المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
جدلية الحكم و التنازع على السلطة... والنزوع نحو التسلط -2 - 2
جدلية الحكم و التنازع على السلطة... والنزوع نحو التسلط -2 - 2
03-15-2013 11:39 PM

تنازع الإنسان على السلطة ..ونزوعه نحو التسلط
إن الإنسان هو ذلك المزيج من الخير والشر والضعف والقوة وقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء – والنفس الإنسانية أضعف ما تكون أمام إغراء السلطة وفتنتها وفسادها وإفسادها.
إن أخذ السلطة ومزاولتها يثيران الصراعات الطاحنة والتوترات الحادة والمميتة غالبا" – ذلك لأن السلطة مغرية وجذابة ولأن الملك كما يسجل ابن خلدون ( منصب شريف ملذوذ يشتمل على جميع الخيرات الدنيوية والشهوات اليومية والملاذ النفسانية فيقع التنافس غالبا" وقل أن يسلمه أحد لصاحبه إلا إذا غلب عليه – فتقع المنازعة وتفضي إلى الحرب والقتال والمغالبة ).يقول الدكتور الترابي في كتابه نظرات في الفقه السياسي ( السلطة السياسية بما فيها من غرور القوة و شهوة العلو في الأرض وحمية الاستكبار على الخلق – هي من أكبر ابتلاءات الدنيا وأخطر الفاتنات عن الدين وأول الفاسقات عن الشرع – فلا أشد إغواء من طاغوت السلطان , أو أسرع إفساداً من سكرة السلطة أو أدعى للشقاق من أهواء الملك ومن واقع الحركة الإسلامية المعاصرة في كتابه حركة الإسلام ( عبرة المسير لاثنتي عشرة من السنين ) صفحة 19 يستعرض الكاتب التجارب على نطاقها العريض عبر البلدان والأزمان يقول ( لقد تعرض كثير من الإسلاميين دون تجربة سابقة للسلطة بشتى مواقعها فاحتوتهم الشهوة السلطانية بغير سابق تزكية للتقوى والحافظة التي تقاوم هواها وشيطانها وبغير حريات عامة ونظم دستورية متطابقة ففقدوا المعارض والمراقب والضابط الذي يحرك ويقوم ويذكر وينصح ويعالج ويحفظ ولذلك انتشرت أمراض السلطة المفسدة في كثير منهم يتسلطون على الآخرين بكل وجوه الأذى بل حتى على أنفسهم لما ابتلوا بالاختلاف حيث كانوا أشد قسوة ومرارة وحب التشبث بالسلطة اجتاح حصانتهم الأخلاقية , بعضهم لا يبالي ليشبع نفسه بمتاع السلطة إن يخون العهد أو يعطل حق الشرع أو يغض الطرف عن ذلك .
ويستطرد قائلاً ( إن محتكري السلطات يزينون لأنفسهم دائما" أن يستولوا على أموال الناس يحتجون بأنهم أولى بتصريفه رعاية للمصالح العامة وعدالة لذوي الحاجة ؛هكذا انقلب الاشتراكيون في روسيا بعد الثورة وتمكن رأسماليون من حيازة كل المال وتبين أنهم أسوأ تصرفاً لأنهم لم يكسبوه بجهد ليقدروا قيمته ويرعوا الاقتصاد فيه ويقدروا شيئاً ما في الجنوح به نحو الترف استهلاكاً والظلم معاملة .
والعجب أن تسري العدوى على الإسلاميين فيتسع القطاع العام ويتورم فتطغى فتنته على نفوس كانت طاهرة أمينة عفيفة ، حسبناهم من نتاج ثقافة التزهد الصوفي وفضيلته الرائجة في أعرافنا الدينية ) .
لقد كتب دكتور الترابى كتابه هذا بعد المفاصلة الشهيرة التى عصفت بوحدة الحركة الإسلامية وقادت إلى الإنقسام بين مكوناته إلى مؤتمر وطنى وشعبى وفجرت العداوة والخصومة الفاجرة والقطيعة الباترة التى تتنافى مع القيم الإسلامية ، إذاً لقد شهد ربان النظام بمآلات النظام خيبآته وسوءاته وجاءت المحاولة الإنقلابية الإخيرة لتزيد شهادته قوة وصدقاً ، فبعد ان اكلت الانقاذ اباها بدات فى اكل بنيها .
اما الدكتور الصادق الفقيه المستشار الصحفى الاسبق لرئيس الجمهورية فيقول في برنامج حديث المراجعات ( إذا راجع الناس حساب الربح والخسارة فى مفاهيم ومبادئ وقيم الحركة الإسلامية ، تجد أن كثيراً من الحركات أفشلتها أو أفشلت القيم الاساسية التي كانت ترتكز عليها . ومطالب السلطة الكثيرة أخذت الحركة الإسلامية من المجتمع (( بل أقامت مجتمعأ موازياً للمجتمع العام )) ومن مراكز التأثير الاجتماعي والفكرى والقيمى والاخلاقى .حسابات السلطة تختلف كثيراً من حسابات النظر وحسابات التصورات العامة ؛ وأعتقد أن تأثير الحركة ما قبل 1989 م فى المجتمع السودانى كان أكبر بكثير مما حدث بعدها ) .
تلك هي النفس البشرية في تنازعها إلي السلطة و نزوعها نحو التسلط ونزواتها في الحكم ، لكل ذلك كان لابد من مكابح لذلك الجُمُوح البشرى الذى لا يوفر أحداً ( براً كان أو فاجراً ) .
هناك ثلاثة مكابح أو آليات يمكن اعتبارها تمثل جماع الخبرة التجريبية للديمقراطية كعملية للحكم ممارسة ومحاسبة وتداولا" ولجما للنزوع البشري نحو الاستبداد السلطوي وهي :-
أ/ التعدد التنظيمي – أي حرية تشكيل الأحزاب والجمعيات السياسية وهي المتعلقة بالتنظيم الحزبي لقد حاول الفكر الإنساني إيجاد تبريرات عقلية لطمس التمايزات الاجتماعية والسياسية لمصلحة جماعة مسيطرة ولكن أياً كان حجم تلك المحاولات فقد أثبت التجارب أنه في سبيل الوصول إلى الحرية والعدل والأداء السياسي الرشيد لا بد من ضرورة الاعتراف بالتعددية السياسية داخل المجتمع وعن ضرورة أن يؤمن النظام القانوني لكافة الفئات حق التعبير والتفكير وعن التسليم بالطموحات المشروعة لمختلف الفئات الاجتماعية في سعيها السلمي للوصول إلى السلطة السياسية تحت مظلة تنظيم سياسي يسمح بذلك .
ب/ تداول السلطة السياسية من خلال انتخابات حرة تنافسية تتيح إمكانية انتقال السلطة وفقاً لنتائجها وهي الآلية المتعلقة بالنظام السياسي .
يقول د.محمد نور فرحات ( إن تهميش المواطن عن المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بمصيره – وإنفراد جماعة معينة أيا" كان توجهها الاجتماعي والسياسي – وأيا" كان سند شرعيتها باحتكار السلطة السياسية والإنفراد باتخاذ القرارات يصيب حركة الفعل السياسي بالتحجر والجمود والعجز عن مواجهة تغيرات الواقع الاجتماعي كما أن التمنع عن الاعتراف بالتعددية السياسية ومشروعية تداول السلطة يؤدي بل قد أدى بالفعل إلى تنامي الشعور بتقديس الذات وعصمتها لدى جماعات الحكم وهو شعور لابد من أن يتنامى تلقائيا" مادام البقاء على مقعد الحكم يتخذ طابعا مؤيدا ومادامت قدرة الجماهير على تصويب أخطاء الحكام من خلال عملية تداول السلطة أمرا" غير وارد وهي أمور تؤدي في النهاية إلى عقم الأداء الاجتماعي والسياسي وإلى عزوف الجماهير عن الاهتمام بشؤون الوطن وإلى تفشي صور الاستبداد لدى الحكام واللامبالاة لدى المحكوم ) .
2/ حقوق الإنسان في الحكم .
إن حقوق الإنسان في الإسلام هي :-
أ/ حرمة النفس والعقل والمال
ب/ حق الحرية لأن فكرة الحساب وعدالته تسقطان إذا لم يكن المحاسب حراً في صواب عمله أو خطأ ارتكبه
ج/ حق العدل بحيث لا يظلم سياسياً ولا اقتصادياً ولا اجتماعياً.
د/ حق الإخاء بحيث لايضيره عرقه أو جنسه أو سنه .
ه/ حق الشورى والمشاركة (( وأمرهم شورى بينهم )).
ولقد فسر الدكتور حسن مصعب في كتابه ( إسلام الحرية لا إسلام العبودية ) بأن هذا الحق – إنما يعني حقه في اختيار حكامه وفي انتقاد حكامه وحقه في الرقابة على حكم حكامه وحقه في المشاركة في الحكم وحقه في التناول في الحكم – وحقه في أن يكون حاكماً ومحكوماً .
3/ ديمقراطية الشورى :-
وسيلة للعدالة السياسية والاجتماعية
إن ديمقراطية الشورى وممارسة الحقوق السياسية لايمكن أن يكون حكرا" على الصفوة وإنما هو حق يستوي فيه الجميع وإلى هذا يشير هاري أمرسون فوسريك بقوله ( تقوم الديمقراطية على أساس الاقتناع بأن هناك إمكانيات غير عادية في الناس العاديين ) .
إن الديمقراطية كما قال الشيخ القرضاوي هي المعنى الفقهي المعاصر لكلمة شورى – التي يجب أن تمارس في الإطار الذي لا يتناقض مع المبادئ الأساسية التي وردت في الكتاب والسنة – وهى نظام لتحقيق الحرية وإماتة الاستبداد إحياءاً للعدل وتحقيقاً للمساواة – وهى ليست نظاما غربياً وإنما نظام إنساني – ساهمت الإنسانية كلها في تطوره بإيجاد توازن بين السلطة كضرورة والحرية كمطلب أساسي للناس .
إن أخطاء وانتكاسات الديمقراطية قد أدى بالبعض إلى نفى الحرية السياسية والتركيز على الجانب الاجتماعي لمشكلة الحرية أي حرية لقمة الخبز عن طريق ما أطلق عليه تذويب الفوارق الاقتصادية والاجتماعية – إن الناس لم يعودوا يقنعون باقتسام الثروة فقط وإنما يريدون أيضا إقتسام السلطة –فإقتسام الثروة هو الطريق إلى العدالة الإجتماعية و المشاركة في السلطة هو الطريق للعدالة السياسية – والناس أيضا" لم يعودوا يقنعون بإشباع الحاجات المادية – وإنما لابد من سيادة القيم الإنسانية الفطرية وعلى رأسها الحرية في حياتهم – فالحرية من أنبل الغايات الإنسانية و " الغايات النبيلة لايمكن تحقيقها إلا بوسائل نبيلة " .
في جدلية الوسائل والغايات يقوسل جارودي في كتابه حوار الحضارات " إن قيمة الغاية هي قيمة الوسائل والوسائل كالبذور والغاية كالشجرة والمرء إنما يحصد ما زرع , وإن الوسائل التي لا تجانس الغاية تهدم الغاية ذاتها وإن ليس في وسع الغايات أن تطمح إلى بلوغ كمال يفوق كمال الوسائل المستخدمة " .
هذه هي الفلسفة العملية – أما النظريون فإنهم يبنون لنا في الحكم قصور المستقبل ولكنهم يدعوننا نتخبط في أكواخ الحاضر . يقول الدكتور ماجد عرسان الكيلاني في كتابه " إخراج الأمة المسلمة وعوامل صحتها ومرضها " . إن الاستبداد سواء جاء من فرد أو مجموعة إنما يؤدي إلى تعطل روح الجماعة والعمل الجماعي وتوقف تبادل الخبرات والمشورة وبروز ظواهر التعصب للرأي والعجب والكبر والتعالي وإملاء الرأي وفرضه على الآخرين في جميع دوائر الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ابتداء من القواعد الدنيا في الأسرة حتى أعلى دوائر المجتمع في رئاسة الحكومة وقيادة الدولة حيث زعامات الحكم المطلق ويكون من نتائج ذلك بروز مجتمعات الكراهية وفقدان الثقة وشيوع الحسد وانعدام التعاون والوحدة وتفرق الكلمة والتستر على الأخطاء والنواقص والعيوب ورفض النقد الذاتي وتبرير الأزمات وفشل اللجان والمؤتمرات وعقم التخطيط واللقاءات والاجتماعات ".
في عالم اليوم وفي ظل تعددية المعارف وانفجار المعلومات وثورة وسائل الاتصالات – لا يمكن لفرد أو جماعة أن يدعي احتكار خصوصية المعرفة وبلوغ يقينية الكمال . إنه عالم يفرض ديمقراطية الحوار وأغلبية القرار وبسط معاني الشورى على أرض الواقع سلوكا" وممارسة – والوعي والإدراك والواقعية في التعامل مع حقائق العصر والواقع العالمي متطلباته ومتغيراته .
" وأمرهم شورى بينهم "
صدق الله العظيم

م / محمد حسن عبدالله
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 909

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




م / محمد حسن عبدالله
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة