المقالات
منوعات
يومُ الطين!
يومُ الطين!
03-02-2013 01:01 AM

إشتهر العصر الأندلسي بإزدهار القصور والحدائق وتفجُر الإبداع الشعري والغنائي والموسيقي وبرزت روائع القصص الواقعية التى سكنت مُخيلة التاريخ وشكّلت نواة الرومنسية فى وجدانه، و قصة يوم الطين من أشهر القصص التى سطّرت عن الحب كان بطلها المعتمد بن عباد ملك اشبيلية و صاحب أكبر مملكة في عهد ملوك الطوائف وحدثت هذه الواقعة مع زوجته أمّ أولاده إعتماد المُلقبة بالرميكية.
كلما قرأتُ هذه الواقعة أتتنى روائح المسك والعنبر والكافور وانا أتأملها بعينُ فاحصة إذ لا تمُر على مرور الكرام بل تضعُ فى كل مرةً أثراً لا ينمحى ابداً ، فكم نحنُ بحاجة الى سماع مثل هذه القصص فى الوقت الذى تضجُ فيه محاكم الأحوال الشخصية بقضايا الطلاق والخُلع والنفقة والحضانة وتطفو فيه الخلافات الزوجيه على سطع المجتمع، بل ويتشدق الجميع بالمسلسلات التركية بحثاً عن رومنسية تائهة وسط الهموم اليوم اضعها بين أيديكم قصة حقيقية واقعية وليست محض خيال كاتب ولا صنع سيناريست.
رأت إعتماد ذات يوم بإشبيلية نساء البادية يبعن اللبن في القرب وهنّ رافعات عن سوقهنّ في الطين، فقالت للمعتمد: أشتهي أن أفعل أنا وجواريّ مثل هؤلاء النساء، فأمر المعتمد بالعنبر والمسك والكافور وماء الورد، وصيّر الجميع طيناً في القصر، وجعل لها قرباً وحبالاً من إبريسم، وخرجت هي وجواريها تخوض في ذلك الطين.
وللمعتمد مواقف أخرى أقوى من تلك المروية عن قيس وليلي أو روميو وجولييت، كقصة زواجه و حبه لإعتماد الرميكية التى كانت جارية مملوكة، و ما صاحب هذه الحياة من أحداث مثيرة
ففي يوم كان المعتمد يتنزه مع وزيره ابن عمار على ضفاف نهر الوادي الكبير قرب مرج الفضة فأُخذ بمنظر الماء المتموج فقال:(صنع الريح على الماء زرد) وطلب من وزبره ابن عمار تكملة البيت فعجز عنه ، وكان على شاطئ النهر جوارٍ يملأن الماء في جِرار فقالت إحداهن (أي درع لـقـتـالٍ لـو جـمــد) فألتفت المعتمد إلى حيث الصوت فلم تكن الصورة بأقل جمالاً من المنطق فبهر بها واشتراها من سيدها وأعتقها ثم تزوجها وكان لا يرد لها طلباً ويفعل المستحيل ليُلبى رغباتها، فطلبت منه ذات يوم أن يُريها الثلج، ولما كان الطقسُ فى تلك البيئة لا بوفر مثل تلك الأُمنية فقد قام المعتمد بزرع أشجار اللوز على جبل قرطبةحتى إذا نور زهره بدت الأشجار وكأنها محملة بالثلج الأبيض.
ولكن ولأن حال الدنيا فى تقلب مستمر فقد أغار جيش ابن تاشفين على إشبيلية وأسر المعتمد وإعتماد وأبنائه ونسائه ، وأُرسل الجميع إلى (أغمات) بإفريقيا ،و عاشوا حياة الفقرو ذاقوا معاناة وضنكاً، حتى أن بناته أُضطررن الى بيع الغزل حتى يكفيهن الحوجة وسؤال الناس فإحتج المعتمد على ذلك ووبخ إعتماد التى كانت تحثهن على ذلك وقال لها انها لن تنسى أصلها (أى أنها كانت جارية) فغضبت عليه وقالت (مارأيتُ منك خيراً قط) فرد عليها (حتى يوم الطين؟) فما كان منها إلا ان بكت واستسمحته ... ماتت على إثر ذلك الضنك بطلة قصتنا الرميكية ومات المعتمد بعدها بأيام وجداً وحزناً عليها.
همسة من رائية المعتمد بن عباد:
ترى بناتك في الأطمار جائعة **يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة** أبصارهن حسيرات مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافية** كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا
من بات بعدك في ملك يسر به** فإنما بات بالأحلام مغرورا


بعض المعلومات الواردة مأخوذة بتصرف من كتاب نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب- المؤلف : أحمد بن المقري التلمساني- المحقق : إحسان عباس- الناشر : دار صادر- بيروت - لبنان (ج1 ص444).

همسات - عبير زين
[email protected]


تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 2441

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#600479 [lwlawa]
0.00/5 (0 صوت)

03-03-2013 03:29 PM
يعني هناك في الاندلس، برضو كانو شغالين نفس الشغلة ..؟!..اشتراها واعتقها ثم تزوجها ..؟؟
عشان كده طلعو منها زي الشعرة من العجين ..؟


#600037 [Altayb manchester]
0.00/5 (0 صوت)

03-03-2013 02:12 AM
الحزين و المجروح
..:: مشرف قسم القصص و الروايات ::..

*




يسلم قلمك
أستاذة عبير
واشكرك على هذا الجهد الرائع
في الطرح الجميل والمميز
ولك مني كل الودوالتقدير
هذة هي همسات عبير وليس ........؟


#599781 [sudani 100%]
0.00/5 (0 صوت)

03-02-2013 05:57 PM
يغلبن الكريم و يغلبوهن اللئيم فخير لى ان اكون كريم مغلوب ولا لئيم غالب صدق رسول الله (صلعم)
الاخت عبير لو جارى الرجل النساء فى تصرفاتهن لخربت البيوت لذلك ك لرجل يعين معتمد(عريس) ثم يصبر و يصبر حتى يرقى لوالى ثم اذا تكالبت عليه النساء (للجماعه بتوع الدفع الرباعى)يصير زعيما يعترف به سكان المنطقه كلهم.


#599627 [Mickey]
5.00/5 (1 صوت)

03-02-2013 02:56 PM
لسنا ملوك بل هي الملكة سنفعل المستحيل من اجلها وما نملكه ملك لها


يكفي حظر التجول المفروص علينا والطوارئ التي نفاجأ بها ومع ذلك نغني سو يا سو حبيبي حبسني


مخرج **لعب الطين بتاع شُفّع



*


#599568 [وحيد]
5.00/5 (1 صوت)

03-02-2013 01:35 PM
القصة رائعة للامتاع و المؤانسة و لكن الاروع اتخاذها للعبرة خاصة لمن يتولون امر الناس .. اذ ان الملك و العز و الجاه عارية فما بين غمضة عين و انتباهتها يغير الله من حال الى حال
هل يعتبر اصحاب السلطة الذين اتخذوا الامر للسلطة و الجاه و نعيم الدنيا و شيدوا القصور بالكميات ؟؟؟


#599421 [وضح.. أبن... أفصح]
5.00/5 (1 صوت)

03-02-2013 10:47 AM
حفظك الله أختنا عبير... وزاد الله من أمثالك في زمن كدنا فيه أن نيأس من أن نجد من رقي ذوقه حتى يطالع مثل هذه القراءات الأدبية والفنية التي تشذب الذوق وتهذب النفس... فشباب اليوم ما بين الضياع والسقوط كدنا أن نفقد فيه أمل النهوض والعودة... ولكن تأتي أنت لتذكرينا أن (الخير في أمتي إلى يوم القيامة)"حديث لا أصل له ولكننا نستشهد به هنا كأثر هادف"... من هنا... من إضاءاتك هذه... نحث كل الشباب السوداني بأنه من جزيئيات النهضة بالفرد والمجتمع السوداني وبالأخلاق الشخصية خاصة: تهذيب النفس بالمطالعة الهادفة والرزينة والممتلئة بالعبر والقيم والأهداف السامية.
أختنا عبير... ما أوردتيه في مقالك تذكير لنا بأن لا نفتات على قوة الله بما بين أيدينا... وأن نتحسب لقسوة الأيام قبل حلولها... فإن دوام النعمة (في غالبه الأعم) هو ضرب من المستحيل.
نفعك الله وإيانا بما قرأنا... وجزاك الله كل الخير.


#599258 [درب الأربعين]
5.00/5 (1 صوت)

03-02-2013 02:35 AM
شكراً عبير زين علي أختيارك الجميل للمواضيع وشكراً لقلمك الأنيق.

وبالرغم من إستماعي علي قصة(يوم الطين) من قبل، عبر متابعتي
لسيرة(تاريخ الأندلس) للدكتور راغب السرجاني، إلا أنني أستمتعت
بقراءتي لحثياتها للمرة الثانية. وقد زاد أعجابي ختامك الذكي للقصة
بالبيت التالي:-

من بات بعدك في ملك يسر به** فإنما بات بالأحلام مغرورا

(وما أكثر المغرورين)!!!


عبير زين
عبير زين

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة