المقالات
السياسية
السودان ضحية التوازنات
السودان ضحية التوازنات
03-17-2013 09:07 PM

يعيش السودان أزمات متشعبة الجوانب، أولى هذه الأزمات تتلخص في السؤال هل ينبغي تفكيك البلاد وتدميرها حتى تتم إزاحة النظام الحاكم!!..
وثاني هذه الأزمات تتمثَّل في ذات النظام الذي ببقائه على سدة الحكم يعني الموت السريري للبلاد!!..
وفي كلتا الحالتين تأتي النهاية المطلوبة التي تساق لها البلاد، فكانت نيفاشا تمثل بداية النهاية للتفكك!!..
استقل الجنوب دون ترسيم للحدود، كما أن المناطق الثلاث في طريقها للتفكّك وهذه جنايات نيفاشا على السودان!!.. أمريكا تدرك جيّداً أن خير من ينفذ مشروع التفكيك هو من وقّع على نيفاشا وأجازها وهو النظام الحاكم وهو ملزم بالتنفيذ، ولكن أمريكا من جهة أخرى تساعد الحركات المتمرّدة، لا بغرض إزاحة نظام الحكم، إنما بالضغط عليه، والنظام والحركات المتمردة يعملان جادين لإرضاء أمريكا!!.. أمريكا تريد تفكيك السودان بهدوء وهذا ما يقوم به النظام، أما الحركات المتمردة فبالفوضوية التي عرفت بها أمثالها، فهي ستدمر البلاد وبنياتها التحتية، وأمريكا لا تريد صومالاً آخر في موقع جيوبوليتيكي إستراتيجي مهم كالسودان!!.
ورغم أن أمريكا فرضت عقوبات قاسية على السودان إلا أنها أنشأت أكبر سفارة لها في إفريقيا في الخرطوم، فأمريكا في ظل فوضى لا تستطيع إدارة إفريقيا من الخرطوم!!.
لذا تقود أمريكا سياسة من نوع خاص تجاه السودان، فهي لا تريد للنظام السقوط، وفي ذات الوقت تدعم الفصائل المتمردة عليه، فمن ناحية لن تجد أمريكا نظاماً يستطيع تطبيق وتنفيذ نيفاشا غير ذلك النظام الذي أجازها، ومن ناحية أخرى تستخدم الفصائل المتمردة كورقة ضغط على النظام!!..فالنظام الذي ينفذ ما يطلب منه لا يجد المقابل، ولا أتحدث عن مقابل يشمل مساعدات اقتصادية للنظام، بل ذلك المقابل الذي هو سحب اسم السودان من الدول الراعية للإرهاب، وما تلى ذلك من تهم الإبادة الجماعية، والمحكمة الدولية!!.. والضغوط التي تمارسها أمريكا على النظام سياسياً واقتصادياً، يقابلها توازن عسكري بين النظام والفصائل المتمردة بحيث يصعب على أي من الطرفين الانتصار على الآخر بصورة حاسمة، وأعتقد أن ضرب مجمع اليرموك كان للحفاظ على التوازن حتى لا يكون الناظم أقوى من معارضته المسلحة، حفظ التوازن العسكري مع بقاء التوتر قائم، وبذلك تكون أمريكا قط طبقت على الاثنين معاً المثل الذي يقول (سهر الجداد ولا نومه) ويعيش النظام في ظل أزمات مستديمة ولكنها ولسخرية القدر أصبحت الأزمات هي الترياق الذي يعيش عليه كل من النظام ومعارضته المسلحة، فالكل باقٍ في مكانه دون أن يحقق أي تقدم على الآخر!!.. إزاحة النظام في هذه الحالة تعني تدمير البلاد وصوملتها، أما بقاء النظام فإنه يساعد على عملية التفكيك سلمياً وفي كلتا الحالتين سوف يختفي السودان من الخارطة السياسية العالمية!!.. ولعل أمريكا قد فطنت لهذا الأمر فأخذت تطبيق مبدأ سياسة القوى الذكية التي ترتكز على التعاون مع القوى المدنية أي منظمات المجتمع المدني، وفي الدول التي ليس فيها وجود فعّال لمنظمات المجتمع المدني كالسودان نجد أن سياسة أخرى تستبدل القوى الدينية بالعشائر والطرق الصوفية الدينية وهذا ما يقوم به القائم بالأعمال الأمريكي حيث يجوب أرجاء السودان لزيارة زعماء العشائر والقبائل والطرق الصوفية ويتعامل معهم بدبلوماسية وأسلوب يصوّر لهم أن أمريكا دولة جادة، لا تعاديهم ولا تطمع في خبراتهم وربما بعد الدعم المعنوي أقول ربما تقدّم لهم الدعم المادي الذي قد يكون جزءاً منه كمثال حفر بئر أو دعم لإنشاء مدرسة، وربما في شكل دعم مادي يساعد في نشر الطرق الصوفية وجذب المريدين لها ليسود نوع الإسلام الذي يريدون!!.. يحدث هذا داخل السودان، أما سفيرنا في واشنطن فلا يحق له الذهاب من واشنطن العاصمة إلى ميري لاند أو فرجينيا رغم أن ما يوصلهما ببعضهما البعض كبارٍ كالتي بين الخرطوم وبحري وأم درمان!!.. وأمريكا تأخذ العِبر من سياساتها، فهي لن تقدم على مغامرة أخرى كتلك التي قامت بها في أفغانستان والعراق فما خسرته في تلك الحروب أدخلها والعالم في الأزمة المالية العالمية كما أنها لا تريد أن يتصومل السودان على الطريقة الصومالية التي كلفتها الكثير وقد استطاعت إغراء شيخ شريف وكسبه لجانبها ولكن كان عليها دفع ثمن ذلك!!..
أما في السودان فهي لا تخسر شيئاً على الإطلاق فالكل النظام ومعارضته العسكرية والسياسية خاضعين تحت التأثير الأمريكي ويقدمون الخدمات لها بالمجان، ولسان حالها يقول لهم جميعاً: (امطروا حيث شئتم فسوف يأتيني خراجكم). ويجب تغيير هذا الوضع الذي تؤدي فيه كل الطرق إلى أمريكا، والتغيير هنا يجب أن يكون سلمياً حتى لا تدمر البلاد كما يحدث الآن في سوريا والعراق الأمر الذي سوف يشعل كل المنطقة، وقد يتعدى المنطقة إلى نطاق أوسع لتضارب مصالح القوى العظمى في المنطقة، والسودان يحتل موقعاً جيوبوتيكياً متميّزاً حيث يطل على غرب إفريقيا ومنطقة البحيرات والقرن الإفريقي هذا إضافة إلى مشاطأته للبحر الأحمر بطول سبعمائة وستين كيلو مترًا ويتميَّز هذا الشاطئ في مواقع كثيرة بصلاحيته لقواعد عسكرية بحرية كما أنه ممر إستراتيجي مهم إذ تمر به يومياً ما لا يقل عن تسعة عشر مليون برميل من النفط. هذا عدا البضائع التي تنقل عبره من آسيا إلى أوربا والعكس كل هذه الأسباب جعلت من السودان محط اهتمام أمريكا لذا كان قرارها بأن تكون السفارة في الخرطوم من أكبر السفارات في إفريقيا، فأمريكا تريد السودان مفككًا وضعيفاً ولكنها لا تريده مدمراً، فالدمار الذي حل بالصومال وأفغانستان والعراق أعاق مخططاتها كثيراً لذلك تجدها في قرارة نفسها تود الانسحاب من العراق وأفغانستان وقد بدأت ذلك بالفعل!!.. وحل أزمة الحكم في السودان ينبغي كما أسلفت أن يكون سلمياً، بالحوار فإذا كانت أمريكا تريد إخضاعنا بالقوى الذكية، فلماذا نكون نحن الأغبياء فنخضع لأمريكا وهي تسومنا سوء العذاب، تارة بالضغوط الاقتصادية وأخرى بالعقوبات وتلوح لنا بإدراج اسم السودان في لائحة الدولة المعتدلة وهذا عند البعض في نظام الحكم والمعارضة كأنما لائحة المبشرين بالجنة!!.. وبصراحة شديدة أقول لا في النظام الحاكم ولا في معارضته السياسية والعسكرية من يستطيع المضي بالبلاد إلى بر الأمان، فكل الذين ذكرت تحركهم الأطماع والضغائن وحب الانتقام، السودان يحتاج إلى من يبنيه ويعيد إعمار ما تهدّم من مشاريعه الاقتصادية وأهمها المشاريع الزراعية بشقيها الزراعي والحيواني والسكة الحديد التي عليها قامت إستراتيجية النقل المدني والعسكري وهذه الأمور لا يحققها إلا التكنوقراط، وفي السودان طاقات هائلة كامنة تبحث عمن يستغلها، والمواطن بسبب السياسات الممارسة عليه بدأت تفتر فيه الروح الوطنية، وبدأ يحصر تفكيره في مفهوم القبيلة الضيق الذي حل مكان مفهوم القومية الواسع، ولكن هذا لا يمنع من أن تحيا فيه الروح الوطنية مرة أخرى إن وجدت من يوقظها، وأقول هذا وأمامي الأمثلة الواقعية وعلى سبيل المثال لا الحصر ما حدث في هجليج، لم يثِر الشعب؛ لأنه يحب أو يؤيد النظام بل على العكس هب الشعب لنصرة هجليج وفي قراره نفسه أن أبغض ما يبغض هو النظام الحاكم، فكانت هبته لنصرة السودان وليس النظام!!..
ومن المؤسف والمؤلم حقاً أن يحدث ما يحدث في السودان ذلك البلد المسلم، الذي ما ارتقى النظام الحاكم إلى الحكم إلا صعودا بسلم الإسلام فأين الإسلام مما يدور ويجري الآن؟!.. ومن واجب المسلم المناصحة ومن واجب الحاكم المسلم الشورى وهذا أمر سماوي مستدام حتى قيام الساعة (وشاورهم في الأمر)!!..
فلماذا لا يجلس الجميع وهم مسلمون في غالبيتهم العظمى ليتشاوروا في الأمر كما أمر المولى عز وجل؟!.
أم أنهم قبلوا بالإسلام الأمريكي الذي تريد فرضه علينا أمريكا بلا مناقشة ولا تعديل كما جاء في نيفاشا؟!!..

د. هاشم حسين بابكر
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 494



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


التعليقات
#612450 [عاصم]
0.00/5 (0 صوت)

03-18-2013 08:17 AM
لم تأت بجديد يا دكتور فقصة ام ضبيبينة قديمة والازمة الحقيقة ازمة سلطان متسلط لا حكماء ولا عقلاء ولا شجعان بين ربعه فهوشى مِنًّ لم يقتل شعبه بل قاده للحرية حارب اميركا ومن قبلها بريطانيا وفرنسا على ارضه وانتصر وفيدل كاسترو الواقع فى حضن امريكا لم يخشاها كما تخشاها الانقاذ اكرم شعبك يكرمك قوة ونماء تقتل وتهين شعبك لاتحصد غير الهزيمة والخذلان اسأل الفاروق ولا تسأل عمر .


د. هاشم حسين بابكر
مساحة اعلانية

تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


صحيفة الراكوبة السودانية... راكوبة الأغاني السودانية، في رحاب الراكوبه ستجد السودان بمختلف مناطقه وعاداته وموروثاته خلال أقسام منتدياته المتعددة مثل المنتدى العام، العنقريب، المدائح ومنتدى التلاوة الذي يحتوي على تلاوة للشيوخ: صديق أحمد حمدون , عوض عمر , الفاتح محمد عثمان الزبير , محمد عبدالكريم , نورين محمد صديق , عبداللطيف العوض , صلاح الدين الطاهر سعد , الزين محمد أحمد الزين , وأحمد محمد طاهر. إلى جانب هذا هنالك منتدى مخصص للمدائح النبوية، هنالك المادح: الامين احمد قرشى وعلى الشاعر , الشيخ مصطفي محي الدين ابوكساوي , أولاد حاج الماحي , عبدالله محمد عثمان الحبر , اسماعيل محمد علي , السماني أحمد عالم , الجيلي الصافي , خالد محجوب (الصحافة) , علي المبارك , حاج التوم من الله , عبدالعزيز قورتي , ثنائي الصحوة , فيحاء محمد علي , الجيلى الشيخ , نبوية الملاك , عبدالعظيم الفاضل , عاصم الطيب , فرقة عقد الجلاد , سيف الجامعة , عثمان محمد علي , المدائح النبوية , فرقة الكوثر. علماً بأن المشاركات والآراء المنشورة في منتديات الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2014 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة