المقالات
السياسة
لماذا الهوية؟!
لماذا الهوية؟!
11-19-2015 05:43 PM


لماذا الهوية دون غيرها من مجالات الفكر هي الشغل الشاغل للسودانيين، ولماذا استعصت هذه الهوية حتى أصبحنا يوميا نطاع مقال أو عدة مقالات عنها. هذا ما سنحاول ان نجاوب عليه في هذا المقال.

مدخل تاريخي:

ظل سؤال الهوية مما قبل الاستقلال هاجس يؤرق كل النخب السودانية، وقد اجتهدت تلك النخب في الإجابة على هذا السؤال واتجهت إلى مشارب شتي في بحثها حتى انحصرت داخل ثلاثة مدارس فكرية وهي المدرسة العربية الإسلامية والمدرسة السودانوية ومدرسة الثقافة الغربية، وظل الوضع كما هو عليه دون فصل منهجي واضح بين المدارس الثلاث إلى ان أتي الاستقلال واستلم زمام الحكم مجتمع التحولات الذي يتكون من نخب من كل السودان مع أفضلية واضحة لنخب الوسط وانحازت تلك النخب مجتمعة إلى رؤية المدرسة العربية الإسلامية التي كان الأقرب لتمثيلها أفرادا وقيما مجتمع الوسط، ولذلك مع هذا الانحياز صعد أبناء الوسط إلى الواجهة وانزوت مدرستي السودانوية والثقافة الغربية نتيجة للضغط العددي الذي أوجدته رؤية المدرسة العربية.

أهمية الهوية:

مفهوم الهوية الحقيقي الذي لم تصرح به النخب إلا همسا يكمن داخل سؤال من نحن؟ كذات كلية أو كجماعة أو ثقافة واحدة، فالمفهوم من هذه الزاوية يتضح علوه على المفاهيم الأخرى واحتواءه لها إذا كان الديني أو السياسي أو الاقتصادي أو غيره، فمن خلال مفهوم الهوية تتشكل كل القيم الأخرى لتصب داخل ذات واحدة كما يفترض. ولكن وجود الفكر المدرسي للثقافة العربية والغربية دون استيعاب حقيقي للواقع السوداني وغياب مفكري المدرسة السودانية أدي إلى استعلاء القيم والمفاهيم الكلية للمدرسة العربية والغربية على الواقع السوداني وفرضها على ذلك الواقع رغم تناقضها في كثير من الأحيان مع قيم الواقع السوداني، وبالتالي خرجت تلك القيم خارج إطار الاستيعاب الكلي وأصبحت هي تمثل مركز لبقية القيم التي عليها ان تتواءم معها.

فلا يمكن لمجتمع ان يمثل ذات كلية لكل أفراده إذا لم تتكامل القيم العليا التي تقوده مع بعضها البعض ولكن في ظل التناقض الذي تقوده مدرستي العروبة والإسلام من جهة ومدرسة الثقافة الغربية من جهة أخرى تناحرت الثقافة السودانية مع بعضها البعض، تبعثرت وتآكلت من داخلها ومن أطرافها. فالثقافة العربية الإسلامية تفرض قيم مجتمع آخر على المجتمع السوداني وتفرض عليه إتباع تلك القيم دون إدراك لاختلاف تحولات الثقافة السودانية عن الثقافة العربية، فالثقافة العربية في جوهر الهوية تعبر عن عرب مسلمين والقيم التي يتعامل معها هي قيم تاريخية للثقافة العربية، ولكن إذا تغاضينا عن كل ذلك حتى لا ندخل في جدل ديني ليس هذا مكانه، تلك الهوية في أفضل الأحوال تعبر عن عرب ومسلمين وبالتالي أين مكان الآخرين الذين ليسوا عرب وليسوا مسلمين، فرغم الاجتهاد الذي حاولته كل نخب هذه المدرسة ولكنها لا يمكن ان تخرج خارج إطار الهوية الأساسي ولذلك لا نجد استيعاب حقيقي للآخر كآخر كامل الإنسانية داخل هذه المدرسة، إذا ادلجة الفكر العربي من خلال الدين لا يجب ان يعمينا عن القصور الواضح في هذه المدرسة وتأثيرها السلبي على الواقع السوداني.

كذلك استعلت بعض قيم الثقافة الغربية في السياسة وحقوق الإنسان ودعمت ذلك الاستعلاء بمفهوم العلم الذي تفترضه الثقافة العربية باعتبار ان قيمها تعبر عن قيم علمية لا يمكن دحضها، فاذا تغاضينا عن طريقة الحياة المادية البحتة قليلا فلا يمكننا ان نتغاضى عن مفاهيم مثل الحرية المطلقة والفردية المطلقة التي تتناقض مع كثير من قيم الواقع السوداني، واستيعابها كما هي اثر بالإضافة إلى المدرسة العربية على الواقع السوداني. ولكن التأثير الحقيقي الأول والمباشر هو غياب مفكري مدرسة الثقافة السودانية الذين كانوا من الممكن ان يبعدوا اثر تلك الثقافات ويعيدوا للمجتمع توازنه، فغياب تلك المدرسة هو المساهم الأول في الارتداد الذي نلاحظه في المجتمعات السودانية التي ارتدت إلى مكوناتها الأولية من جهوية وقبلية عندما لم تجد تلك المجتمعات ذاتها عند الفكر المدرسي المسيطر، فحتى مجتمعات الوسط ارتدت إلى بيئتها الأولية نتيجة لسيطرة المدرسة العربية الإسلامية وفرضها لكل القيم والمفاهيم التي تعترف بها فقط مما أدي الى نفض مجتمع الوسط يده عن تلك المدرسة واعتماده فقط على بيئته الأولية، وقد كان لهذا الارتداد اثره في بعث تلك المجتمعات لبعض القيم التي اندثرت أو كانت آيلة للاندثار وعادت تلك القيم نتيجة لارتباطها بالمجتمعات الأولية من جهوية وقبلية، بل حتى النعرات من عبيد وعرب عادت إلى الساحة وعادت معها تراتبية بشكل جديد وهي التراتبية القبلية.
من هنا تتضح أهمية الهوية فهي المسبب الرئيسي للتيه الذي تعيشه الدولة السودانية فهي ليست مفهوم فقط ولكنها إحساس يمتد من الفرد ليشمل الجميع بالانتماء الى قيم محددة، ولذلك إذا أردنا إيجاد ذات كلية تحتوى كل السودانيين لينصهر الجميع داخل كيان واحد دون وجود قيم مضادة تؤدي إلى ما نشهده من فوضي على الساحة السودانية منذ الثورة المهدية التي حاولت توحيد السودانيين وإيجاد معني للثقافة السودانية ولكنها اصطدمت بالهوية وأزمة تعريف الإنسان السوداني وقادها ذلك الاصطدام إلى هزيمة نفسها قبل ان يهزمها الاستعمار، أو كذلك في التيه الذي تعيشه الدولة السودانية مما قبل الاستقلال والى الآن، اذا اردنا تجاوز كل ذلك علينا إيجاد مفهوم حقيقي للهوية السودانية يعبر عن كل السودانيين وان تكون القيم المعبرة عن تلك الهوية هي قيم نابعة من الثقافة السودانية.

الطريق إلى الهوية:

مما سبق يتضح عمق الأزمة بالنسبة للثقافة السودانية نتيجة لعدم وجود مفكري المدرسة السودانية أولا مما يجعل المجتمعات تدور حول نفسها، وكذلك بقاء المدرستين العربية والغربية على حالهما دون اختراق حقيقي لتلك المدارس ومراجعة ايدولوجياتها الدينية والعلمية، فوجود تلك المدارس فوق كل ما هو سوداني وفرض قيمها ومفاهيمها كقيم عليا على كل ما هو سوداني سيؤدي باستمرار على رفض بعض السودانيين لبعضهم مما يؤخر عملية الوعي الثقافي وإيجاد قيم ثقافية كلية.

فإذا لم تسعي النخب إلى إيجاد فكر سوداني نابع من ذاتها ومستوعب لكل تحولات مجتمعها ويعيد التوازن للإنسان السوداني إذا لم يحدث ذلك لن يكون هنالك ثقافة سودانية تشمل جميع السودانيين فلا يجب ان يكون هنالك تناقض في المفاهيم الكلية التي تقود الثقافة الواحدة، وعلى ذلك الفكر ان يجيب على أسئلة مدرستي العروبة والمدرسة الغربية وتفكيك الايدولوجيا التي تقودهما إذا كانت الروحية العربية أو العلمية الغربية. ففي بحث المدرسة السودانية عن ذاتها فهي في ذات الوقت ترد على تلك المدارس وترد ايدولوجياتها إلى أساسها الأولي كفكر إنساني قابل للحوار والجدال.

فلابد إذا لمفهوم الهوية ان يكون واضحا ويحتوى على فكر يستوعب كل القيم ويردها إلى منبعها التاريخي، فلا يكفي ان نقول ان السودان للسودانيين ونصبح بذلك قد أنتجنا هوية، ولكن علينا تعريف تلك الهوية فكريا واستيعاب المجتمع السوداني وتحولاته التاريخية وإيجاد القيم الكلية التي تستوعب كل المجتمع السوداني، فالهوية لا تحسم بالأغلبية المكنيكية فهي لا تخضع لمفهوم أغلبية وأقلية فهي إحساس فردي بالانتماء ثم يتحول إلى جمعي ثم إلى كلي، فيجب على الجميع ان يتساوى في ذلك الإحساس بالانتماء وهو حق إنساني لا يمكن سلبه، فلا يمكن ان تفرض على احد ان يغير إحساسه حتى يتوافق معك. وتعريف الهوية يبدا بالمفهوم الكلي للذات وبالتالي تعرف من هو الاخر وكذلك تعرف الإله والطبيعة وعلاقة الذات بهما، ثم يكون هنالك تعريف للذات الكلية وعلاقة أجزائها بها، اي المجتمعات وعلاقتها بالذات الكلية ثم المجتمع الواحد وقيمه الداخلية وكذلك لا ننسي تعريف مفهومي المرأة والرجل في الذات الكلية أو في المجتمعات الداخلية.

في المقال القادم سنحاول توضيح ماهية الحل لازمة الثقافة السودانية.


[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 2627

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




خالد يس
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة