي الارض في صورة دائرية.

بعد ذلك يحدث المستمع عن الدكاي، النوع الجيد منه الذي يعد من اجود انواع التمر ويكون جاهزا للشرب، استثناءا، في ثلاث ايام بدلاعن الخمسة او الستة ايام. و بالتأكيد و هو في مجلس الدكاي تذكر ذلك الجدل الذي كان يدور حول حرمة الدكاي كمسكر او رفع الحرمة عنه لانه جزء من الطعام الذي تعده الزوجة. و عندما اراد اثارة هذه القضية في الاغنية ، لم يتخذ رأيا لنفسه، بل سأل السؤال و كأنه موجه لخليل ابن اخته: من الذي يشرب هذا الدكاي؟ و لم ينتظر الاجابة من خليل بل اجاب علي نفسه: و من الذي لايشرب ؟ ثم يعدد الذين يشربون الدكاي ذاكرا موقع كل منهم في مجتمع القرية. و يبدأ اولا بالمزارعين الذين كان يعزهم و يعتز بهم كثيرا ، و يرجع هذا الي الفترة التي عمل فيها معهم مزارعا، و بذلك خبر المشقة و العناء الذي يبذل من اجل اخضرار الأرض و جني الثمار. لذلك كان طول عمره يتحدث عن مزارعي القرية، خصوصا اولئك الذين زرعوا بالساقية، باعزاز و احترام.


اوفابي تربريم نيسا
واسو شاقا مرتن اندق سكوكوم نيسا
سيركا دساكيكم نيسا
الي قلا برجوق قوشوكوم نيسا
اسماروق اسسكاك سككوم نيسا
شتين ارباديل فرقن جلوقا كوروكوم نيسا
نوجقا دوا المن ترا توجوكوم نيسا
جرنجريل امنوسرك اوسكم نيسا
ايقوشل ميسان جوقا كلكتي كاقا اليلاكن امنق وجوكوم نيسا
ابق ابقن جلول كربيكم نيسا
دورق كسيك جكا فينتالس ملا ابرتقادروكوم نيسا
مسورل وار كجا وايسيق امروكوم نيسا
شربه اباؤنا الترابلة.
شربه الذين استخدموا الواسوق لرفع الجدول الكبير.
شربه الذين كان يطلب منهم زراعة ارض حجرية، فيحولونها الي خضرة.
شربها الذين زرعوا القمح في ارض صعبة الفلاحة.
شربها الذين فتحوا مجري الماء للساقية في عز البرد.
شربها اؤلئك الذين استطاعوا الدخول لجحر التمساح.
و اولئك الذين زرعوا اول حوض في جرنجري.
وشربها ذاك المزارع الذي كان بعد ان ينتهي زميله من وردية السهرة و في الظلام الدامس يدير الساقية لسقي البقوليات حتي الصباح و يواصل عمله لان وردية الصباح عليه.
شربها الذين كانوا يفتحون الماء في سلسلة من الحياض.
و شرلبها اؤلئك الذين كانوا يدقون جريد النخل و يفتلون منها اقوي الحبال للساقية.
شربها اؤلئك الذين كانوا يعومون لجزيرة وايسي بدون عوام و يعمرونها.



كما ترون الفنان يريد ان يقول انهم جميعا يتعاطون هذا المشروب الشعبي، لكن مع ذلك عنده رسالة اخري عن القرية ، الا و هي تمجيد رجال القرية و تثمين جهودهم في استقرار مجتمعهم، و اكتفائه بالضروريات، و تحقيق الامن و الطمأنينة في القرية، و حمد الرزاق الكريم علي نعمه.

ثم يذكر فئة اخري من الناس، لا يشاركون هؤلاء الشباب و الرجال في الانتاج ، وربما يشاركون الا ان لهم دور آخر ليكون المجتمع معافا من الامراض الاجتماعية.

وانحقا كارا تقركوم نيسا
ارتا هرا بحكوم نيسا
صلحن آدانق قاديقوم نيسا
دنقل ازين انقوكم نيسا
شربها ذاك النفر من الناس الذين يبحثون عن العورات و يسترونها.
شربها اؤلئك الحكماء الذين تستشيرهم في امر ما فيجلس علي الارض و يشرح لك و هو يرسم خطوطا علي الارض.
شربها قضاة العادة الذين يحكمون بين الناس بالصلح
شربها اؤلئك الذين يتضاربون و في عز الشجار يتعانقون و يسامحون.


فكما تري لم يترك رجلا من رجال القرية لم يضمنه هنا، كما انه من الواضح انه يريد ان يثني علي جيل تكبد المشاق و خلق الحياة الكريمة، دون من او شكوي، بل و هم يتغنون و يرقصون في كل حين.

هذا هو الجزء الاول من الاغنية التي غناها بلحن "الكلكية"، اما الجزء الثاني و الذي غناه كاغنية طمبور راقصة، فخصصها للتجوال في القرية و السلام علي اهلها بيتا بيتا ، في وصف فني بديع للبيئة و للناس في القرية ، ذاكرا امجادهم و فضائلهم.

الذي اردت ان ابرزه في هذا المقال ان الفنان العظيم محمد وردي، له ابداع آخر غير فنه باللغة العربية، و يعتبر غناؤه باللغة النوبية ثروة فنية، فيه زخيرة لغوية باللغة النوبية، اعتقد ان الذين يفهمونها كلها قليلون. كما ان اغنياته باللغة النوبية مليئة بصور التراث و العادات و التقاليد.

ولذا فانه من المهم ان يجد هذا الجانب من فنه الاهتمام، بتحليله و توثيقه و حفظه بالصورة العلمية في عصر التكنولوجيا.

رب نحمدك و نشكرك ان انعمت علي الشعب السوداني بهذا المبدع المدهش، المحب لشعبه، و الوفي له، و نشهدك ربي و نشهد ملائكتك ، انه ظل ينشر الفرج و السرور بين الناس، و يبشر بالقيم الفاضلة لرفعة الوطن، فاجزه يا حنان يا منان عنا خير الجزاء، و اغفر له و ارحمه و تقبله عندك مع الصديقين و الشهداء و حسن اؤلئك رفيقا.

و آخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2303

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#589237 [كوشن تود]
0.00/5 (0 صوت)

02-19-2013 11:27 AM
فعلا وردي شاعر من الطراز الأول بالنوبية وفعل من الكلمات والحروف النوبية ما لم تفعله المتنبئ بالكلمات والحروف العربية وغني بالنوبية واضربنا وكان دواء لنا من الأمراض النفسية .

لا أبالغ أن قلت أن غناء وردي بالنوبية قد ساعد كثيرا في صفاء ونقاء قلب النوبي .


وردي كان حلوا وممتعا ( Agawoda ) .


رغم أنني أبتعدت عن الأستماع الي الغناء ولكني ما زلت أردد أغاني وردي كلها والنوبية خاصة عندما انفرد بنفسي.

مثلي لا يستطيع أن يكتب عن هذا العملاق فرجائئ من المتخصصين وخاصة النوبيين توثيق حياته .

لا يظن احد بأنني عنصري ولكن جانب وردي النوبي وخاصة شعره وغناءه لا يفهمه ألا من كان لسانه نوبي مبين .


#588286 [ود شيخ إدريس]
0.00/5 (0 صوت)

02-18-2013 12:06 PM
لك التجلة والتقدير الرائع أستاذي حسين الزبير عبد العزيز الملك .. عمل توثيقي مقدر .. فن العملاق وردي بالمحتوى العربي أظنه معروف للجميع وموثق في غالبه ولكن ما يحتاج منا إلى جهد هو ما ركزت عليه في الجانب النوبي من فنه الذي لم يتم توثيق غالبيته.. نأمل أن يكون مقالك هذا فاتحة في هذا المجال وبداية لتوثيق جميع الأعمال النوبية لوردي ...التراث والثقافةالنوبيةفي أمس الحاجة لهذه الأعمال مع بروز مههدات حقيقية لإضعاف وحتى زوالالتراث النوبي...لك التحية والشكر مرة أخرى أستاذي حسين.


حسين الزبير
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة