المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.الشفيع خضر سعيد
إما وحدة أو شراكة إستراتيجية تحت ظل الديمقراطية
إما وحدة أو شراكة إستراتيجية تحت ظل الديمقراطية
11-07-2010 03:41 PM

قراءة في المشهد السياسي

وحدة أو شراكة إستراتيجية تحت ظل الديمقراطية

د. الشفيع خضر سعيد

«الوطن ليس مسألة اعتبارية قابلة للمساومة
في الزيادة والنقصان، بل هو قضية مغروسة
الجذور عميقا في صلب الكيان الحي ذاته». – مصطفى حجازي-.
الشريكان، حتى التاسع من يناير القادم، يواصلان منهج الكتمان والتعتيم وإقصاء الآخرين، بمباركة، أو بمبادرة، المجتمع الدولي. فهاهما، يناقشان في سرية تامة القضايا المتعلقة بالاستفتاء، وهي قضايا مصيرية تهم الوطن كله، قضايا ملتهبة ومليئة بالمفرقعات. هذا المنهج، مثله مثل منهج التعامل مع قضايا الفترة الانتقالية، يضر بالقضية من أساسها، إضافة إلى أنه يزيد من دوائر المبعدين والمهمشين المحرومين من المشاركة في إتخاذ قرارات وطنية من الدرجة الأولى. إن الأجيال التي شهدت السقطات المتتالية للديمقراطية، وشهدت الخصخصة وبيع المشاريع الانتاجية الكبرى، وتنصل الحكومة من الخدمات الأساسية والرعاية الاجتماعية، ستنزوي وتذبل والبلاد في أمس الحاجة لمساهمتها: سيواصل الشباب الرحيل إلى دول الشتات ليقضي بقية عمره في محاولة للإندماج في مجتمع وثقافة مختلفتين، والذي سيبقى في البلاد ربما لن يجد ما يقوله لأجيال قادمة حول دوره في صياغة التاريخ والاحداث والقيم الجديدة والسير، وربما سيحكي أشياء من نوع إنه كان يتابع المفاوضات يترصد أخبارها القادمة من العواصم المختلفة في الجرائد. لذلك أرى إن مواصلة إحتكار الشريكين للتفاوض في مسألة مصيرية كالاستفتاء أمر غير مقبول بالمرة، كما أنه يعكس في ذات الوقت إستمرار الفعل الذي انتهجه الشريكان طوال الفترة الانتقالية لكأنما التفويض الذي منحاه لإنفسهما عبر الاتفاقية سيستمر مدى الحياة خاصة بعد اللعبة الوهمية التي سميت انتخابات. إن إفراغ مسألة الاستفتاء من محتواها الجماهيري، هو جريمة رتبت لها النخبة المسيطرة في الشمال والجنوب منذ مراوغتها ثم تعطيلها لقوانين التحول الديمقراطي. ورغم مبادرات القوى السياسية الأخرى، مثل اجتماع قيادات المعارضة الأخير والنداء الصادر عنه، مبادرة هيئة جمع الصف الوطني، مبادرة حزب مؤتمر البجا..، رغم هذه المبادرات، إلا إنها جميعها لا تحمل شحنة كافية وقادرة للتصدي لهذه الجريمة، شحنة موحية لجماهيرها لإ بتدارنشاط يقاوم التعتيم ويدفع بحركتها لخلق فعل لصالح حماية وحدة البلاد. والمحصلة العامة لكل هذا الفعل بجوانبه المختلفة، الجريمة وردة الفعل تجاهها، ستجر الوطن إلى جحيم الفرقة والتصدعات.
ذكرت في مقالي السابق، إن مشروع الوحدة على أسس جديدة، لا يخاطب فقط قضية الحرب الأهلية في الجنوب، كما أنه لن يصبح في ذمة التاريخ إذا جاءت نتيجة الاستفتاء بنعم للإنفصال، بل هو مشروع لإعادة بناء الدولة السودانية نفسها وفق طموحات وهموم مكوناتها المتعددة والمتنوعة عرقيا وثقافيا. وهو مشروع مرجعيته الاساسية هي تجارب الشعوب، بما في ذلك تجربة الشعب السوداني نفسه.
والمشروع يطمح لحماية البلاد وإنسانها ومواردها، ويعبر عن أماني الشعب السوداني غض النظر عما تفصح به النخب، لا سيما إن التجربة السودانية تؤكد إن النخبة المسيطرة قصيرة النظر ومبعثرة الأولويات، وهي التي وضعت البلاد في هذه الخانة المفتوحة لتدخلات مجلس الأمن وغيره من مراكز المجتمع الدولي المهيمنة على السياسة في العالم. والزمن الذي يقتات فيه البعض من جوع البعض الآخر قد إبتدأ ونفس النخبة المسيطرة رافلة في نعيمها.
ومن زاوية أخرى، فإن مشروع الوحدة على أسس جديدة، مقرونا بمشروع شراكة إستراتيجية بين الدولتين الوليدتين في حال وقوع الانفصال، يشكلان أساسا قويا للتكامل بين البلدين في كل المجالات مما يعبد الطريق لإعادة الاتحاد بينهما من جديد، أو بإختصار، كما قلنا في مقال سابق، إما وحدة على أسس جديدة أو دولتين على حد الإخاء. ومرة أخرى نؤكد أن من يصر على خيار الإنفصال ليس من زمرة الأشرار مثلما أن من يصر على خيار الوحدة ليس بالضرورة من صفوة الملائكة.
وبدلا من أن تكون مناقشة مصير الوطن حكرا على الشريكين في الغرف المغلقة في عواصم العالم القريبة والبعيدة منا، أجدد مقترح أن تتبنى مؤسسة الرئاسة، الدعوة لمؤتمر مائدة مستديرة تشارك فيه كل القوى السياسية في الجنوب والشمال، حكومة ومعارضة، وبحضور الأمم المتحدة، الإتحاد الإفريقي، الجامعة العربية، دول مبادرة الإيقاد، شركاء الإيقاد، ضامنوا مبادرة السلام الشامل، دول الجوار.. ويمكن إضافة آخرين، وذلك لكي يبحث المؤتمر القضايا الأربعة التالية: 1- الترتيبات الضرورية لضمان تهيئة المناخ الملائم لقيام الاستفتاء في موعده. 2- الإتفاق على التدابير الضرورية لضمان قبول وتنفيذ نتيجة اللإستفتاء. 3- إمكانية توصل الأطراف كافة لمشروع «الفرصة الأخيرة للحفاظ على وحدة السودان على أسس جديدة» ليطرح في الاستفتاء. 4- الإتفاق على شراكة إستراتيجية بين الدولتين في حال جاءت نتيجة الاستفتاء لصالح الإنفصال.
في هذا المقال والذي سيليه، سنناقش مشروعي الوحدة على أسس جديدة، والشراكة الاستراتيجية الممكنة بين الطرفين ناتج الانفصال. بالنسبة لمشروع الوحدة على أسس جديدة، فإن التجربة السودانية ومن خلال عدد من المحطات الهامة منذ الاستقلال، أرست دعائم جزءا كبيرا من ملامحه، والتي في نظري تتلخص في الآتي:
أولا: يبني المشروع على ما تم الاتفاق عليه في اتفاقية السلام الشامل، أي لا ينسخ أي بند من بنود الإتفاق، بل يعمل على تطويره لمصلحة تطلعات شعبنا في جنوب الوطن
ثانيا: يعيد المشروع النظر في هيكل الحكم والسلطة، بما في ذلك النظر بعين الإعتبار لمقترح تقسيم البلاد إلى كيانين: الكيان الجنوبي والكيان الشمالي ويضم خمسة مناطق (أقاليم، كيانات) هي: كردفان، دارفور، الأوسط، الشرقي، الشمالي. أما العاصمة القومية، الخرطوم، فتتميز بوضع خاص كمركز (District) ذو مسافة واحدة من الكيانين. ووفق هذا المقترح سيكون لكل من الكيان الشمالي والكيان الجنوبي حكومته الخاصة، واللتان ترتبطان بالسلطة الإتحادية في الخرطوم، مع توضيح مضمون السلطات والصلاحيات وتوزيعها بين السلطة الإتحادية والكيان الشمالي، وبين السلطة الاتحادية والكيان الجنوبي. ولعل كلمة السر وراء صمود وفعالية تقسيم كهذا، هي الديمقراطية. ديمقراطية الحكم اللامركزي القائمة على إزالة المظالم وعلى تلمس رغبات السكان بصورة ديمقراطية عند إجراء أي تقسيم إداري، وعلى مراعاة مسائل الهوية وإحترام الثقافات المحلية والمساواة بينها جميعا.
ثالثا: يحترم المشروع ما تم الإتفاق عليه في اتفاق السلام الشامل حول توزيع الثروة بين الشمال والجنوب، ويبني فوقه بالنسبة لباقي السودان، منطلقا من عدة مرتكزات، أهمها: 1- مراعاة التوازن الجهوي وحماية الشرائح الاجتماعية الضعيفة، فما تعانيه بلادنا من تشويهات هيكلية كرست امتياز فئات معينة، ومفارقات تنموية بين الأقاليم المختلفة، واتساع دائرة الفقر، وتدهور الخدمات...الخ. 2- قومية كل الثروات الطبيعية في السودان، مع ضرورة أن نضع في الإعتبار عدة عوامل حاسمة تتمثل في إزالة المظالم دعما لخيار السلام العادل والوحدة الطوعية، وتوظيف ثروات البلاد في إعادة تعمير وتأهيل الانتاج الزراعي والحيواني والبنية التحتية والتعليم والصحة واقتناء التقنية الحديثة لترقية الصناعة، وفي تصفية آثار الحرب الاهلية وعلاج مأساة النزوح واللجوء، وفي محاربة الأوبئة و الزحف الصحراوي وحماية البيئة..الخ. 3- توزع عائدات الثروات الطبيعية وفق نسب يتفق عليها، وذلك على أساس:أ- نسبة تخصص للميزانية العامة ولخزينة الدولة، مع التأكيد على المعاملة التفضيلية للمناطق المتأثرة بالحرب والمناطق الأقل نموا. ب- نسبة تخصص لميزانية التنمية، مع إعطاء أولوية لمشاريع التنمية في مناطق المعاملة التفضيلية. ج- نسبة تخصص لمناطق التنقيب والاستخراج تستشمر في إصلاح البنية التحتية وخلق فرص عمل وتوفير الخدمات مثل مياه الشرب النقية والعلاج والتعليم..الخ.
رابعا: معالجة قضية الدين والسياسة وفق مساومة تنطلق من حقيقة أن السودان بلد متعدد الديانات والمعتقدات، أغلبية مسلمة ومسيحيون ومعتقدات أفريقية. ومن هنا شرط التسامح والاحترام في المعتقد الديني كمقدمة للمساواة في المواطنة حيث لا تخضع المعتقدات لمعيار وعلاقة الأغلبية والأقلية. ومن هنا أيضا شرط إقرار حقيقة أن الدين يشكل مكونا من مكونات فكر ووجدان شعب السودان، ومن ثم رفض كل دعوة تنسخ أو تستصغر دور الدين في حياة الفرد وفي تماسك لحمة المجتمع وقيمه الروحية والأخلاقية وثقافته وحضارته. وتحديدا، يلتزم الجميع بالمبادئ التالية:
- المساواة في المواطنة وحرية العقيدة والضمير بصرف النظر عن المعتقد الديني.
- المساواة في الأديان، على أن تعترف الدولة السودانية وتحترم تعدد الأديان وكريم المعتقدات وتلزم نفسها بالعمل على تحقيق التعايش والتعامل السلمي والمساواة والتسامح بين الأديان والمعتقدات وتسمح بحرية الدعوة السلمية للأديان وتمنع وتجرم استغلال الدين في السياسة أو الإكراه أو أي فعل أو إجراء يحرض على إثارة النعرات الدينية أو الكراهية العنصرية فى أي مكان أو منبر أو موقع فى السودان.
- الشعب مصدر السلطات والحكم يستمد شرعيته من الدستور.
- سيادة حكم القانون و استقلال القضاء ومساواة المواطنين أمام القانون صرف النظر عن المعتقد أو العنصر أو الجنس.
- ضمان الحقوق والحريات الأساسية السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
- كفالة حرية البحث العلمي والفلسفي وحق الاجتهاد الديني.
- يتأسس التشريع في البلاد على أساس الالتزام والتقيد التام بالمبادئ التالية:1- تعتبر المواثيق والعهود الدولية المعنية بحقوق الإنسان جزءاً لا يتجزأ من دستور السودان والقوانين السودانية ويبطل أي قانون أو مرسوم أو قرار أو أمر أو إجراء يصدر مخالفاً لها ويعتبر غير دستوري. 2- يكفل القانون المساواة الكاملة بين المواطنين تأسيسا على حق المواطنة واحترام المعتقدات وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الثقافة، ويبطل أي قانون يصدر مخالفا لذلك ويعتبر غير دستوري. 3- ووفق هذه المبادئ يمكن أن تتسع الاجتهادات لكي تشمل مصادر التشريع الدين والعرف مع عطاء الفكر الإنساني وسوابق القضاء السوداني.
في المقال القادم سنتطرق إلى قضايا التسويات بين الشمال والجنوب، في حال الانفصال، والفترة الانتقالية الضرورية لذلك، ومشروع للتكامل الإقتصادي بين الطرفين، بما في ذلك إقرار مبدأ الحريات الأربعة بالنسبة لسكان البلدين، والتي تشمل حرية التنقل، والتملك، والإقامة، والعمل، وصولا إلى التوافق على شراكة استراتيجية تعزز التعايش السلمي بينهما، كما تعلي من إمكانية توحدهما مرة ثانية في وطن واحد.

قراءة في المشهد السياسي

إما وحدة أو شراكة إستراتيجية تحت ظل الديمقراطية (2-2)


في مقالاتنا السابقة، توصلنا إلى استنتاج يقول: إن مشروع الوحدة على أسس جديدة، لا يقصد به فقط السعي للاحتفاظ بالجنوب موحداً مع الشمال، كما أنه لن يصبح في ذمة التاريخ إذا جاءت نتيجة الاستفتاء بنعم للانفصال، بل هو مشروع لإعادة بناء الدولة السودانية نفسها وفق طموحات وهموم مكوناتها المتعددة والمتنوعة عرقياً وثقافيا. كذلك تطرقنا إلى أن ترتيبات ما بعد الاستفتاء لا بد أن تتضمن، في حالة الانفصال، التوافق على شراكة إستراتيجية بين الدولتين الوليدتين. وقلنا إن مشروع الوحدة على أسس جديدة، مقروناً بمشروع الشراكة الإستراتيجية بين الدولتين الوليدتين، يشكلان أساساً قوياً للتكامل في كل المجالات بين الدولتين والتعايش السلمي بينهما، ويعلي من إمكانية توحدهما مرة ثانية في وطن واحد. وقد تناولنا في المقال السابق الملامح العامة لمشروع الوحدة على أسس جديدة، وفي مقال اليوم نناقش مفهوم الشراكة الإستراتيجية.
وفي تناولي لهذا الموضوع، انطلق من قناعة أن الشراكة الاستراتيجية، مثلها مثل الوحدة على أسس جديدة، يمليها صدى التاريخ ومؤشرات مجراه الموضوعي نحو المستقبل، كما تمليها حقائق الجوار والنضال المشترك في الحرب والسلم، قبل أن تكون مجرد حلم مثقفين رومانسيين أو صفقة بين تجار حرب أو حتى محاولة لرأب الصدع..، و بالطبع هي ليست أوهام سياسيين انتهازيين كما كتب أحدهم قبل أيام في صحيفة يومية، متناولا هذا الموضوع بسطحية يغيب عنها فهم دروس التاريخ.
وحتى أكون واضحا حول طرفي هذه الشراكة الاستراتيجية، ومنعا لأي سوء فهم يمكن ان يبتذل الموضوع برمته، أقول أن طرفي الشراكة الاستراتيجية هما مؤسسات الدولتين الوليدتين بعد الانفصال، تلك المؤسسات التي من الضروري أن يعاد تكوينها على أساس الديمقراطية والشفافية، ولخدمة مصالح الشعب. فهي إذن، ليست شراكة يقتصر طرفاها على المؤتمر الوطني والحركة الشعبية. وهنا قد يتساءل البعض: لكن عمليا، كيف يمكن أن يتم ذلك؟ أحاول الإجابة، فأقول:
أولا: إشاعة الديمقراطية كاملة، في الشمال والجنوب، عبر بسط الحريات كاملة وتنفيذ كل متطلبات التحول الديمقراطي التي تتيح حرية التعبير والتنظيم والمبادرة والمشاركة في تنفيذ بنود الشراكة الاستراتيجية. وفي الحقيقة فإن أي اشراكة لا يمكن أن تصب في مصلحة المواطن إلا عبر وتحت ظل الديمقراطية. ومن ناحية أخرى فإن بسط الديمقراطية سيحول دون أن تتحول جوبا والخرطوم ملاذا للفاريين من نير الظلم والقمع في الجهتين وما يمكن ان يتبع ذلك من توتر وتعقيدات في علاقة البلدين.
ثانيا: الشراكة الإستراتيجية التي تخدم مصالح المواطن وتلبي تطلعاته، تتطلب بالضرورة تغيير التركيبة السياسية في الشمال لصالح توسيع المشاركة السياسية وقومية أجهزة الدولة، بعيدا عن شمولية الحزب الواحد وإن تغلفت بمظاهر ديمقراطية هي في جوهرها مجرد زيف.
ثالثا: وقف خطاب الحرب والكراهية المتصاعد بأشكال مختلفة بين شريكي نيفاشا. فالكرات التي يتراشق بها الشريكان اليوم فوق رؤوسنا، تعكس أزمة في الخطاب مصدرها غياب مصلحة الشعب. فهاهو المؤتمر الوطني يتيح الفرصة واسعة لنافثي خطاب الحرب والكراهية والهوس، تارة عبر الصحف، وتارة في ميدان المولد بالخرطوم، وتارة أخرى عبر فتاوى بعض علماء المسلمين، وكل هذه المنابر تدق طبول الحرب محذرة من عواقب الانفصال على المشروع العروبي الاسلاموي، وتحرض على رفض الإستفتاء حول تقرير المصير ومنعه بأي وسيلة...!! أليس هذا هو نفس خطاب الإنقاذ الجهادي الذي سقط متشظيا مخلفا كوابيس مرعبة من ممارسات بيوت الأشباح وجثث الشباب النضر وهي تطفو على سطح النهر قبالة معسكر العيلفون؟! ومن جانبها، يبدو خطاب الحركة الشعبية كردود متسرعة لتكيل الصاع صاعين للمؤتمر الوطني، وربما لتحقيق أهداف أخرى عابرة للمحيط الأطلسي، فتعلن مد يد صداقتها لإسرائيل واصفة إياها بإنها عدوة الفلسطسنيين فقط، أما شعب جنوب السودان فغير معني بهذه العداوة..!!، مما أثار ردود أفعال عنيفة في فلسطين والعالم العربي، لدرجة أن بعضهم تساءل مستنكرا كيف تتبنى الحركة الشعبية مواقف تساند بغير وجه حق حكومة إسرائيل العنصرية التي قامت على أساس المجازر والإرهاب والتآمر ضد مصالح الشعوب والسلم في العالم؟.
أعتقد أن العديد من الكتاب والخبراء والسياسيين، تطرقوا إلى الملامح العامة للعلاقة التكاملية الاستراتيجية بين الدولتين الوليدتين في حال أجاب الاستفتاء بنعم للإنفصال. فبجانب مفهوم الحريات الأربعة، والمتمثلة في حرية الإقامة والجنسية المزدوجة لمواطني البلدين، وحرية العمل والتملك والتنقل بدون تأشيرات، تم التوسع في شرح وتوضيح عدد من السمات العامة الأخرى، مثل: حرية التجارة بدون جمارك بين الطرفين، خاصة تجارة الشريط الحدودي الممتد لحوالي مليون وخمسمائة كيلومتر عبر ولايات التمازج التسعة، إستمرار العملة الواحدة لفترة طويلة نسبيا، معالجة قضية الديون الخارجية وقسمة الأصول الثايتة، إستمرار تمتع الدولة الجديدة بالاتفاقات العالمية المبرمة مع السودان حول الطيران المدني واستخدام الأجواء لحركة الطيران العالمي...الخ. وفي دراسة إقتصادية، مستندة إلى تقارير صندوق النقد الدولى ووحده مجلة الايكونمست، أعدتها منظمة « أفريقيا العدالة» أو «Justice Africa»، ورد أن شركة «توتال» للبترول قامت بعمل دراسة جدوي لإنشاء خط انابيب لنقل النفط عن طريق ميناء ممبسا الكيني، فوجدت تكلفته حوالي 4.2 بليون دولار امريكي، إضافة إلى صعوبة تأمينه. وبالتالي فإن البديل المنطقي، من كل النواحي خاصة من ناحية الجدوى الاقتصادية، هو إستمرار تدفق بترول الجنوب عبر منشأت خط الأنابيب ومصافي التكرير الراسخة التأثيث في الشمال في إطار اتفاقية ترضي الطرفين. وتضيف الدراسة أن الدولة الفتية في جنوب السودان سوف تكون دولة بلا مواني بحرية وعليها ان تصل الي اتفاق مع دولة الشمال ذات المنافذ البحرية لكي تقوم بالتصدير والاستيراد عبر موانيها.
التاريخ القريب يحدثنا عن تجربة رابطة الدول المستقلة التي تشكلت من البلدان التي كانت متحدة في جمهوريات الاتحاد السوفيتي الإشتراكية ثم أعلنت استقلالها عقب إنهياره. ومع الفارق الكبير بين تلك التجربة والمتوقع عندنا في يناير 2011، إلا أن الضرورات التي بموجبها إستمرت تلك البلدان المستقلة عن بعضها البعض والمتمتع كل منها بسيادة وطنية كاملة على أراضيه، الضرورات التي فرضت على تلك البلدان التعايش في رابطة، أو إتحاد أو commonwealth، تستحق منا النظر والدراسة. وفي هذا السياق، أجد أن أحد الخيارات، أو السيناريوهات، التي طرحتها «المنظمة الوطنية لدعم الوحدة الطوعية» في ورقتها «الرؤية الشاملة للعلاقة بين الشمال والجنوب» حول خيار الاتحاد التكاملي لدولتين مستقلتين، أجد أنه يستحق الدراسة، وهو في كثير من جوانبه يتطابق مع ما أعتقده حول مفهوم الشراكة الاستراتيجية المذكور في هذا المقال. تقول الورقة: «لا ينبغي أن يعني تصويت الجنوبيين للانفصال قطع كل علاقة بينه وبين الشمال، فهناك تعايش وتداخل سكاني كثيف ومصالح وقضايا مشتركة تحتاج إلى تعاون ورعاية من البلدين حتى تخدم تلك الروابط والمصالح المشتركة. وإذا اختار الجنوبيون الانفصال فينبغي على حكومة الشمال أن تقبل ذلك الخيار وتحترمه وتعترف بحكومة الجنوب المستقلة عند إعلانها وتسعى للتعاون معها ومساعدتها في المجالات المختلفة. والمقترح الذي نطرحه هو إنشاء اتحاد هيكلي تكاملي بين الدولتين الجديدتين، يقوم الاتحاد على أساس شراكة متساوية في مجال التعاون والإشراف والإدارة لمصالح وقضايا مشتركة موثقة في اتفاقية دولية أو إقليمية بين البلدين. تشمل الاتفاقية لقاءات دورية أو طارئة لرئيسي البلدين، ولجنة وزارية مشتركة، ولقاءات بين وزراء أو كبار المسئولين في مجالات بعينها لمناقشة قضايا محددة تهم الطرفين، ويتم اتخاذ القرار في الأجهزة المشتركة بالإجماع بين الأعضاء. وأن تكون الحدود مفتوحة للحراك السكاني والرعي، وأن تأخذ عملية ترسيم الحدود وقتها في هدوء ودون تشنج فهي بطبيعتها عملية شائكة ومعقدة. ومن المجالات التي تستحق الإدارة أو الإشراف المشترك من قبل أجهزة مختصة هي: مياه النيل، البترول، الجنسية، الحدود، التعاون الاقتصادي، التجارة والمراعي عبر الحدود، حفظ السلام والأمن. ويتم إنشاء اتحاد اقتصادي يشمل سوقاً لتبادل السلع المنتجة محليا والخدمات دون رسوم أو شروط، ويشمل منطقة جمركية واحدة وعملة واحدة، وهو اتجاه بدأ يجد حظه من التنفيذ في شرق وغرب وجنوب إفريقيا. ويجوز تقوية العلاقة بتكوين مجلس منتخب أو مختار من أجهزة منتخبة يتساوى فيه عدد الأعضاء من الطرفين وله حق اتخاذ القرار في بعض القضايا المحددة، وتكون إجازة القرار فيه بالموافقة المتوازية داخل كل كتلة على حدة. وتعضيداً لهذه العلاقة التكاملية ينبغي منح الحريات الأربع لمواطني كل بلد في البلد الآخر (التنقل، الإقامة، الملكية، العمل). ويمكن لصيغة الاتحاد التكاملي أن تتطور في المستقبل لتؤدي إلى تأسيس دولة كونفدرالية واحدة بمستويات حكم وصلاحيات وهياكل تشريعية وتنفيذية متوازنة بين الشمال والجنوب. وبما أن الفترة الانتقالية بعد الاستفتاء (6 أشهر) لا تكفي لتسوية القضايا الهامة التي نصّ عليها قانون الاستفتاء وتطبيقها (الجنسية، العملة، الخدمة العامة، وضعية القوات المدمجة وجهاز الأمن الوطني، الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، الأصول والديون، حقول النفط والإنتاج والترحيل، المياه، ملكية الأراضي، أي مسائل أخرى يتفق عليها الطرفان)، فإن المنظمة الوطنية تقترح مد الفترة الانتقالية بنفس معادلتها الحالية بعد الاستفتاء لسنة أو سنتين حتى يستكمل طرفا الاتفاقية تسوية القضايا المذكورة في مناخ هادئ مريح ويشرعا في تطبيقها دون عنت أو حرج للمواطنين المتأثرين بها.».
أخيرا، وفي إطار ما يجري الآن من مناقشات حول ترتيبات ما بعد الاستفتاء، أقترح التئام سمنار أو مؤتمر أو ورشة عمل بين خبراء سودانيين، من الشمال ومن الجنوب، يمثلون المدارس الفكرية والسياسية المختلفة، للتفاكر والتباحث حول أفضل الصيغ لتأسيس علاقة استراتيجية بين الشمال والجنوب، في حال الانفصال، هدفها مصالح الشعب في الشمال وفي الجنوب، وكيفية تحقيق التعايش الآمن في المنطقة. وإذا تصدت أي من حكومتي الشمال أو الجنوب لتنفيذ هذا المقترح، فأهلا وسهلا، وإلا فلير النور عبر مبادرة شعبية أو من خلال مساهمات جمعيات الأكادميين أو المنظمات غير الحكومية.

الاحداث


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1204

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#44328 [زول سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

11-08-2010 02:05 AM
سلمت يداك وعقلك الراجح يا دكتور والله يكتر من أمثالك


د. الشفيع خضر
د. الشفيع خضر

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة