ينأون وينعون!ا
11-07-2010 09:36 AM

(صواع الملك)

ينأون وينعون!


فيصل عبد اللطيف

لشدة ما تتوالى الأزمات الشداد ، وتتكالب المحن على بلادنا ، أصبحنا لا نتوقف كثيراً عند أحداث مهمة لها معان ومدلولات قريبة وبعيدة. من الأحداث التي أراها مرت بدون أن نتمعن في تفاصيلها كثيراً، ذلك التحذير الذي صدر عن القمة الأفريقية ـــ العربية، التي عقدت في سرت الليبية .. فقد حذر الزعماء أنفسهم وشعوبهم والمنطقة من ( عدوى السودان)، وعبروا صراحة عن خشيتهم تحول ما يحث في السودان ظاهرة ، وبداية تفكك الدول الرخوة في المنطقة ، وما أكثرها.

وثيقة سرت انحصرت في نقطتين: \" انفصال السودان، في حال حصوله، سيجعل من جنوب السودان بؤرة لتشجيع الانفصال في أفريقيا ورسم خريطة جديدة في القارة الأفريقية. .. انفصال السودان سيتسبب في عدوى ستمتد إلى دول أخرى\".

هكذا في عبارات مبسطة أوجز العرب والأفارقة مجتمعين رؤيتهم لمستقبل السودان ، بلد حامل عدوى، يجب أن تحتاط الدول الأخرى وتأخذ حذرها.

ما التأثير النفسي على شعب السودان جراء هذا التقويم العربي ــــــ الأفريقي؟ ما وقع هذا التوصيف المحزن على شعب تصور أن باستطاعة الخروج من ( عنق الزجاجة) والسيطرة على مشكلاته؟ كيف تلقى السودانيون هذا الحكم غير العاطفي، الذي لم يجامل. فلم يحاول ( قادة سرت) التقليل من عظم ما يحدث بالمداورة، أو بالألفاظ الدبلوماسية، بل كان الكلام مباشراً في أحاديث القادة وفي البيان الختامي للقمة. (شهود سرت) رأوا السودان المأزوم على حقيقته، رأوه مسألة واحدة واضحة.. ولذلك كان الحكم نهائياً، بالإجماع، لا تأرجح، ولا امتناع عن التصويب. ولم يحاولوا تطييب خاطر الرئيس السوداني الذي بينهم.

السودان الذي كان أكبر بلدان أفريقيا والمنطقة العربية، وأكثرها تنوعاً وثراء، البلد الذاخر بكنوز الأرض ذهباً أخضر وأسود، البلد الواعد بطاقاته البشرية المؤهلة الضاربة في أرض الله الواسعة، التي أنجزت الكثير جداً في مهاجرها، وفي المنظمات الأممية والدولية والإقليمية. بلد كان يوصف بأنه الجسر الرابط بين أفريقيا والمنطقة العربية، بلد التمازج الثقافي، بلد التوسط بالحلول السلمية في المشكلات..

بلد بكل هذه المؤهلات ، فجأة يصبح ( عدوى ) يحذرها الآخرون، والأخوة ينؤون عنه وينعونه. حقيقة لقد نعى الأفارقة والعرب السودان، وقرروا النأي بأنفسهم من أن يعلقوا في وحل الأزمات.

لم يكن باستطاعة القادة الذي اجتمعوا في سرت أن يضمنوا، ولا أن يتوقعوا، أن السودان يمكنه حضور القمة القادمة تحت علم واحد، وبرئيس واحد، وخريطة واحدة، وباسم واحد .. لقد أعلنوا ما صدر عن قمتهم وعيونهم على الأحداث الجارية، والحقائق الماثلة، والخلافات بين ( الشريكين) ـــــــ في وطن حصرتهم شراكته وحوصرت بين حزبين ــــــ والتصريحات الدافعة بشدة لللاعودة. ( قادة سرت) لم يضيعوا وقتهم في البحث عن حلول لـأزمة السودان ، فقد فات الوقت، همهم الأول والأخير هو تفادي ( عدوى السودان) .. فليس باستطاعتهم تقديم حل ولو أرادوا . فلا حل غير الحذر .. وإقامة محاجر صحية، لصد العدوى على الحدود.

لذلك ، فإن الأثر النفسي لهذا الحكم القاري ثقيل على السودانيين، الذين داعبهم الأمل في أن يصبح بلدهم ( نموذج نجاح) بين بلدان المنطقة، يصدّر التميز، وليس الأزمات، ويقدم تجربة ناجحة في الوحدة وإدارة التنوع، وفي استغلال الموارد، وانجاز تنمية متوازنة تحقق أهداف الألفية، وتنشر العدل في ربوع السودان، وليس التصدع والتفكك والتصارع، وتعطيل التنمية بهدر الموارد بين الأقاليم المتناحرة ومركز فاقد البوصلة. للأسف الشديد كل ما يجرى في الشهادة والغيب يباعد الأمل الذي تطلع إليه أهل السودان.. ويجعل التشاؤم سيد الموقف..

وفي الوقت الذي نرى فيه أن من حولنا يعدون أنفسهم بتوقع أسوا ما يمكن أن يحدث في بلدنا، ويجهزون الأمصال الوقائية، التي تحميهم من تسرب ( عدوى التفكك) إليهم ، نجد بيننا من يستهين الأمر، ويعد ما يحدث تطوراً في الصالح، ويرى انفصال الجنوب تخلصاً من عبء أثقل كاهل بقية الأقاليم الأخرى، وأن ما سيتبقى من السودان سيأكل ( البقلاوة ) بعد التخفف من عبء الجنوب.. والبعض ممن ينامون على\" عسل الكلام وزبد الوعود \"، والذين اقنعوا أنفسهم بهذا التصور الخاطئ جداً، يقولون ببساطة : خليهم يمشوا ( خلي يولي )! وحديث كثير مشابهه يحاول تهوين ما هو جسيم ، وتصوير حلكة الظلام على أنها اكتمال البدر.. والله المستعان.


الأخبار

ــــــــــــــــــــــــــ
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 711

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




فيصل عبد اللطيف
فيصل عبد اللطيف

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة