المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
سبعة وخمسون عاماً مضت على انتفاضة جودة 20 فبراير 1956
سبعة وخمسون عاماً مضت على انتفاضة جودة 20 فبراير 1956
02-21-2013 12:10 AM

سبعة وخمسون عاماً مضت على انتفاضة مشروع جودة لزراعة القطن بوسط السودان سببتها من جانب شراكة ظالمة بين أصحاب المشروع والمزارعين الذين طالبوا بزيادة نصيبهم فيها، ومن جانب آخر مطالبتهم بحق التنظيم النقابى؛ وكانت النتيجة قمع الدولة لهم بالاسلحة النارية حيث فقد المئات منهم أروحهم.
فى مقال سابق، بمناسبة الذكرى الخمسين لانتفاضة جودة (يوجد كملحق في نهاية المقال)، تناول الكاتب عرضاً للاسباب التى أدت اليها وأهم الدروس المستخلصة منها. وعنّ لى ان اتناول هنا باقتضاب فى ذكرى جودة السنوية ومن واقع تجربة أحداثها مسألتين ظلتا تشغلان بال السياسين والمواطنين عامة، وهما موضوع الديمقراطية والموقف من العنف.
ان الأسباب وراء انتفاضة جودة ليس فقط ما زالت، فى جوهرها، قائمة ومتفاقمة رغم انقضاء أكثر من خمسة عقود على حدوثها، بل يمثل حلها الإجراء الاولى لتحقيق تنمية إقتصادية وإجتماعية شاملة بالبلاد. فالحقوق التى تحرك مزارعو جودة من أجلها تشكل جانباً من جوانب المسألة الزراعية التى يعنى تناولها تناول صميم الازمة السياسية السودانية. وليس مبالغة اذا قلنا أن قضية حقوق ملكية الارض واستخداماتها ”وليس التنوع العرقى والدينى والثقافى“ هى السبب الرئيس وراء معظم النزاعات السلمية والمسلحة التى شهدها السودان منذ أكثر من خمسين عاماً. وكل قوانين الارض فى السودان انطلقت من تسهيل نقلها كحيازات زراعية حديثة لمستثمرين محليين أو أجانب كأفراد او شركات أو للدولة نفسها لاستغلالها راسمالياً بعد ان أممتها الدولة عن طريق قانون 1970 الذى يتيح للدولة وضع يدها على كل الاراضى الغير مسجلة بدون تعويض ويخّول لها اللجوء للقوة المناسبة لنزع الاراضى وقانون المعاملات المدنية لعام 1984 (Civil Transaction Act)، الذى منح الدولة ملكية كل الأراضي واطلاق يدها فى مصادرة اراضى المواطنين وتحويلها من الملكية العرفية لملكية مصدق عليها قانوناً.

والزراعة فى السودان تستمد تخلفها، والعوز الذى تُوقع فيه المزارعين، من الوضع الذى يجعل قوانين الاراضى تناسب التطور الاقتصادى الذى تكتنفه التشوهات المفروضة عليه نتيجة التبعية الاقتصادية. وأبلغ دليل على هذا قانون مشروع الجزيرة لعام 2005 وقانون اصحاب المهن الزراعية لعام 2011 اللذان يهدفان لخصصة المشاريع التى تمتلكها الدولة وتجريد صغار ومتوسطى المزارعيين من حيازاتهم وبيعها للمستثمرين الاجانب والمحليين. وتطبيق قانون اصحاب المهن الزراعية لعام 2011 سوف يؤدى لتشريد أعداد كبيرة من صغار ومتوسطى المزارعين والى أكبر عملية تمليك للاراضي السودانية للراسمال الأجنبى تشهدها البلاد. كما ان قانون 2011 يصادر حق المزراعين فى التنظيم النقابى بالغائه قانون تنظيمات المزارعين والرعاة لسنة 1992 وتحويل تنظيمات المزارعين لما يشبه الشركات المساهمة لكبار المزارعين مستقلة عن الحكومة وتتمتع بكافة المزايا التى تمنحها قوانين الاستثمار. ويلاحظ أن القوانين الجديدة لا تتناول لا من قريب ولا من بعيد أوضاع أجراء الارياف الذين يشكلون اغلبية السكان. فلا بواكى للعمال الزراعيين ”مسامير الارض كما يسمون أنفسهم“ اذ انهم عند السلطات بلا حيثية.

وهكذا فان ضرورة الديمقراطية فى سودان اليوم، التى أصبحت الشغل الشاغل للكثيرين، لا تعنى غير حل المسالة الزراعية بتغيير علاقات الانتاج (تغيير نظام ملكية الارض كمسألة "فاصلة" بالنسبة لتنمية البلاد) فى المزارع الحديثة التى يمارس فيها أبشع الاستغلال لصغار المزارعين وللعمال الزراعيين وعلاقات الارض فى شكلها القديم المتسم بالملكية القبلية العرفية للارض. تغيير علاقات الانتاج من شانه تحويل قوى الانتاج المتخلفة والانتاج الصغير الى قوى انتاج حديثة تستطيع توسيع دائرة الانتاج . فالديمقراطية فى مثل وضع بلادنا تعنى قيام النظام الذى يلبى الحاجة لهذا التغيير فى القطاع الزراعى كأكبر حاضن للعمالة فى البلاد ويتسم فيه العائد الذى يحققه أغلبية المزارعين والعاملين فى مجال الانتاج الحيوانى وأجور العمال الزراعيين بالضعف الشديد مما يجعلهم يعيشون حياة الفقر والبؤس. والديمقراطية لا تعنى التنظير المجرد حول شكلها، بل هى النشاط العملى لاستنهاض اغلبية سكان البلاد من المزارعين والعمال الزراعيين للمطالبة بتحسين أوضاعهم الاقتصادية وحقهم فى التنطيم، وهى تعنى ادراك النظام السياسى الذى يحقق لهم التمثيل المناسب الكفيل بترقية أحولهم.
وحول المسألة الثانية وهى موضوع العنف فى العمل السياسى، نشير بداية الى أن العنف المفرط الذى جوبه به مزارعى مشروع جودة، بعد أقل من شهرين على استقلال البلاد فى أول ياناير 1956 من الحكم الانجليزى الاستعمارى المباشر، كان هو الاسلوب الذى سار عليه نظام الحكم الذى لم يتغير جوهره منذ رحيل المستعمر كمُكرس لنظام اقتصادى شبه راسمالى تابع يقع فى تناقض عميق مع الشعب. فحكومات النظام المختلفة كانت كل شعاراتها وممارساتها لاخضاع العمال والمزارعين والمثقفين فى كل انحاء البلاد تفوح منها رائحة الحرب والبارود، ويشهد على هذا قائمة طويلة من المذابح والحروب التى أشعلتها تلك الحكومات فى مختلف أنحاء البلاد. فى ضوء هذا الواقع يكتسب استخدام القوة المسلحة مشروعيته من منظور الدفاع عن النفس؛ وهذه المشروعية تستوجب التحذير من امرين، هما، أولاً، القيام بالعمل المسلح نيابة عن الشعب وتجاهل استعداده لها وحصرها فى اهداف جهوية ضيقة والقيام بها بعقلية وافكار عنصرية سخيفة. وثانياً، وقوع العمل المسلح فى شراك المخططات الاجنبية، المغلفة بالوعود الكاذبة، الرامية لخلق سودان يتشكل من دويلات هزيلة. الموقف السياسى الصحيح لا يمكن استخلاصه من داخل الغرف المغلقة فى الكونغرس البنتاغون الامريكيين.

والكلام عن فصل العمل المسلح عن السياسة لا معنى له لان السياسة والحرب لا ينفيان بعضهما البعض. فالحرب أداة من أدوات العمل السياسى وهو تعريف صاغه المنظر العسكري الألماني الشهير كارل فون كلاوزفيتز فى فكرته القائلة بأن ” الحرب استمرار للسياسة بوسائل اخري.“ وبالتالى السياسة توجه العمل المسلح وليس العكس؛ ودعاة الحرب هم وحدهم الذين يخوضون الحروب فقط لان لديهم فرق مسلحة يستطيعون تحريكها وقتما شاءوا.



فى الذكرى الخمسين لجودة وعنبر كوستى
المغزى والدروس
محمود محمد يا سين

وسملت عيونهم مراود الخداع
حتى اذا ناداهم حقهم المضاع
عند الذين حولوا لهائهم ضياع
وبادلوا آمالهم عداء
وسددوا ديونهم شقاء
واستلموا مجهودهم قطنا وسلموهم داء
صلاح أحمد ابراهيم

فى العشرين من فبراير 2006 انقضت خمسون عاما على الاحداث الدامية التى وقعت بمشروع جودة الزراعى وعنبر كوستى . وما حدث بجودة بعد أسابيع قليله من استقلال السودان السياسى في يناير 1956 يمتاز بأهمية قصوى من حيث المغزى والنتائج والدروس.
ومن غير الممكن فهم حوادث جودة بتناولها كأحداث منفصلة ومن ثم النظر اليها بمعزل عن طبيعة علاقات الانتاج بمشاريع الطلمبات الزراعية الخاصة ، التي كان مشروع جودة واحد منها ، وبمعزل عن علاقة الدولة باصحاب تلك المشاريع من ناحية أخرى . وكذلك لا تتضح الابعاد الحقيقية لأحداث جودة بدون ربطها بمجمل تطور الحركة السياسية النقابية فى البلاد فى مطلع الخمسينيات من القرن الماضى. فالأسلوب الدموى الذى اختارته الحكومة فى اعقاب الاستقلال السياسى للبلاد لقمع اضراب لمزارعى جودة ومن وقف معهم فى قضيتهم العادلة يدل على أن المسألة كانت أكبر من اضراب خاص بمطالب مزارعى مشروع واحد بالنيل الابيض . وفى هذا المقال بمناسبة الذكرى الخمسين لاحداث جودة، نقدم لمحات للسمات الأساسية للصورة الكلية للنشاط الاقتصادى والسياسى والنقابى السائد وقتئذ والتى شكلت الخلفية التى لابد من دراستها للالمام الصحيح بما جرى من أحداث بمشروع جودة الزراعى.
كانت جودة، من ناحية، تمثل ذورة نضال الحركة السياسية الديمقراطية والنقابية ( بشقيها العمالى والفلاحى ) من أجل الدفاع عن حقوق العمال والمزارعين وتحسين شروط عملهم بصورة عامة ، ومن الناحية الأخرى ، كانت تعكس تصميم المؤسسة التقليدية ، التى كانت أحزابها السياسية تهيمن على الحكم، فى معارضة ومحاصرة النشاطات النقابية كحق التنظيم والاضراب بكل ما تملك الدولة من أدوات قمعية ومنع تلك النشاطات كنشاطات "هدامة!".
بعد هزيمة ثورة 1924 وما تبعها من اجراءات أدت الى اضعاف الدور المصرى فى السودان ، اتجهت سلطات الاحتلال البريطانيه الى دعم القيادات الطائفية والقبلية وكبار التجار بمنحهم أكبر قدر من السلطات الادارية المحلية مما هيأ لهذه القيادات فرصا كبيره لمراكمة الثروة من خلال تحصيل الرسوم من مناطق الانتاج التقليدية كجنائن الصمغ العربى ومن الاشراف على مختلف الرخص التجارية. وقد قام الزعماء التقليديون وكبار التجار باعادة استثمار رؤوس الاموال المتراكمة لديهم فى مجالات الزراعة والتجارة والصناعات الخفيفة . ومن أهم المجالات التى تم طرقها كان مجال مشاريع الطلمبات الزراعية . وهكذا منذ النصف الثانى من عشرينات القرن الماضي بدأت مشاريع الطلمبات الخاصة في الظهورفى مناطق النيل الأبيض ، وبنهاية عام 1955 كان حوالى 600 مشروع زراعى في مديرية النيل الأزرق القديمة (تشمل النيل الابيض) تغطى مساحة تبلغ في جملتها500,000 فدانا. وكانت أغلب مشاريع الطلمبات فى منطقة النيل الأبيض من نصيب السيد عبدالرحمن المهدي بينماوزعت مشاريع النيل الأزرق على دائرة السيد على الميرغني. وسارت مشاريع الطلمبات الخاصة على نفس الوضع لمشروع الجزيرة، فعلى الرغم عن أن صاحب الرخصة بمشاريع الطلمبات حل محل مجلس ادارة مشروع الجزيرة، الا أن المزارعين بالمشاريع الخاصة مثلهم مثل أغلبية مزارعى الجزيرة (خاصة فقراء ومتوسطى المزارعين) كانو أقرب الى العمال الصناعين أصحاب العمل المأجور أكثر من كونهم فلاحين يمتلكون حيازات صغيرة وكانو يخضعون لتوجيهات مركزية مسنودة بالقمع فيما يتعلق بالعمليات الزراعية المختلفة . ولا غرابة اذا كانت مطالب الفئتين من المزارعين بالمشاريع الخاصة والجزيرة تتشابه وتنحصر اجمالا فى ضرورة الاعتراف بحق المزارعين فى تنظيم أنفسهم في اتحادات تدافع عن مصالحهم ، ورفع نصيب المزارعين فى الشراكة ، وبيع الأقطاف بالمزاد العلني ، واشراكهم في مراقبة حسابات المشاريع وفرز وتسويق القطن.
كان لنشاط تنظيمات المزارعين المدعومة من نقابات العمال قبل وبعد تكوين اتحاد عام نقابات عمال السودان دورا كبيرا فى الحركة الوطنية خلال الفترة 1946-1954؛ وفى تقرير له فى 1952 صور اتحاد عام نقابات عمال السودان حركة العمال والمزارعين وكأنها جيش للتحرير يمثل الفلاحين جنوده بينما يشكل العمال قيادته.
دخل مزارعو مشروع الجزيرة فى صراع طويل مع حكومة الحزب الوطني الاتحادي االمكونة في 1954، فقد رفع اتحاد مزارعي الجزيرة مذكرات متعددة ابتداء من منتصف 1955 للحكومة تحوى مطالبهم وأهمها تعديل قانون مشروع الجزيرة لسنة 1950 بحيث ينص على اثبات شراكة المزارع الفعلية في الانتاج ورفع نصيب المزارع من 40% الى 50% وتقليل التزامات المزراع بنسبة 50% وتمثيل العاملين في لجنة ادارة المشروع ورفع ضريبة الدخل عن كاهل المزارع واخيرا بيع المحصول في المزاد العلني . ولكن كل هذه المذكرات لم تجد غير الاهمال، بل أن رئيس الوزراء اسماعيل الازهرى كان يرفض حتى اجراء محادثات مع المزارعين. وتقوّى الازهرى فى موقفه المتشدد باكتفاء حزب الامة (الشريك الاكبر فى ما يسمى بالحكومة الوطنية التى شكلها الازهرى فى مطلع 1956 ) بموقف المتفرج حيال الصراع بين المزارعين والحكومة. وفى هذه الاثناء انحاز اتحاد عام عمال السودان والجبهة المعادية للاستعماربثقليهما الى جانب المزارعين؛ وبلغ الصراع ذروته بعد أن رفع تحالف العمال والمزارعين والجبهة المعادية للاستعمار مذكرة للحكومة مطالبا بتحقيق جميع مطالب المزارعين وضرورة الغاء كل القوانين المقيدة للحريات والغير ديمقراطية . وفي وسط هذا المد المتصاعد لحركة العمال والمزارعين حدثت وقائع مشروع جودة.
يقع مشروع جودة الزراعي على الضفة الشرقية من النيل الأبيض على بعد 100ميل جنوب منطقة كوستي، وامتلكت رخصة المشروع شركة عبدالمنعم محمد فى 1952. ويزرع المشروع القطن فى مساحة خمسة الف فدان تمثل ثلث أراضيه الممتدة حتى أعالي النيل جنوبا. وقد قسم المشروع الى حواشات مساحة كل منها خمسة فدان.
كأمتداد لحركة مزارعي الجزيرة التى تعرضنا لها سابقا، توسعت حركة المزارعين المطلبية لتشمل مزارعى الأقاليم الأخرى فى وسط السودان وغربا حتى جبال النوبة، ولكن كانت حركة مزارعي النيل الأبيض أشد حيوية اذ كوّن المزارعون "اتحاد مزارعي النيل الأبيض" وفي مطلع يناير 1956 رفع هذا الاتحاد مذكرة للسلطات شملت مطالبهم المتمثلة فى:
1- الاعتراف باتحاد المزارعين الذي يمثلهم.
2- تعديل نسبة المزارع في الشراكة من 40% الى 50% من انتاج الحواشة .
3- تقديم صاحب المشروع لكشوفات حسابات المشروع النهائية وكشوفات المنصرفات المفصلة وحساب الربح والخسارة.
4- تقديم سلفية للمزارعين في حدود عشرة جنيهات على محصول55/1956
5- عمل تعديلات في بعض المنصرفات المقررة على المزارع وذلك بتحويلها الى حساب صاحب المشروع.
6- ان يشارك ممثل المزارعين في فرز وتسويق القطن.

لم يكن مصير مطالب اتحاد مزارعي النيل الأبيض التجاهل من قبل السلطات فقط، بل قامت السلطات باعتقال لجنة الاتحاد التحضيرية.
على اثر اعتقال اللجنة التحضيرية لاتحاد مزارعي النيل الأبيض توجه نحو 6000 مزارع الى مدينة كوستي للضغط على السلطات لاطلاق سراح قادة اتحادهم . وصارت كوستي مسرحا لعقد الاجتماعات الشعبية وتسيير المظاهرات المؤيدة لمطالب المزارعين وبدأ الجو يتوتر عندما قامت السلطات باعتقال 150من المزارعين المحتجين ، وجرت محاكمة الدفعة الاولى منهم والذين ترواحت عقوبتهم من السجن لمدة عام ونصف الى الجلد. ومع ازدياد التوتر فى كوستي قررت السلطات نقل محكمة الدفعة المتبقية من المزارعين المعتقلين الى قرية جودة. وبهذا القرار نقلت السلطات المعركة مع المزارعين الى جنوب النيل الأبيض. فقرار نقل المحكمة أثار مزارعي مشروع جودة الذين تظاهروا مطالبين بالغاء محاكمة المزارعين المحتجزين . وأثارهم أكثر ترحيب أصحاب المشروع بالمحاكمات كشىء ضرورى لتحقيق الأمن والاستقرار بالمشاريع الزراعية. وفى هذا المناخ الصاخب رفع مزارعى مشروع جودة مذكرة الى ادارة المشروع يطالبونها بالتفاوض معهم حول دفع ثمن القطن لموسم 55/1956 قبل تسليمه لأصحاب المشروع ودفع متأخرات استحقاقات المزارعين لموسمى 53/1954 و54/1955 . رفض أصحاب المشروع التفاوض مع المزارعين الذين عندها لم يتبق لهمم غير الدخول في اضراب مفتوح حتى يوافق أصحاب المشروع على الجلوس معهم ومناقشة مطالبهم.
عن علاقة أصحاب المشروع بالمزارعين وطبيعة الصراع بينهما ومشهد اليوم الدامي بالمشروع نكتفى هنا بآخر الافادات حول هذا الموضوع وهي شهادة شفهية تقدم بها دوغلاس بزويك(Douglas Beswick) المفتش الزراعى للمشروع آنذاك. جاءت رواية بزويك حول مشروع جودة متضمنة في مقال بقلم استفانى بزويك (Stephanie Beswick) من جامعة ميشجان بعنوانBlack Hole of Kosti) ) نشر بالمجلة الدورية (North African Studies,2,1,1999). وبما أن بزويك كان الأجنبي الوحيد بالمشروع ، وكما جرى المثل "عين الغريب أصدق"، فروايته تستحق الاستماع لها. يقول مستر بزويك " كانت شركة عبدالمنعم محمد العاملة فى التجارة والصناعة ومنح التسهيلات المالية هي المالك لرخصة مشروع جودة. ولم يكن للمزارعين أي دور أو مشاركة فى تسويق القطن اذ امتلك أصحاب الرخصة الحق الكامل فى هذا الأمر وكانوا يذكرون للمزارعين كل ما يخطر ببالهم غير الحقيقة . فيمكنهم أن يقولوا لهم انهم باعوا القطن لأي جهة ويتركوهم يبحثون عن الدليل أو الاثبات بلا طائل . ويمكن أن يعطوا أسعارا غير حقيقية لمبيعات القطن وحتى القول بأن المحصول لم يتم بيعه بعد والذى يكون قد بيع قبل أشهر . وكان القطن يتم فرزه بواسطة فرزين أغاريق وكان المصنف لاقطاننا هو "مولى كريوسوس" وليس لدى شك فى أن عمل ذلك المصنف صاحبته كثير من الانحرافات التى تمثلت فى التلاعب بتيلة القطن من أجل تخفيض الأسعار بالاتفاق مع أصحاب المشروع. وعلى كل حال فأنا أؤمن ايمانا قاطعا بأن أصحاب المشروع كانوا غير صادقين وأمناء مع المزارعين. وكذلك كان نصيب المزارعين لا يدفع لهم بعد البيع مباشرة ، وأعتقد انه كان لزاما على أصحاب المشروع التقيد بالدفع الفورى للمزارع بعد استلام محصوله ، بل أنهم كانوا فى وضع يمكنهم من زيادة حصة المزارعين وذلك من الارباح المجزية التى كان الملاك يعيدون استثمارها فى معاصر زيوت بذرة القطن والسمسم والفول السوداني ، تلك الصناعة المزدهرة آنذاك ." ويواصل بزويك افادته قائلا " فى يناير 1956 رفض المزارعون مواصلة لقيط القطن وامتنعوا عن تسليم المحصول ،الذى كان قد تم لقيطه حتى ذلك التاريخ ، الى أن يستجيب أصحاب المشروع لمطلبهم الخاص بالتفاوض معهم حول قضاياهم. وفى هذه الأثناء وفدت جموع كبيرة من مزارعي الجزيرة الواقع شمال جودة وأعلنوا وقوفهم مع المزارعين المضربين لمنع اى محاولة لاستجلاب عمال من خارج المشروع للقيط القطن. وفى اليوم العشرين من فبراير حضرت لموقع المشروع قوة مسلحة من البوليس مكونة من 30 فردا وتوجهت للمكان المخصص لتجميع القطن حيث تجمهر المزارعون ؛ ووقعت معركة بين البوليس والمزارعين الذين لجأوا الى الفؤوس والحراب والحجارة فى مواجهة السلاح النارى. سقط من المزارعين 150 قتيلا وأصيب 500 منهم بجروح، بينما قتل أربعة من أفراد البوليس . بعد المواجهة كانت الجثث ملقاة فى انحاء المشروع .........وغادر المزارعون الذين أتوا من انحاء مشروع الجزيرة لمؤازرة الأضراب فى اتجاه النيل الازرق شرقا، والمعلومات التى وصلتنا لاحقا هى أن عددا كبيرا من هؤلاء مات فى الأحراش نتيجة الأرهاق والعطش والجوع....... وفي اليوم التالي للمواجهة جاءت للمشروع قوة كبيرة من البوليس المسلح وقامت بحملة اعتقالات واسعة وسط المزارعين شملت 287 شخصا ووضعتهم فى شاحناتى ومقطوراتها، التى كنت استخدمها فى ترحيل القطن، واتجهت بهم شمالا نحو كوستي. " انتهت شهادة بزويك.
تفيدنا التقارير والتحقيقات الواردة بالصحف المحلية آنذاك عن حوادث جودة بأن فوج المزارعين المعتقلين وحراسهم وصل كوستي مساء يوم 21 فبراير1956 بعد رحلة شاقة تعرضوا فيها للاجهاد الشديد والمعاناة من حرارة الجو مع عدم السماح لهم بشرب الماء أثناء الطريق . وأدخل المعتقلون فى أحد العنابر الجديدة بحامية كوستي تبلغ مساحته 6×18 أمتارمعدا لايواء عشرين جنديا فقط. ومكث المعتقلون فى العنبر من الساعة التاسعة مساء وحتى الخامسة صباح اليوم التالى. وعندما فتح العنبر كان 194 من المزارعين قد فارق الحياة ونجا من الموت 93 مزارعا.
ورد فى كتاب " كوستي 1991" لمؤلفه نصرالدين ابراهيم شلقامي وصفا لصورة المأساة التى حدثت داخل العنبر جاء على لسان أحد الناجين من عنبر الموت حيث يقول " ولم تمض ساعة أو ساعتين علينا ، ونحن فى تلك الغرفة المغلقة النوافذ والأبواب حتى شعرنا بالضيق يضغط على صدورنا ويمسك بأعناقنا ويقطع أحشاءنا ، ثم سال العرق من أجسادناعلى أرض الغرفة وبدأنا نشعر بشىء يشبه الأختناق . ثم جفت شفاهنا وتحجرت حلوقنا وأصدرنا صيحات مطالبين الحراس، الذين كانوا يحملون السلاح ويمشون على مقربة منا من الخارج، نطلب الماء مرة والهواء مرة اخرى ...... وكان الرد يأتينا فى كل مرة بالسخرية مننا، وبالرفض القاطع لاعطائنا الماء والهواء !! وهنا اشتد ضربنا على النوافذ والابواب وكنا قد فقدنا القوة تماما واستحوذ اليأس علينا......... ولما انتصف الليل أصيب البعض منا بنوبات تشبه الجنون وكانوا يطأوون رقابنا وظهورنا ويرددون كلمات غير مفهومة، ثم يسقطون صرعي على بعضهم البعض ....ورأيت على مقربة منى بعض الرجال، ولعلهم من بيت واحد، يمسكون ببعضهم البعض بعنف وشدة حتى تخرج أرواحهم."
وسبب الوفاة كما جاء فى التقارير الطبية كان نتيجة الارهاق الشديد والحرارة ونقص فى الاكسجين وتراكم بخار ثانى أكسيد الكربون بصورة مكثفة داخل العنبر.
المشاهد والصور السابقة عن أحداث جودة وعنبر كوستي تشير الى ركون البوليس للتصرف المنفرد فى بطشه بالمزارعين فى الحقل والعنبر وكأنه كان يتلقى أوامر من خارج الهياكل الادارية المحلية. وكبينة أخرى حول هذا الامر، تأتي شهادة السيد عباس بابكر مفتش مركز كوستي فى 1954 والتى وردت في كتاب "كوستي" المشار اليه آنفا . يقول المفتش " أتذكر أن ضابط السجن قد حضر الىّ في المنزل بخصوص الأعداد الكبيرة من المعتقلين ولقد أشرت اليه بالتصرف بوضعهم فى مكان مناسب لحين الفصل فى أمرهم ..........وفى تقديرى أن الأمركان في غاية البساطة وهو أنه ليس لهؤلاء المزارعين أية نوايا للمنازعة وكان يمكن حراستهم فى أرض مكشوفة" ويواصل مفتش المركز قائلا " علمت بوفاة المزارعين في عنبر الجيش اذ أخبرنى بذلك أحد الضباط وكان يعمل معه ضابط آخر ولقد أخطأ الاثنان فى عدم رجوعهما الى القاضي أو المفتش وتصرفا بحماقة أدت الى ذلك الحادث المشئوم."
كان اضراب مزارعي جودة النقطة التى تمركزت فيها الحركة النقابية المطلبية الواسعة التى انتظمت البلاد بعد الاستقلال السياسي للسودان مباشرة واختارت أول حكومة وطنية ان تلجأ لابشع انواع البطش ليس فقط لفك الاضراب ، بل كسلاح لتهديد الحركة النقابية المتصاعدة ككل . ومن هنا جاء الفصل الاخير من القمع وهو التنكيل بالقيادات السياسية النقابية التى شاركت وتعاطفت مع مطالب مزارعى جودة. فقد اعتقل الامين العام للجبهة المعادية للاستعمار ونائبه، وقادة اتحاد عام نقابات عمال السودان، وقادة اتحاد مزارعي الجزيرة. كما صدرت احكام بالسجن على عدد من مزارعي جودة وقادة اتحاد مزارعي النيل الابيض. وكذلك شملت الاحكام بالسجن بعض قادة العمال والمثقفين والطلاب من مدينة كوستي . ولتحسين صورتها امام الرأي العالمى الذي كان يتناقل أخبار المذبحة باهتمام ، عقدت السلطات محاكمات "صورية" لضابطين من البوليس وعدد من جنودهم المتورطين فى حادثة العنبر وصدرت ضدهم احكاما مخففة ارتكزت على مادة القتل عن طريق الاهمال ، وحتى هذه الاحكام ألغيت فى وقت لاحق.
كشفت حوادث جودة أنه رغم انتقال السلطة السياسية لحكم وطني بعد ذهاب الاستعمار الا أن جوهر طبيعة الدولة لم يتغير. ولهذا لم يكن غريبا أن تحافظ الطبقات والشرائح الاجتماعية ، التى أدركت النفوذ الاقتصادي خلال فترة الاستعمار، على الوضع كما هو بعد أن آلت مقاليد الامور فى الدولة لاحزابها السياسية . وكما هو متوقع ، لم يعر الحكم الوطني الوليد ادني اهتمام للاصلاحات الديمقراطية ذات الطابع الاجتماعي العام المنافي للظلم والتى تهدف فيما تهدف الى تحسين الوضع المعيشي للطبقات الشعبية . وكذلك كان الاسلوب الدموي الذي مارسته الدولة ضد المزارعين جزأ لا يتجزأ من طبيعة الدولة نفسها، ولم يكن اختيارا جانبه التوفيق وحسن التدبير.

د. محمود محمد ياسين
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1161

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#590879 [ود ضحوية]
3.00/5 (1 صوت)

02-21-2013 01:01 AM
بصريح العباره الانسان ليست له قيمة في السودان سواء في العهد الديمقراطي اذن مايفعله البشير مبرر ... ملعون ابوك بلد سواء المدني الو العسكري لايحترم آدمية مواطنيه ... نأمل أن يرجع الاستعمار الانجليزي مرة أخرى ... ويطحن ال 36 مليون انسان سوداني وأنا أول واحد منهم ... حتى تأتى شعوب أخرى للسودان أفضل من البشر الحالي ...


#590852 [ممغوص من البيحصل ده]
3.50/5 (2 صوت)

02-21-2013 12:35 AM
اوفيت وكفيت عن تاريخ جودة ال ماتوا فيها ناس بريئين كل ذنبهم انهم نادوا بالحقوق بعد الواجبات التي ادوها لهم الرحمة ولحومتنا الحالية ان تتعظ وتبادر باعطاء الحقوووووووووووووووق فالظلم ظلمات يوم القيامة


د. محمود محمد ياسين
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة