المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
جون راولز : نظرية العدالة ...المنفعة الكلاسيكية وحجاب الجهالة
جون راولز : نظرية العدالة ...المنفعة الكلاسيكية وحجاب الجهالة
03-16-2013 07:01 PM


منذ أن ظهر كتاب الأمريكي جون راولز نظرية العدالة عام 1971لم ينقطع الإعجاب بهذا الجهد الجبَار . فهو تطوير لإرهاصات مقال لجون راولز في مطلع الخمسينيات من القرن المنصرم وثابر علي إثراءه حتي إنتهي الي نظرية العدالة . نظرية العدالة وضعت جون راولز جنب لجنب مع كل من هوبز وجون لوك وجان جاك روسو وإيمانويل كانت . أي وضعت جون راولز في مقام مؤسسي العقد الإجتماعي . نظرية العدالة فلسفة سياسية تدعو الأخلاق الغائبة الي إحتلال مكانها الشاغر في الفكر السياسي والإقتصادي . لذي تمثل نظرية العدالة نقطة تقاطع لعلوم ثلاث السياسة والإقتصاد والقانون ونقطة التقاطع يكون فيها التساوي .

فيما يتعلق بالمنفعة الكلاسيكية في تاريخ الفكر الإقتصادي نجد جون راولز يعيد النظر في أفكار كل من جون إستيورت ميل وقبله جيرمي بينتام في مسألة المنفعة . فالمنفعة عند كل من جون إستيورت ميل وجيرمي بينتام تختلف عن مفهوم المنفعة في المذهب الإخلاقي لإيمانويل كانت . وهذا ما دعي جون راولز لإعادة النظر في مسألة المنفعة الكلاسيكية في تاريخ الفكر الإقتصادي .
نظرية العدالة التي تعيد النظر في المنفعة الكلاسيكية هي نظرية تؤسس للديقراطية الإجتماعية أو الديمقراطية الإشتراكية . فإدخال شروط للعدالة الإجتماعية لا يعني إلغاء حقوق وحريات الفرد . فلا يمكن التضحية بالفرد من أجل رفاه المجتمع . لذلك ترفض نظرية العدالة كل من الإشتراكية الشمولية واللبرالية المتوحشة . وهي كعقد إجتماعي أيضا تختلف عن عقد هوبز الإجتماعي الذي يفترض الخضوع لسلطة وكذلك عقد جون لوك . عنده أي جون راولز تتجسد نظرية العدالة في شكل ميثاق إجتماعي طابعه التكافل والتعاون . وهذا الميثاق عمل الافراد أنفسهم في إختيارهم لإحلال مبادي العدالة . وهنا يبرز دور المساواة في الحقوق والواجبات . ويدخل دور القبول باللا عدالة في الجانب الإجتماعي والإقتصادي إلا بعد التأكد من ان تلك الحالة تجلب منفعة للمجتمع ككل وخاصة للأقل فرص في المجتمع . االمباديءاعلاه كانت المحدد لعقيدة العدالة في الجمهورية الفرنسية عام 1848 . أي الحرية الأخاء المساواة . فالحرية والمساواة هي التي تجبرنا أن نرجع لتاريخ الفكر الأقتصادي مرة أخري ومسألة المنفعة ولكن هذه المرة عند الأقتصادي باريتو . ففكرة باريتو المنفعة والإشباع عند الفرد يتجاوزها جون راولز لفكرة المنفعة والاشباع للمجتمع ككل في نظرية العدالة . اما الاقنوم الثالث للحرية والمساواة وهو الأخاء لتجسيد مبادي الثورة الفرنسية فيلعب دور مبدأ الفاعلية في تحقيق نظرية العدالة . من السرد أعلاه يظهر تتطور اللبرالية الغربية وفكرة المنفعة وتطور مفاهيمها منذ أيام توما الإكويني الي مفهومها في نظرية العدالة . فمسألة إعادة توزيع الدخل يرجع للسلطة المسؤلية وهنا تظهر عظمة الديقراطية وتظهر هذه العظمة اليوم في سياسات كل من فرانسوا هولاند وأوباما في فرض الضرائب علي الاغنياء لصالح الفقراء . ففي مبداء تفاوت الفرص ومسألة المنح الطبيعية مثل الذكاء يدخل الاخاء ويلعب دور مبدأ الفاعلية في إحلال العدالة . وهنا يظهر دور مهم وهي مسألة العدالة واللا عدالة في الحكم علي الخطاب السياسي وكما رأينا عبر هذا المبدأ إنهزم خطاب ساركوزي الذي يجسد اللا عدالة امام خطاب فرانسوا هولاند الذي يجسد العدالة .

كما ذكرنا ان نظرية العدالة لجون راولز وضعته مع أصحاب العقد الإجتماعي فهي تفترض في الفرد العقلانية والرشاد وتختلف مع المنطلقيين من وجهة نظر دينية الذين تنتهي عندهم مسألة الحياة ومابينها حتي الممات مسألة قرار رباني . وهنا تظهر عظمة الديمقراطية التي تفترض في الفرد العقلانية والرشاد وتجعل الفرد يتحمل مسؤليته هو ولا يبحث عن الخليفة الراشد . ومن المفارقات أن تصبح الديمقراطية في إعطائها المسؤلية للفرد الراشد أقرب لمقصائد الله من الخطاب الديني الذي يبحث عن الفقيه الولي والإمام الغائب وفكرة أهل القبلة وغيرها من الأفكار التي تسلب من الإنسان الكرامة التي حباها الله له . أن الله قد وضع ثقته في الإنسان لذلك تبدو فكرة العقد الإجتماعي أقرب لمقاصد الله من الخطاب الديني الذي أصبح بارد وحزين يفوق برودة وحزن فكرة العود الأبدي . نحن في زمن إنقلبت فيه المفاهيم ويذكرنا هذا الزمان بظهور المفاهيم النيتشوية وقدرة فردريك نتيشة لتوليد المعاني من أضدادها وله القدرة كفيلولوجست بارع لتبرير مقاصده مثل فكرة أن العدالة تقول اللا مساواة لتبرير فكرة العود الأبدي وفكرة الإنسان المتفوق وما وراء الخير والشر . فاليوم تنقلب المفاهيم وتصبح الديقراطية كتطور لأفكار العقد الإجتماعي أقرب لمقاصد الله من الخطاب الديني المنغلق . وحتي لانترك مجالا للمزايدات إن جون لوك في كتابه رسالة في التسامح يرفض الإلحاد كما يرفض فكرة الدولة الدينية التي تمثل خطرا علي الحريات . وهوبز الذي يعتبر الأكثر جسارة من بينهم كان يصلي بحرارة للعذراء .
نظرية العدالة لجون راولز تفترض حجاب الجهالة عن أصحاب العقد الإجتماعي لحظة كتابة العقد ليس هناك قيم مضافة تميزهم عن بعضهم بعض . وهذا مايتنافي مع أفكار الدبابين واليوم سائحون وهم نامت في خلدهم فكرة الفرز المقدس الذي إنتهي ببطلان توجههم الحضاري . ففكر الإسلاميين وخطابهم الديني قد أصبح حزين وبارد كما فكرة العود الأبدي . فالمستقبل للديمقراطية وكما لم يبقي من المسيحية إلا الإسم في الأحزاب الإشتراكية المسيحية هذا هو المصير الذي ينتظر الخطاب الديني والأحزاب الدينية الإسلامية .

نظرية العدالة إمتداد لإفكار الحالة الطبيعية التي خلدت الحرية والمساواة . فيها تظل الرغبة العميقة للعدالة سؤال العقل كما يقال . فتطور الديمقراطية اليوم يتجسد في إعادة توزيع الدخل . فتوزيع الدخل بشكل يجسد العدالة يظل دعوة للأخلاق لكي تأخذ مكانها الطبيعي في الفكر الإقتصادي والفلسفة السياسية .

اليوم هناك إقتصاديين ينبهون لخطورة اللا عدالة في ظل اللبرالية المتوحشة ومنهم إيمانويل تود في كتابه ما بعد الديمقراطية . ويأتي كتاب دانيل كوهين الفائز بجائزة الكتاب الإقتصادي لعام 2012كدعوة صريحة لإدخال البعد الأخلاقي في الأدبيات الإقتصادية . فأين نحن من فكر التمكين لإنقاذ السودان والتطهير لنهضة تونس وعنتريات مرسى مصر . إن الخطاب الديني الإسلامي قد أصبح حزين وبارد كحزن وبرودة فكرة العود الأبدي .

علي الشعب السوداني أن يرتبط بتراث الإنسانية الذي يسعي لتحقيق العدالة عبر فلسفته السياسية وأدبياته الإقتصادية وفك إرتباطه مع فكر الدبابيين فهم يشبهون الحشاشيين أيام صلاح الدين الأيوبي . فمهما حاولوا تلميع أنفسهم وتغيير أسماهم من دبابيين وسائحيين يظل خطابهم بارد وحزين كحزن فكرة العود الأبدي . فلا يصلح العطار ما أفسده الدهر . وتظل أنت أيها الشعب السوداني كملح الأرض . فإذا فسد الملح فباي شي يملح ؟ الأكيد أنهم عابرون هم وخطابهم البارد الحزين كفكرة العود الأبدي .

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 5987

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#611349 [ابو الجود السوداني]
0.00/5 (0 صوت)

03-16-2013 08:10 PM
التحية للاخ الكاتب طاهر عمر ونشكره في لااخذ مهمة العناء والجهد الفكري والثقافي والاطلاع ونقل لنا كل الجهود الفلسفية والفكرية في كل المجالات اقتصادية او سياسية او ثقافية او دينية من قبل المفكرين والباحثين في قضايا الانسان وتجاوز ازماته وصياغة حياته للوصول للاستقرار والرفاه والازدهار.
ونحن نوسع دعوتك ليس فقط للشعب السوداني بل لجميع شعوب المنطقة العربية وخاصة المسلمة وبالتحديد كل الذين ينادون بالدولة الاسلامية جميعهم يجب ان ينفتحوا طواعية للتراث الانساني محكمين العقل علي القدسية العاطفية في الاعتقاد والتفكير, عوضا عن ان يجبروا مكرهين دون قناعة او انتهازية فكرية كانت او سياسية والخضوع لمفاهيم الاخر مثل ما يفعلوا الان في تقبلهم لمفهوم الديمقراطية ونسيانهم لمفهوم الشوري الاسلامية او محاولة تسويق الشوري الاسلامية هي الديمقراطية التي انتجها الفكر الغربي العلماني !!! برغم تباعد المفهومين في النشأة والمضمون والممارسة !!! وصياحهم بحقوق الانسان هي من اصل الاسلام!!! علما بان الخطاب الديني الاسلامي وادبياته في العهود السابقة القريبة لم يتطرق لمبدأ الديمقراطية ويتحدث بها كما لم يتطرق لحقوق الانسان ايضا!! ولكن عندما ازداد الوعي الانساني وتطور العلم وسهل وسائل انتشار المفاهيم الفكرية والسياسية الغربية العادلة وتلقفها مثقفي وجميع الشعوب المقهورة من التسلط الديني ومارسوا مناهضة للخطاب الديني الذي شعر معتقديه بتخلفه عن التغيرات العظيمة في هذا العصر واحتياجات الجماهير واشتداد الازمات نتيجة لتطبيقه جزئيا, فكان لابد تقبل مفهوم الديمقراطية وحقوق الانسان حتي ولو بانتهازية ودون قناعة والتشدق بها والتمسك بها كذبا اكثر من الليراليين والشيوعيين!!!
المعرفة الانسانية والفكر والثقافة والعلم والتجارب الانسانية لمختلف الشعوب لا تعرف حدود قطرية او قارية ولا يصدها دين متسلط او ايدلوجية خانقة وهذا كان يتم قبل التطور العلمي التكنلوجي الذي ننعم به الان, فما بالك الان!!! وهذا التطور هو الذي اسقط مقولة (الغزو الثقافي الغربي ) الذي صم اذاننا بها الخطاب الديني قرنا كاملا!!! فالعقل البشري دوما تواق الي المعرفة والاستنارة والخروج من حلقة الجهل الشريرة لتغيير واقعه للافضل نحو كل القيم الانسانية التي تجعله ينعم في مجتمع مستقر تمثل فيه العدالة مصدر استقراره


طاهر عمر
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة