المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الشوش- منصور خالد وبالعكس
الشوش- منصور خالد وبالعكس
11-10-2010 12:55 PM

غرباً باتجاه الشرق

الشوش- منصور خالد وبالعكس

مصطفى عبد العزيز البطل
[email protected]


(1)
أبدت صديقتنا الكاتبة الصحافية اللامعة منى عبد الفتاح شيئاً من القلق، وأرادت أن تنهاني عن المضي قدماً في خطة مقالي الأسبوعي، عندما ذكرت لها أنني أزمع أن أتناول الحلقتين اللتين اتكأ عليهما الدكتور محمد إبراهيم الشوش، في منصته الراتبة بصحيفة "الرأي العام" شبه الحكومية، خلال الأيام القليلة الماضية، ليباشر هجومه المباغت على مواقع الدكتور منصور خالد. جاءتني كلماتها العابرة للقارات، فوق السموات الممتدة من القصيم الى منيابوليس: "أنا أضمن انه سيقال عنك انك أصبحت محامي منصور الرسمي، الذي ينبري للدفاع عنه كلما تعرض للهجوم، وممثل الادعاء الدائم في كل القضايا المفتوحة ضد الدكتور الشوش". وصاحبتي هنا تشير الى مقالين لي سابقين وقفت فيهما بسن قلمي أمام صولة الباطل، وجهدت الى نصرة المبدأ، وموالاة الحق المخذول، من حيث هو حقٌ متجرد لا شخصٌ متفرد. ومقال ثالث لاحق سعيت فيه الى إماطة الأذى الذي أهاله أستاذنا الشوش على جبين الإسلاموي الرشيد، ذي الضمير الحر والفكر المستقل، الدكتور الطيب زين العابدين.
كانت إجابتي: انني على أكمل استعداد للإقلاع عن تسطير المقال، والتعهد بعدم كتابته، والانصراف الى غيره، لو انك أقنعتني بأن وجود أسماء لشخصيات معينة في قلب موضوعات تعرضت لها في السابق، يضع بالضرورة قيداً على مشروعية التصدي للأقضية المستجدة في حال اتصالها بذات الشخوص. على أساس أن هناك حصة محددة - مثل حصص التموين - لا يتجاوزها الكاتب في معالجة القضايا التي تتردد حولها تلك الأسماء، وإلا لحقته شبهة "المحامي" الذي يدافع، أو "المدعي" الذي يسعى للإدانة. ولكنني مع ذلك تفهمت وجهة نظر الأستاذة منى تماماً. فمما لا شك فيه أنه - وبرغم تعويلنا المستطرد، وتصويبنا لخطابنا الجدلى باتجاه القطاعات ذات الدربة الفطرية على التمحيص العقلى والنظر الموضوعى بين صفوف من يتابعون قضايا الشأن العام من خلال المنابر المفتوحة، وهى فى زعمنا قوى الأغلبية، فإن قطاعاً لا يستهان به بين هؤلاء يعانون من شح ملكات التعمق، وندرة مهارات الاستقراء، وضعف القدرة على النفاذ الى اللباب. يفتح الواحد منهم صفحة يتخطف منها فقرة أو فقرتين، ثم لا يستقر في وعيه مما قرأ إلا أقل القليل، فيمضى كما الأهطل: فلان هاجم فلان، أو فلان دافع عن فلان. أما جذور القضايا وأصول الموضوعات فليس له اليها من سبيل!
(2)
جذر القضية وأصل الموضوع الذي نفرنا الى معالجته في يومنا هذا ليس هو شخصية الدكتور محمد إبراهيم الشوش، ولا شخصية الدكتور منصور خالد. بل أن الذي أهمنا وشغل منا العقل والوجدان هو ما كتبه الشوش في نقد منصور. ونحن نقرأ هذا النقد فيهولنا الكم الهائل من المغالطات التي تحير العقل. وتفزعنا الجرأة - التي لا تعرف لنفسها حدوداً - في إعادة صياغة وتشكيل الحقائق الثابتة على الأرض. وتقلقنا أشد القلق مكابدة الرجل لإحلال فرضيات عبثية محل الوقائع الفعلية، وسعيه الدؤوب - تأسيساً على ذلك كله - الى تخليق وتسويق الدعاوى واستثمارها في بورصة السياسة. يدهشنا أكثر كون ذلك كله يصدر عن مثقف رفيع واسع الذكاء، كأستاذنا الشوش، يُفترض انه يعلم جيداً أن الخلط والمزج، والتشويه والتلوين، لو جاز في أحوالٍ كثيرة فإنه لا يجوز في حالة منصور بعينها. لماذا؟ لأن منصور من أكثر السودانيين وأوفرهم - بل لعله أكثرهم وأوفرهم على الإطلاق - تدويناً وتسجيلاً وتثبيتاً وتوثيقاً للآراء والمواقف. ومن بين أكتاف طروس منصور المسطورة، ومن قلب صحائفه المبذولة، التي دأبنا على العب من مُشرعها والاغتراف من معينها بصبرٍ وأناة عبر سنى العمر المتوالية، حتى أصابنا داء الأدمان فطلبنا الطبابة، نزمع أن نعبر الى متن ما كتب الشوش، ونعالجه علاجاً يكون معه الشفاء إن شاء الله.
بين يدي مادتين كتبهما الرجل تحمل الأولى عنوان (من المسئول عن انفصال الجنوب؟) والثانية: (منصور خالد والوهم الكبير). وتدور المادتان حول محتوى حوار صحفي أجراه الأستاذان كمال حسن بخيت ومالك طه، نشرته في حينه صحيفة "الرأى العام". كان أول رد لمنصور على أسئلة المحاورين، حول مآلات الاستفتاء، هو ضرورة أن نعمل جادين حتى لا يتحول الانفصال – إن وقع – إلى فُرقة غاضبة، بمعنى أن لا يحس المواطن في الشمال والجنوب أن تغييراً قد طرأ على حياته: تنقله، مهنته، مكان عمله، تجوله مع مواشيه (في حالة الرحّل)، استغلاله لمصادر الطاقة والمياه، وغير ذلك. في سياق ذلك الحوار استسخف منصور بعض الأسئلة التي وجهها له المحاوران مثل: ما الذي سيصنع منصور إن وقع الانفصال وأين سيقيم؟! ومثل: إن وقع الانفصال فمن يتحمل مسئوليته؟ ولكنه أجاب عليها على أية حال، فقال في معرض الإجابة على السؤال الأخير: (إن المسئولية تقع على كل الأحزاب الشمالية منذ الاستقلال)، ثم مضى قدماً فعدد الأسباب التي بنى عليها حكمه.
(3)
انبرى الشوش فكتب مقالين، وقدَّم لهما بالادعاء بأن منصور ظل صامتاً عن "الأحداث الكبار". وبحسب كلماته: "لم تفلح القيادة السياسية والصحافية المتورمة في معرفة ما يفكر فيه منصور". التورم فيما يبدو ليس هو تورم القيادة السياسية ذات السبع وسبعين وزيراً أو يزيد، بل يعني به الشوش تورم "الصحافة" التي قال عنها إنها: "ظلت غافلة عن صمت الرجل حتى بادر الصحافي الناجح كمال حسن بخيت رئيس تحرير هذه الصحيفة والأستاذ مالك طه بإجراء حوار ذكي مع الدكتور منصور في واحد من الطلعات الصحافية البارعة التي عرفت بها الرأي العام". لا تثريب على الكاتب في الثناء على كمال بخيت فهو صحافي ذو خبرات، ولا على "الرأي العام" شبه الحكومية، فهي صحيفة وراءها تاريخ حافل، ولا على كليهما، من كاتب مقال راتب مدفوع الأجر في تلك الصحيفة. المشكل هو أن "الأحداث الكبار" التي كان الدكتور الباحث المثقف يتمنى أن يتصدى لها من رماه بالصمت ليست هي مآلات الانفصال التي ينبغي أن تكون هي الشغل الشاغل لكل مواطن، وإنما قضايا أخرى تستهمه، فوقع في ثلاثة أخطاء جسام:
الأول، هو أن من رماه بالهروب عن إبداء الرأي حول "الأحداث الكبار" هو نفس الرجل الذي أجلى على القارئ مجموعات ثلاث من المقالات خلال الأعوام الخمس التي انصرمت من عمر الاتفاقية. نشرت جميعها في صحيفة "الرأي العام"، ذات الصحيفة التي يكتب فيها الشوش. المجموعة الاولى من المقالات نشرت عقب التوقيع على الاتفاقية وتتضمن شروحاً لها، وتبياناً للظروف التي أعدت فيها. والثانية، بعد عامين بعنوان "حساب الربح والخسارة": الربح يعني ما تحقق وأنجز، والخسارة هي ما لم ينجز باعتبار ما سيؤدي إليه عدم الإنجاز من عواقب وخيمة. والثالثة، في بداية هذا العام تنبأ فيها منصور بسيناريوهات ما بعد الاستفتاء، ومنها ما أسماه "سيناريو يوم القيامة". هذه المقالات تتضمن نفس الآراء التي عبر عنها منصور في رده على السؤال حول "من هو المسئول عن الانفصال؟"
لا أملك أن أقطع هنا بأن الدكتور الشوش، المثقف الناقد المحلل، قد قرأ تلك المقالات التي فصّل فيها منصور مواقفه ورؤاه تفصيلاً. ولكن جهله بها، وعدم اطلاعه عليها، لا يخوّلان له إطلاق الاتهامات المجانية، والافتراء على غيره بأنه آثر الاختفاء فلم يكتب ولم يبين رأيه وموقفه! والمقالات التي أشرنا اليها قامت إحدى دور النشر بجمعها ونشرها في كتاب بعنوان: "تكاثر الزعازع وتناقص الأوتاد". المفارقة الكبرى هي أن هذا الكتاب بالذات كان يباع في معرض الخرطوم للكتاب في نفس الوقت الذي خرج فيه الشوش بمقالاته الملتهبة واتهاماته الجزافية!
لا نريد من أستاذنا الشوش، وهو عالم وباحث، أن يقرأ كل ما كتبه منصور فيكفيه ما قرأ. ولكن في اللحظة التي يتصدى فيها الناقد - أي ناقد - بالنقد لما أنشأه كاتب آخر في مئات الصفحات، وألحق بما كتب هوامش تبين مراجع بحثه ومصادر معلوماته، فإن على ذلك الناقد أن يقنع القارئ بأن نقده هو أيضاً يقوم على حقائق مثبتة لا على انطباعات ذاتية، أو يرتكز على شذرات مقتطعة مـن متن على طريقة "القطع واللصق"!
(4)
عند مطالعة مقالي الشوش نلاحظ انه اختزل القضية التي تشغل بال أهل السودان - وينبغي أن تشغل بال مثقفيه - في موضوعين: مسئولية الجنوبيين بوجه عام، والحركة بوجه خاص عن الانفصال؛ والثاني تجاهل منصور لهذه القضية. إن كان هذا هو الحكم الذي توصل إليه الشوش والذي توحي كل مقالاته - أو على الأقل يوحي مقالاه هذان - بأن رأيه هو دوماً القول الفصل وما هو بالهزل، فما علينا نحن معشر القراء إلا أن نصدق أن القضية التي تجتمع قيادات الحزبين بشأنها وتنفض، وأن الخطب الجلل الذي يحمل وزير خارجية مصر، أبو الغيط، ورئيس جهاز مخابراتها، عمر سليمان، على التنقل بصورة دورية منتظمة بين القاهرة والخرطوم، وان المعضل الذي حمل الاتحاد الأفريقي على تكليف رئيس جنوب افريقيا السابق تابو امبيكي، ورئيس بوروندي السابق بيير بيويا ليعسكرا في السودان، وأن الهم الأكبر للولايات المتحدة في هذه اللحظة الذي يجعل الجنرال الأمريكي غريشون يحط ويطير على مطارات جوبا والخرطوم، وأن أم القضايا التي يرتحل من أجلها نائب رئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه إلى جوبا كل أسبوع هي - على وجه الدقة - تحديد من هو المسئول عن الانفصال، ثم إدانة الحركة الشعبية والجنوبيين كافه من لدن متمردي توريت على ذلك!
الشوش فيما يبدو يعتمد كثيراً على جهل، بل يفترض عماء القارئ. إذ انه أسقط من ذاكرته وهو يعود بحديث الانفصال إلى أحداث توريت أن تلك الأحداث كانت محل تحقيق قام به قاضٍ عدل، هو الفلسطيني توفيق قطران، إلى جانب مسئولين سودانيين لا يرقى إليهما الشك هما: خليفة محجوب، أحد كبار ضباط الشرطة ومدير عام مشروعات الإستوائية آنذاك، والسلطان لوليك لادو. أدان ثلاثتهم في تقريرهم السياسات الاستعمارية، ولكنهم أدانوا ايضاً الكثير من قرارت الحكم الوطني، مثل السودنة وتأجيج الصراع بين السياسيين الجنوبيين لأهداف حزبية خلال الانتحابات. ثم إن الشوش أغفل أيضاً ورقة العمل التي أعدتها حكومة سر الختم الخليفة لمؤتمر المائدة المستديرة، والتي أدانت فيها سياسات الحكومات المدنية والعسكرية منذ الاستقلال نحو الجنوب، كما أغفل أخيراً إجماع أهل السودان على أن واحداً من أكبر أخطاء جعفر نميري نحو الجنوب كان هو إلغاء اتفاقية أديس أبابا، ولهذا كان من أول قرارات المجلس العسكري الانتقالي وحكومته القومية إعادة الحياة للاتفاقية.
(5)
وصف الشوش - في معرض هجومه على منصور - إلقاء التهمة على النخبة الشمالية الحاكمة منذ الاستقلال ببذرها لحبة الانفصال بالافتئات على الحقيقة والتاريخ، وهو بحسب كلمات الشوش أيضا: "ما يغذي وهماً ظل يعشعش في عقول الكثيرين من أبناء السودان". ثم أضاف: "لو حدث كل ما أرادته الحركة وأراده منصور لما تغير شيئاً". والذي يزعم الشوش أن منصوراً والحركة أراداه هو قبول الفيدرالية عند إعلان الاستقلال، الاستجابة لمقررات المائدة المستديرة، عدم الزج بالدين في منح ومنع الحقوق الدستورية وعلى رأسها رئاسة الدولة (مشروع قانون الدستور في منتصف ستينيات القرن الماضي)، مراجعة قرار الرئيس السابق نميري بإلغاء اتفاقية أديس ابابا. فمن الذي يفتئت على التاريخ؟ في جميع هذه الأحداث لم يكن للحركة أو لمنصور دور. لم يكن لهما دور عندما طالب بنجامين لوكي وصحبه بالفيدريشن في عام 1955م، ولم يكن للحركة وجود عندما تلاقت الأحزاب في مؤتمر المائدة المستديرة، كما لم يكن لها وجود عند مفاوضات أديس أبابا وعند إلغاء اتفاقية أديس أبابا. من جانب آخر أليس صحيحاً أن الوفاق بين نميري والأنانيا قد أنهى حرباً دامت سبعة عشر عاماً وحقق سلاماً دام لعشر سنوات؟ أو لم يكن أول قرار أصدره المجلس العسكري بعد سقوط نميري هو إحياء اتفاقية أديس ابابا؟ (راجع: د. عبد الماجد بوب، "جدل الوحدة والانفصال"، 2009م).
يمضي الشوش في التلبيس فيقول: "ألا يجد الدكتور منصور خالد غرابة واستهانة بكل أبناء الشمال الذي ظل متماسكاً عبر القرون وأنتج الحضارات ان يعتبر تقسيم الجنوب إلى كيانات جريمة لا تغتفر، بينما تمر مرور الكرام قرارات أسمرا للقضايا المصيرية الموعزة من قبل الحركة الشعبية والتي تحتفظ بالجنوب كياناً واحدا، بينما تعتبر الشمال كيانات ثلاثة متعددة. وإذ كان تقسيم الجنوب إلى كيانات ثلاثة جريمة في نظر الدكتور منصور تؤدي إلى الانفصال فكيف نسمي قرارت أسمرا التي تشير إلى كيان الجنوب وكيانات الشمال، والتي وقعت عليها في خنوع ومذلة الأحزاب الشمالية في التجمع وهي أحزاب لم تعد تدري يمينها من شمالها". ونحن نصف مثل هذا القول بأنه تلبيس، لأنه كذلك بالفعل. بل هو أقرب إلى ما أسماه ابن الجوزي "تلبيس إبليس"!
أولاً، لم يتضمن حوار "الرأي العام" مع منصور أي إشارة إلى تقسيم الجنوب في عهد نميري، وإنما وردت الإشارة في بعض ما كتب. ومن واجب الباحث المحقق أن لا يخلط الأمور على القارئ.
ثانياً، عندما أشار منصور فيما كتب (أهوال الحرب مثلاً) إلى تقسيم الجنوب فإنه لم يقصر المسئولية على نميري وحده، وإنما بسطها أيضاً على من سانده من الجنوبيين.
ثالثاً، لم يصف منصور القرار بالخطأ، وإنما بما هو أكثر من الخطأ: خرق العهود والمواثيق. فالموضوع هو أن تقسيم الجنوب يمثل تعديلاً للاتفاقية، وهو أمر لا يملك نميري القرار فيه بمفرده إذ تنص الاتفاقية على أن أية تعديلات لها لا تتم إلا بعرضها على البرلمان للموافقة عليها ثم التصديق عليها شعبياً عبر استفتاء عليها في جنوب السودان.
رابعاً، قرارات أسمرا المصيرية ما ذنبها؟ هذه القرارات لم تتحدث عن الانفصال، وإنما تحدثت عن منح كل شعوب السودان الحق في تقرير مصيرها باعتبار أن ذلك الحق هو واحد من حقوق الإنسان والشعوب بموجب مواثيق دولية، منها ميثاق حقوق الإنسان والشعوب الأفريقي. أياً كانت صحة هذا التكييف القانوني لحق تقرير المصير من جانب التجمع فما معنى أن الأحزاب الشمالية وقعت على قرارها في خنوع ومذلة؟ هل ينطبق ذلك الخنوع وتلك المذلة على ما وقعه الدكتور علي الحاج (الجبهة الإسلامية القومية) مع لام أكول (الحركة الشعبية المتحدة) في فرنكفورت في يناير 1992م قبل قرارت أسمرا؟!
ثم أو لم يكن من وراء هؤلاء الأذلة الخانعين مثقفون كانوا يطلون أيضاً على شعب السودان من صحف تصدر في لندن، تمجد التجمع الوطني المنقذ وقرارته الوطنية الصائبة، ومن بين تلك الصحف صحيفة "الفجر"، التي كانت تحمل كل أسبوع مقالات الدكتور الشوش الفوارة المعارضة، تلهب ظهر العصبة المنقذة بشواظ من نار، وتمجد التجمع وقادته ومقرراته؟ فما الذي استجدّ اليوم؟!
(6)
لم يكتف الشوش بالتلبيس بل ذهب أيضاً إلى التدليس، من ذلك تزويق المقالات بإنشائيات لا تغني عن الحق شيئاً. انظر - يا رعاك الله - الى هذه الفقرة المطولة، وهي بعض ما سطر الشوش وبينا زيفه ومجافاته للحق. تأمل هذا المهرجان الهتافي الإنشائي الذي ينتزع فيه الرجل الوقائع من سياقاتها، ويخلط الحقائق بالأوهام، ثم ينسبها الى غيره دون أن يطرف له جفن: (لو قبل الشمال كما دعا له منصور والحركة: الفيدرالية، قرارات المائدة المستديرة، الإبقاء على اتفاقية أديس ابابا "لكان السودان اليوم في وحدة آمنة ينعم بالمحبة خالياً من الفساد والأطماع والتدخلات الأجنبية الضارة. ولارتفعت فيه الأبنية والأبراج العالية في مدن الشمال والجنوب، وبنيت الجسور على النيل، واخضرت الأرض، وشقشقت العصافير واصبح السودان دولة كبرى وسلة غذاء العالم"؛ كل ذلك لو أن الأزهري والمحجوب وعبد الله خليل قد عجلوا بالموافقة على الفيدرالية. ذلك لعمري وهم بالغ السذاجة لا أدري كيف يمكن أن يؤمن به رجل في ذكاء الدكتور منصور وقامته الفكرية السامقة)!!
في حديثه لصحيفة "الرأي العام" قال الدكتور منصور خالد، الذي وصفه الشوش في الفقرة المتقدمة بـ"الذكي صاحب القامة السامقة": (إن محنة السودان هي إصابة قادته بشهوة إصلاح الكون وأنه لو توفر على قيادته زعامات مثل مهاتير محمد لأدركت أن الواجب الأول والأخير لأي قائد هو الارتقاء بالإنسان..). ليته أضاف أن السودان سيكون أحسن حالاً أيضاً لو انصرف كل ذي مهنة فيه – أولاً وقبل كل شيء – إلى تجويد مهنته، فقيمة المرء ما يحسنه، واحترام التقاليد التي تحكمها، وعدم الاستهانة بعقول من يخاطبهم، وأن لا يقول في "الفجر" ما ينقضه في الظهر!
الجبهة العريضة لاسقاط النظام
ليس بيننا وبين انصار "الجبهة الوطنية العريضة لاسقاط النظام" الا كل خير. بين صفوفها نفرٌ عزيز من أكرم وأجلّ من عرفنا. قرأوا ما كتبنا الاسبوع الماضى فى نقد الجبهة ومكوناتها. وثمنوا جهدنا فى التقويم وبسط الرأى. ثم قالوا لنا انهم اذ يحترمون حقنا فى تجلية الموقف المغاير، فانهم يخالفون رؤانا ويردونها على اعقابها، ويؤمنون بأنهم على صراط الحق المستقيم وطريق الصواب المستقصد. وبين عارض الرأى والمعروض عليه: يفتح الله. ولا تثريب على من وقف مع مبدئه وثبت عليه ووالاه: قف دون رأيك فى الحياة مجاهداً / ان الحياة عقيدةٌ وجهاد.
ولكن ماذا نفعل مع النفر الآخر من الهُبل المهاويس - أدعياء النضال - ممن لم يتعد كسبهم من العمل الوطنى، الذى يتعبطون فى مطارفه تعبطاً، الا الصراخ والعويل والردح والشتم؟ قرأ بعض الأدعياء مقال الاسبوع الماضى، وما هى الا هنيهة الا وأسرجوا حواسيبهم، وامتطوا ظهور الكيبورد، ثم سرحوا يناضلون فى سهول الانترنت: مصطفى البطل كاتب مأجور يقبض المال من مستأجريه نقداً، باع نفسه، فقلمه معروض فى السوق لمن يدفع، تلقى الاوامر من وزير الانقاذ كمال عبد اللطيف ليسطر ما سطر!
يكتب الواحد من هؤلاء بيقين العارف، وكأنه كان حاضراً عندما صدرت أوامر الدفع، ورصت رزم الاوراق الخضراء فى الحقائب. او كأنه كان يتنصت، فاستمع باذني رأسه الى النجوى بينى وبين كمال من جهاز وضعته تحت تصرفه وكالة الامن القومى الامريكية، التى ترصد - من مقرها فى ميريدلاند - دبيب النمل، وتملك وسائل التجسس على مكالمات الدنيا والعالمين.
تجدنى أسائل نفسى أحياناً: هل يا ترى قرأ واحد من مغاوير الكلام المرسل هؤلاء، وتأمل شعر الراحل العظيم عبد الرحمن الشرقاوى: (إن الكلمة مسئولية / إن الرجل هو الكلمة / شرف الرجل هو الكلمة). ام انهم - كما أحسب - لا يفقهون معنى الكلمة، ولامعنى الشرف؟! وهل يا ترى سمع اى من هؤلاء قط وتدبر قول الله، جلا وعلا، فى التنزيل المجيد: (إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا).
أسمع الهرج العائب والمرج الخائب، ما يفتأ يأتينى من تلقاء تلك الطبول الجوفاء، فأضرب الكف بالكف، ثم لا اجد على شفتى ما اهتف به غير مقولة سعد باشا زغلول، يخاطب زوجته من فراش مرضه: ( مفيش فايدة .. ياصفية غطينى)!
نصوص خارج السياق
لقد أنفقنا زمنا طويلا، فى هذه الخلوة المباركة، فى تجويد العبادة، ابتغاء تحقيق القدر المقدور لنا فى العبودية. وقد عطلنا، أو كدنا نعطل شريعتنا فى هذه الفترة، شريعة معاملة المجتمع. وإلا فإن القدر الذى تحقق من العبودية مرضىٌ عندى، وأرجو أن يكون مرضياً عند ربى. معلوم ان السير فى مضمار العبودية سير سرمدى، يتجدد ولا ينتهى. ونحن نريد أن نجدده فى المرحلة المقبلة بأن ندخل شريعة الجماعة فى مضمار العبادة، فتكون لنا شريعتنا وحقيقتنا، فنجود التوفيق بينهما، من غير أن نذهل بالشريعة عن الحقيقة ولا أن نفنى عن الشريعة فى الحقيقة وإنما هو الوزن بالقسط، حيث نعامل الحق بالحقيقة، والخلق بالشريعة، وهذا هو مقام عزكم الذى نسعى لبلوغه. وهو مقامٌ عزيز المنال.

(من رسالة مؤرخة فى 14 فبراير 1984. كتبها، ابان فترة اعتقاله، ووجهها الى تلاميذه الاستاذ محمود محمد طه)

نقلاً عن صحيفة "الأحداث"


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 3670

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#45685 [ezzain]
1.00/5 (1 صوت)

11-11-2010 12:52 PM

المعلق ( حنين )
لماذا انزعجت مما كتب البطل ؟
هبش فيك شنو ؟
قارعو بالحجة ؛ و انت زيو كل فضاءات الكتابة مفتوحة ليك ..
ما تعجز عن مجاراة الرأي بالرأي ..
تحياتي ..


#45516 [حنين]
1.00/5 (1 صوت)

11-11-2010 01:05 AM


مشكلة البطل انه يعتقد انه الوحيد المأذون له باستخدام ( الكيبورد ) وقد كشفت الايام انه ينثر افكار انصرافية ومسطحة متخفية في ( اسلوب ) جيد ، وبات يعتقد البطل انه ( محور ) هذا الكون في دنيا الكتابة ، على البطل ان ( يستفيد ) من قدراته في ( الصياغة ) ويقرأ كثيرا لكتاب مفكرين مثل القراي وفتحي الضو ومرتضى الغالي ، عسى ان يلحق نفسه بعد ان انقلب الى بلطجي ينثر الشتائم في حق مخالفيه بلا حساب.


#45469 [أبوسلمي]
1.00/5 (1 صوت)

11-10-2010 08:09 PM
لماذا تتضايق من النقد ما دام أن علي صواب . دعهم يطربقون علي الكيبورد فهي الوسيلة التي ستغير العالم دعك عن الحكومات . الكاتب من سدنة النظام الحاكم و إن إدعي غير هذا . هذا ما يقرأه القارئ الحصيف بين السطور!!!


#45342 [محمد احمد]
1.00/5 (1 صوت)

11-10-2010 02:15 PM
والله كفيت وأوفيت والما بفهم بعد كده يحتاج بس كفيت طراااااخ عشان يصحى من الغيبوبة التي دخل فيها بفعل التعب وكبر السن وقروش المشروع الغير حضاري التي تستخدم في كثير من الاغراض كشراء الذمم والعقول والاقلام للنيل من الشرفاء من أبناء هذا الوطن .... وليس بغريب بأنها تجمع من الفقراء باستخدام اسلحة الضرائب والرسوم والجبايات والاتاوات والزكاة الفاقدة للسند الشرعي لأغراض غير أخلاقية .... ليكم يوم يا ابالبيس المشروع الغير حضاري ليكم يوم انتم ومن يطبل لكم..... حسبنا الله ونعم الوكيل


مصطفى البطل
مصطفى البطل

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة