المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
بيدي لا بِيَدِ وَلَدي
بيدي لا بِيَدِ وَلَدي
03-19-2013 06:52 PM

بخطوات مثقلة وأيادٍ مرتعشة، تَحَامَل على نفسه ليقطع الشارع المليء بالسيارات المسرعة، فعلامات تقدّم العمر التي خَطّت بصماتها ورَسَمت خطوطها على وجهه النحيل الشاحب ظاهرة للعيان. لمحته وهو يزيح أوراق الشجر من على الأرض ليجلس مستظلاً تحت إحدى الأشجار بعد وقفةِ عناءٍ أمام أحد التقاطعات التي اعتاد على التسول أمامها. جلس القرفصاء، ونظراته الشاردة ترمق السيارات المسرعة من حوله، وكل ما مرَّ به شخصٌ رَفَع يده مستعطفاً ومن ثم يغفو إلى أن توقظه حركةُ شخصٍ بالقرب منه.
كان الرجل المسن يمني نفسه، وهو في هذا العمر، أن يرتاح في منزله ووسط أولاده؛ فهو قد تَعِبَ بما فيه الكفاية في سنوات شبابه حتى ينشئ أسرةً ويتزوج ويمتلك بيتاً، فهذا الأمر ليس بالشيء السهل؛ حلم بعيد المنال في ظروفٍ أصبحت حالكة. تذكَّرت مقولة لأحد الخواجات عندما التقى بأحد السودانيين في المهجر أثناء دراسته، سأله عن أحلامه فقال له السوداني: حلمي أن أشتغل وأتزوج وأمتلك منزلاً! تفاجأ الخواجه وقال له باستغراب: أنا لم أسألك عن حقوقك لكن أسألك عن طموحك!. فشتَّان ما بين الطموح والحقوق في السودان؛ فهنا الطموح، كلّ الطموح، العمل وبناء المنزل والسيارة لمن استطاع إليها سبيلا. لست أدري لماذا مُنِعَ استيراد السيارات المستعملة وكل دول العالم تجوبها السيارات المستعملة! قالوا السبب الدولار، كم أنت مظلوم أيّها الدولار الذي يُعلّق عليك الكثيرون فشل سياستهم.
لا أحد في السودان طموحه أن يكتشف أو يبحث أو يصنع أو يضيف أو يخترع شيئاً جديداً لفائدة البشرية، وإن وُجِدَ فلن يجد الإمكانيات التي تساعده، شأننا شأن أغلب الدول العربية؛ دونكم إسرائيل، فميزانية البحث العلمي التي تُخَصّصها سنوياً تفوق إجمال ما تخصصة الدول العربية مجتمعة، فأي طموح ننتظر؟.
خطواتى المسرعة أيقظت الرجل المسن من غفوته فمَدَّ يده وبصوته الخافت قال (مساعدة). دسست في يده شيئاً من مال الله وقلت له: لماذا أنت هنا وأنت في هذا العمر؟؟ وكان ينبغي أن تكون معززاً مكرماً في منزلك؟؟ نظر إليَّ ملياً وقال: يا ولدي أول مرة زول يسألني السؤال ده، لأنّوا الناس بتفتكر إنو صَعَب عليّ أتقبلوا، بل بالعكس، سؤال في محلوا يمكن لمَّا أَجَاوِب غِيْرِي يِسمَع و يِتْعَلَّم ولا يِقَع في نفس الخطأ الذي وقعت فيه؛ فأنا بالرغم من أنني تزوَّجت مبكراً، إلا أنّني لم أُحسِن تربية أولادي، لم أهتم بتعليمهم نسبةً لظروف الحياة، كنت أحرص على توفير ما يحتاجونه من طعام، ولم أهتم يوماً أن يتعلموا حتى القرآن أو الصلاة، فكبروا وانحرفوا مع أصدقاء السوء؛ أكبرهم مسجون في قضية مخدرات، والآخر مختفى بعد أن سرق من الرجل الذي كان يعمل معه في دكان، والاثنان الباقيان لا أعرف أين هم، والحمد لله البنت تزوجها أحد أقربائنا وتسكن في إحدى الولايات وزوجتي توفيت إلى رحمة مولاها منذ سنوات. لم أكتنـز شيئاً لأصرف منه في كبري، فقد ظننت أن أولادي سيتكفلون بي، فأفقت بعد هذا العمر على هذا الواقع الذي تراه الآن فاضررت للتسول لأعيش. وبعبارات حزينة، قبل أن تسقط دمعة من عينيه، قال: لا أخفي عليك إن قلت لك أنني قررت طائعاً مختاراً أن أذهب إلى دار المسنين قبل أن يقودنى إليه أولادى وأنا مكرهاً!!.


قواسم مشتركة
بكري خليفة
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 543

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#613996 [زمن]
0.00/5 (0 صوت)

03-20-2013 12:03 AM
والغصــــــــــــــة تطعــــــن فــــى الحـــلــــق ..

تــــــــف يادنــــــــــيا تـــــــــــــف ..


بكري خليفة
بكري خليفة

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة