المقالات
منوعات
فاوضني بلا زعل : مرافعات في الحب والتفاوض
فاوضني بلا زعل : مرافعات في الحب والتفاوض
01-08-2016 09:08 PM


وددت أن أطرز قراءتي لمقال من هارفارد بزنس ريفيو عن فن التفاوض برنة سلك حنونة من فنان الشمال القدير النعام آدم كإتكاءة للقاريء الكريم وهو يطالع مادة ربما كانت مشرشرة الأ طراف كورقة الذرة على حد تعبير أديبنا الراحل الطيب صالح. وما دام المقال هو حديث المحدثين وعلماء النفس عن التفاوض وفنونه فلنترحم على فنان الطنبور النعام آدم الذي غني ربما في الستينات أغنية جميلة "فاوضني بلا زعل"
فاوضني بلا زعل ياخى
طمنى أنا عندي ظن
يبقى بكرة المحبوب يصل
وينقطع شيال الخير
يا اخي فاوضني بلا زعل
تلك أغنية بسيطة في كلماتها التي تتمركز حول فكرة بناء مناخ ايجابي يتمكن عبره العاشق من الوصول الى مرافيء الحبيبة وسط أجراءات أشبه باجراءات بناء الثقة confidence budding measures وفقا لمفردات قاموس المفاوضات في عصرنا احالي وما تنطوي عليه من قيم وممارسات ربما كان لمعطيات علم النفس دور في انتاجها وتطبيقها والانتفاع ببركاتها لا سيما تلك التي تتعلق بعواطف المفاوض وحسن استغلال تلك المعطيات بما يمكنه والمرجع هنا مجلة "هارفارد بزنس ريفيو " في عددها لشهر ديسمبر 2015. والحقيقة يا اخواني أنني دائم التأمل في مفرداتنا الشعبية التي أجدها في كثير من الأحيان ذات تقاطع جميل ان لم يكن تشابه مع روائع الأدب أو الفكر العالمي وأذكر ذات مرة أنني عقدت مقابلة طريفة مع بعض المفردات التي وردت من شاعر الشمال حسن الدابي وأداها الفنان الراحل النعام آدم فيما يتعلق بتحسين المناخ التفاهمي بين العاشق ورموش الحبيبة فالنعام مثلا في إحدى أغنياته يقول:
من جبينو بيسطع النور
والخدود باقات من زهور
ولدى شكسبير على لسان روميو تجاه النور الساطع من خدود الحبيبة:
She doth teach the torches to burn bright!
It seems she hangs upon the cheek of night
وفي أداء آخر:
من نيرانو محروق
قلبي شاتلنو عجو الشروق
قلت أشيل حبة ومنو أضوق
سيدو قال لي دا ماهو للسوق
ليس ببعيد عن جماليات شكسبير واصفا جمالا فريدا ليس للعرض أو السوق :
Beauty too rich for use, for earth too dear!
وربما كانت تلك المعاني تقترب من مقاصد شكسبير على لسان روميو واصفا لمحبوبته بالشكل المنوه عنه. ولا غرابة في ذلك ‘ ف بحر الوجدان العالمي على تنوعه ، يتوحد في كثير من الأحيان في وصف لواعجه وشئونه. إن الحب وأشعار اللوعة والحنين في تقديري هي نوع من التفاوض الوجداني بين العاشقين –فالعاشقين رفاق كما في أغنية التاج مصطفى تلك لأخطل الصغير-
فلقد يعينك من شكوت له الهوى
في حمله فالعاشقين رفاق.
وربما أستطاع متذوق أو دارس ملاحظة أوجه شبه كثيرة بين سيد عبد العزيز في "مسوا نوركم" وشكسبير أيضا. سيد في تلك الأغنية يقول لمن يخاطبهم : أجعلوا مسائكم مضيئا بالنظر إلى خد الحبيبة الوضاح حيث سيتراجع ضوء المصباح الذي يتضاءل أمام نور صبح خديها الوهاج .

مسوا نوركم وشوفوا
المن جبينوا صباج
والصباح ان لاح
لا فايدة في المصباح
,وفي تفاوض العاشقين لفتح مسارات الدرب والتئام هذا عبدالرحمن الريح:
أخجل البدر يخمد المصباح ياليل هات لينا صباح
نحن كل صباح نبني في الآمال ماوجدنا رباح
سرنا المكتوم بالدموع إنباح والسهاد أصبح أمرو لينا مباح

كما لدى شكسبير عندما يخجل وجه الحبيبة الذي هو كضياء الصبح المصباح:

As daylight doth a lamp. Her eye in heaven
Would through the airy region stream so bright
كما أن عبارة "يخجل البدر" لدى عبد الرحمن الريح نجدها مختبئة في ثنايا شكسبير عندما خاطب روميو شمس وجه الحبيبة المشرقة التي أخجلت البدر"قتلته" عند شكسبير"
Arise fair son
And kill the envious moon
Who is already sick and pale with grief
وعودة إلى مقال هارفارد بزنس ريفيو وفن التفاوض "بلا زعل" بالشكل الذي اراده الفنان الراحل النعام قبل عقود في حالة من حالات التطابق الوجداني مع المحدثين في مجال التفاوض فقد كتب المستر أليسون وود برووكس الأستاذ في مدرسة هارفارد للأعمال عن دور المناخ العاطفي أو الانفعالي باعتبار ذلك فن لازم لايصال المفاوضات الى تمامها والمقال في جملته يقدم وصفات تدعمها الدراسة البحثية لكيفية استخدام المزاج العاطفي والإنفعالي بما يحقق مصلحة المفاوض والمفاوضات. وفي بلادنا التي يا طالما احتاجت للتفاوض لإطفاء الحرائق هنا وهناك، فربما كان التعرض لهذا الموضوع تعميق لمبدأ التفاوض بدون زعل حيث أكد الكاتب أن هذه وصفة عظيمة لا تعوض. إن الكاتب يؤكد على أن للعواطف تأثير سحري على الطرق التي يتمكن عبرها الناس من تخطي الصراع والتوصل إلى إتفاق . وبدلا من تبني هذا النهج الذي يركز على دور المزاج العاطفي في التفاوض ، عادة ما يركز الباحثون في هذا المجال على مفاهيم التكتيك والاستراتجيات والبدائل والعروض والعروض المضادة وما إلى ذلك من نواحي إجرائية . إن الكاتب يشير إلى التوجه الحديث في مجال التفاوض من قبل الباحثين خلال العقد المنصرم ، بات أكثر تركيزا على الطريقة التي تؤثر بها مشاعر معينة كالغضب والحزن وخيبة الأمل والقلق والحسد والإثارة والأسف على سلوك المتفاوضين . في هذا المقال يقدم الأستاذ برووكس فرعا جديدا من البحوث وهو فرع يركز على دراسة الفرق بين ما يحدث عندما يحس الناس بتلك المشاعر وبينما يحدث عندما يعبرون عنها للطرف الآخر بالكلمات أو الأفعال ففي المفاوضات ذات الطابع الأقل إجرائية كتلك التي تستدعي بناء علاقة طويلة الأمد بين المتفاوضين ، تحظى مسألة فهم دور العواطف بأهمية أكبر مما هو عليه الحال في حالات التفاوض لعقد صفقات المعاملات وابرامها. كاتب المقال يريد باختصار منا كمتفاوضين أن نتعلم الطريقة التي نضبط بها عواطفنا والتعبير عنها وبين هذه وتلك ، هناك طرق محددة لذلك يسميها الكاتب "عباءة العواطف" . في أغنية النعام آدم تلك ، كانت عباءة الحبيبة التي آرادها كاتب هارفارد هي عينيها النجل وهي تفاوض ,و "تبهدل"محاميين قديرين في بلادنا:
نظرة من عينيها الزُرُق
ترهب المحجوب وزروق
. لقد دل البحث كما يؤكد كاتب المقال على أن إظهار القلق يؤدي إلى نتائج مفاوضات دون المستوى الأمثل وهنا ينصح الكاتب الأشخاص ذوي الميل نحو القلق وغيره من العواطف عند التفاوض بشأن صفقة ما باتخاذ إجراءات معينة لعدم إظهار تلك العاطفة “ألجياشة" وجعلها أقل وضوحا لدى الطرف الآخر من التفاوض بإخفائها في تلك العباءة الذكية.. إن الكاتب يسترسل في عرضه السلس فيشير إلى أن القلق هو حالة من الإجهاد عند التفاعل مع محفز مهدد خاصة في الحالات غير المألوفة التي قد تسفر عن عواقب غير مرضية وذلم بخلاف الغضب الذي يدعو الناس لتصعيد الصراع في معادلها طرفيها إما القتال أو الهروب fight or flight فالقلق هنا يضغط على زر الهروب ويجعل الناس أكثر ميلا لمغادرة المشهد.ولأن الصبر والمثابرة أمرا ن مرغوبين دائما عند التفاوض فإن النزوع إلى مغادرة المشهد بسرعة يفسح المجال لنتائج عكسية لا يحمد عقباها . لذلك يحدعو الكاتب إلى تفادي القلق بعد أن أثبت البحث العلمي الذي قام به أن المفاوض القلق يسارع إلى تقديم عرض أولي ضعيف ويستجيب بسركة أكبر لأى خطوة يخطوها نظيره المفاوض بالرغم من التحذير المسبق لهم بألا ينحوا هذا المنحى وهذا يفسر كيف أن المفاوض المحنك يعمل متعمدا على إثارة مشاعر القلق في نظيره إعمالا لآليات النتائج العكسية فيه بعد رفع درجة القلق في أوصالالمفاوض الآخر . تجنب القلق يتطلب أن ،نخضع أنفسنا لتدريب شاق على ذلك والا فإن الإستعانة بخبير مفاوض خاصة في مجالات الأعمال كما يرى الباحث ، يظل أحد السبل الممكنة في هذا الخصوص.
نختتم مرافعتنا هنا في ساحات العشق والتفاوض بتحذير الكاتب من أضرار الغضب أثناء التفاوض فاللغضب أثر مدمر حتى وان تصافت النفوس لاحقا. يختم الكاتب مقاله مؤكدا على همية توفير استراتجية قوية للتفاوض العاطفي أسماها "استراتيجية العواطف". وهنا فلا بد من تمتع المفاوض بذكاء وجداني يمكنه من استيعاب الخارطة العاطفية للطرف الآخر. ولأن التفاوض عملية تعاونية لا تنافسية فبامكانك ادخال السرور في نفس مفاوضك وتنفيس قلقه وتعزيز الايجابية داخله بهذا السلوك. قد يكون الطرف الآخر اندفاعيا أم مفرطا في الثقة وهنا فلا بأس من جرعة غضب مدروسة منك تعيد لتوازن العاطفى يسميها الكاتب "جرعة الغضب الصحي". إن خير المفاوضين كما يقول الكاتب من يحققون لأنفسهم قدرا من النجاح زارعين في نفس الطرف الأىخر احساسا مماثلا حتى وإن لم يكن الحال كذلك بأنهم أيضا هم الفائزين!
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2439

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1397837 [الحق ابلج]
0.00/5 (0 صوت)

01-10-2016 03:03 AM
انها مرافعه جميله جمعت بين الادب والسياسه وشكسبير والدابى والنعام والغناء ولغة الحوار وكيفية ادارته .
الحوار الصادق يا دكتور لا يحتاج الى مزايدات ولا غتاتات وهذا ما عرفناه عن اهل الانقاذ يوم مجيئهم ولا أظنهم سيفهمون مثل هذا الكلام العالى فمن شب على شئ شاب عليه

[الحق ابلج]

د .عبدالرحيم عبدالحليم محمد
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة