المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
فشل الحكم الوطنى مسئولية العسكر أم الاحزاب النعمان حسن – الحلقة الأولى
فشل الحكم الوطنى مسئولية العسكر أم الاحزاب النعمان حسن – الحلقة الأولى
03-20-2013 01:39 PM




ما جدوى الدستور اذا كان مصيره رهين ببيان رقم واحد

ستون عاما قضاها السودان مستقلا بعد تحرره من الاستعمار كما تقول المستندات الرسمية فى عهد (الحكم الوطنى) تبادل فيها الحكم العسكر والأحزاب السياسية مع التفاوت فى فترة حكم كل منهم كانت محصلتها حسرة على طرد الاستعمار وسقوط ضحايا اضعاف من سقطوا فى عهده و معاناة لم يعرفها المواطن تحت حكم الانجليز.
وستون عاما مثلها بقيت فيها مصر تحت حكم العسكر منذ انقلاب يوليو 53 حتى ثورة الربيع فى 2012 وثلاثة وأربعون عاماً خضعت فيها ليبيا لحكم العسكر بانقلاب سبتمبر 1969 حتى ثورة الربيع فى 2012
الستون عاما من حكم العسكر فى مصر تبادل فيها الحكم ثلاثة هم جمال عبدالناصر بعد اقصاء محمد نجيب ثم انور السادات وأخيراً محمد حسنى مبارك بعد اغتيال السادات اما فى ليبيا فلقد بقى العقيد القذافى طوال فترة الانقلاب لثلاثة وأربعين عاما حتى ثورة الربيع
فلماذا كان الحال فى السودان خلال الستين عاما مختلفا عن حال مصر وليبيا حيث انه لم يشهد استقرارا سواء فى حكم العسكر أو الاحزاب كما انه بقى متقلبا سياسيا بينما بقى الحكم فى مصر وليبيا مستقرا تحت قبضة العسكر لفترات طويلة قبل ان تنتفض عليهم شعوبها لضيقهم بالدكتاتورية بعد ان تحولت لبؤرة من الفساد؟ وبصرف النظر عن تباين الاراء والأحكام على طبيعة النظام فلقد وقفنا مشدوهين امام حديث ادلى به وزير النقل والمواصلات المصرى فى ندوة بالقاهرة فى منتصف الثمانينات ابدى فيه ما واجهه من مشكلات للتفاهم مع شقيقه وزير النقل والمواصلات فى السودان حيث أعلن انه خلال فترة توليه الوزارة تفاوض مع اربعة عشر وزيرا سودانيا تعاقبوا على الوزارة خلال توليه الوزارة المصرية التى امتدت لعشرة سنوات فقط وانه كلما التقى وزيرا عليه ان يعود معه لنقطة البداية ويفاجأ بأنه غادر قبل ان يصل لنتائج نهائية معه .
فلقد تعاقب على الحكم في السودان خلال هذه الستين عاماً ثلاثة انظمة حكم مدنية ومثلها عسكرية وكل منها كانت تعانى من الاحلال والإبدال ليس فى المكونات الشخصية فحسب بل فى الرؤى السياسية فلماذا اختلف الحال بين السودان من جهة ومصر وليبيا من جهة ثانية حيث لم ينجح أى من العسكر أو المدنيين فى أن يحقق استقراراً فى الحكم و ليصبح الحكم ان كان من العسكر مهددا بالثورة المدنية و بالانقلاب ان كان مدنياً الأمر الذى أفرز واقعا غريبا حيث يبقى هم الحكم سواء كان عسكريا او مدنيا كيف يبقى فى السلطة لليوم التالى وهو تحت رحمة التهديد للإطاحة به ليس كنظام فحسب بل تحت ظل نفس النظام بين أركانه التى تتحول لجبهات متصارعة مما أدى لعدم استقرار الحكم فى كلا الحالتين ولعل المفارقة الاكبر أن أياً منهم لم يسلم من الانقسام على نفسه وتمزق من داخله سواء كان حزباً أو عسكر
فلقد انهار الحزب الوطنى الاتحادى الذى حقق أغلبية أول حكم وطنى وانشطر لحزبين أفقداه أغلبيته كما انشطر حزب الأمة بسبب الصراع على السلطة ثم توالت الانقسامات حتى أصبح كل منها مجموعة احزاب يصعب حصرها ولم يسلم الحزب الشيوعى من الانقسام اكثر من مرة وهكذا كان حال تنظيم الحركة الاسلامية بمسمايتها المتعددة أما حكم العسكر فلم يسلم أى حكم منهم من الحركات المسلحة المضادة والتى راح ضحيتها قيادات عسكرية ومدنية
لهذا كانت نتيجة الحكم الوطنى عسكريا كان أم مدنيا اهمال تام لقضايا الوطن والشعب لان كل من تعاقب على الحكم همه الاول كيف يبقى فى الحكم وبتكلفة بشرية و مادية اكبر تستنزف امكانات البلد فى حالة حكم العسكر حتى فقد الحكم الوطنى بكل انواعه ثقة الشعب حتى ساد الحكم بأنواعه الهلع النفسى ان كان سيقى فى الحكم حتى الغد مدنيا كان ام عسكريا لهذا فان فترة الحكم الوطنى بنوعيها المدنى والعسكرى وقعت تحت داء الصراع من اجل السلطة او العودة اليها لمن نزعت منه ولتامين البقاء فيها لمن انتزعها لهذا كانت السمة الملازمة للحكم الوطنى انه بعيد عن هموم الشعب وتطلعاته واحتياجاته الضرورية التى تمتع بها وهو تحت الاستعمار قبل ان تتدهور على يد الحكم الوطنى ولكم هو موقف مؤسف ان يودع السودان الاستقرار بوداع المستعمر وان تتردى الخدمات فى كافة المجالات برحيل الانجليز بل وان تنتهى اهم المشروعات والبنيات الاساسية التى كانت دعامة الاقتصاد بانهيار مشروع الجزيرة والسكة حديد ووزارة الاشغال والنقل الميكانيكى والمخازن والمهمات ومؤسسات التعليم المجان المدعومة بالسكن والغذاء والإعانات المادية والعلاج المجانى مع وفرة الدواء (الصالح) وان تنتهى الخدمة المدنية التى ارسى لها الانجليز نظاما يضاهى السكة حديد فى دقة مواعيدها وعلى رأسها النظام الحسابى المركزى لضبط الايرادات والمنصرفات حتى ان المصطلحات التى راجت مع الحكم الوطنى من المحسوبية والفساد والرشوة واستغلال النفوذ وغيرها لم تكن متداولة فى عهد الانجليز ولم تعرف إلا تحت ظل الحكم الوطنى بشقيه وان تفاوتت نسبيا بين حكم وأخر
وكم كان غريبا ان السودان فى عهد الاستعمار كان يديره تسعة محافظين مدعومين بعدد من ضباط المجالس وبتكلفة لا تصل مخصصات مسئول واحد من الكم الهائل من جهاز الدولة الذى يبلغ عشرات المئات فى الوظائف الدستورية.
.
هذا الواقع يطرح العديد من الاسئلة:
اولا لماذا اختلف الحال بين السودان ومصر وليبيا ولم يعرف الاستقرار وقد كان السودان أسبق منهم فى معرفة حكم الديمقراطية ؟
ثانيا هل حكم العسكر هو طموح ومطامع قيادات عسكرية فى السلطة بحيث يعد خروجا عن دورهم القومى والوطنى للدور السياسى بكل تناقضاته ؟

ثالثاً هل فشل الحكم الوطنى يرجع لفشل الاحزاب فى الالتزام بالديمقراطية مما ادى لانحراف المؤسسة العسكرية بعد ان حولتها الاحزاب طرفا فى الصراع الحزبي
رابعا هل من الممكن ان تعود الامور لنصابها من اجل ان ترسى دعائم الحكم على المؤسسية الديمقراطية وتعود القوات المسلحة لدورها الوطنى والقومى وكيف يتحقق ذلك؟
خامسا وإذا لم يكن هذا ممكنا فما جدوى الحديث عن الدستور بل الدساتير إذا كانت رهينة بالبيان رقم واحد حتى اصبح السودان تحت حكم دستور غير مستقر او مشروع دستور لم يتحقق لرحيل النظام الحاكم قبل ان يكمل مشواره ويكفى ان السودان منذ عرف الحكم الوطنى لا يزال يبحث امر الدستور الذى يحكمه ولم يستقر به المقام على اى دستور.
سادسا لماذا كان عهد الانجليز اكثر استقرارا وامننا ورفاهية للمواطن ؟
فى تقديرى الخاص ان اختلاف الحال بين السودان ومصر وليبيا وبينه وبين فترة الاستعمار يرجع الى ان ما شهده السودان من انقلابات عسكرية كان فى حقيقته انحرافا سلوكيا من الاحزاب السياسية التى ورثت الحكم الوطنى بعد الاستقلال لأنها لم تحقق للوطن ماهية الحكم الوطنى لافتقادها للبنية الديمقراطية وعدم احترامها للمؤسسية وقيم الديمقراطية حيث انها هى التى اقحمت القوات المسلحة لحسم صراعاتها بعيدا عن المؤسسية الديمقراطية وليس لمطامع العسكر فى الحكم كما كان الحال فى مصر وليبيا ولهذا اسباب موضوعية سأعود اليها فى حلقة خاصة .
لهذا اختلف الوضع فى مصر وليبيا عن السودان حيث لم يكن تدخل العسكر بسبب خلافات حزبية فكل من مصر وليبيا لم تعرفان حكم الاحزاب وإنما شكل حكم العسكر الانتقال من انظمة ملكية لأنظمة عسكرية لهذا كان الاستيلاء على الحكم طموح ومطامع من العسكر فى السلطة دون وجود اى ارث حزبى فى الحكم حيث ان كل من مصر وليبيا لم تعرفان حكم الديمقراطية قبل الانقلابات العسكرية رغم بعض المظاهر الشكلية فى مصر لحزب الوفد الذى كان جزءا من منظومة النظام الملكى وعهد الباشوات
.

لهذا لابد ان نعترف هنا بان العلة الحقيقية التى عانى منها السودان وسيظل يعانى منها انما تكمن فى الاحزاب السياسية بلا استثناء سواء كانت فى الحكم او المعارضة وليس فى الطموح العسكرى للاستيلاء على السلطة لرغبة فيها حيث ان السودان لم يعرف اى انقلاب وقف خلفه العسكر لمطامع فى الحكم دون ان يدفعهم لذلك حزب او فكر سياسى وان ظلت كل الانقلابات التى شهدها السودان التى نجحت او فشلت كانت لدوافع سياسية حزبية تستهدف حسم القضايا الخلافية الحزبية بمنطق القوة وليس الالتزام بالديمقراطية ويرجع ذلك الى ان الحكم الوطنى انتقل مباشرة من الاستعمار لأحزاب سياسية كانت غريبة فى مخاضها حيث ولدت سفاحا لأب غير شرعى لأنها لم تكن سودانية المولد والنشأة لهذا لا تعرف شرعية المؤسسية الديمقراطية وفاقدة للاستقلالية والإرادة وتفتقد الثقافة الديمقراطية وحس الانتماء للوطن وليس السلطة والأشخاص حتى ان الاستقلال نفسه جاء تسوية وحلا وسطا جاءت به الصدفة بين نقيضين اصبح من المستحيل لهم ان يلتقيا لينقذ الاستقلال البلد من حرب اهلية كانت ستكون الاسبق من الصومال فى الحالة الكارثية
هكذا جاء الاستقلال ولم تكن هناك اى قوى سياسية بينها تدرك ماهيته وصاحبة رؤية سياسية فى أمره بعد ان فقدت احزابه القوى الاجنبية التى كانت تقف خلف نشأتها ورعايتها بل وصياغة رؤيتها السياسية وتمويلها بعد ان انصرف عنهم الاب غير الشرعى(وكما يقول المثل فكوهم عكس الهواء لا يعرفون اتجاه الريح).
فالاستقلال نفسه بمعناه الوطنى لم يكن مطروحا بين تيارين متنافسين حول تحقيق مصير السودان تحت عباءة مصر ام انجلترا حيث كان التنافس قاصرا بين طرفين متفقين على رهن السودان لجهات خارجية حيث ان الخلاف بينهما كان لمن يرهن السودان نفسه خارجيا حيث ان كلاهما متفقين على رهنه ويختلفان لمن يرهن لمصر فى وحدة وادى النيل كما ينادى الحزب الوطنى الاتحادى وطائفة الختمية ام للانجليز عبر التاج الملكى الذى كان يطمع فيه السيد عبدالرحمن المهدى تحت ملكة بريطانيا لهذا لم يستسلم الاخير لحكم الصندوق الانتخابى عندما حقق غريمه الموالى لمصرالاغلبية البرلمانية فى اول انتخابات حرة فرفض حزب الامة الانصياع لحكم الاغلبية واعد قواه للحيلولة دون رغبة الاغلبية بالقوة والسلاح الابيض الذى اشتهر به انصاره وقدموا نموذجا له فى ما عرفت بحوادث اول مارس التى اشهرت فى وجه حاكم مصر اللواء محمد نجيب لحظة وصوله السودان مهنئا بان حكمه سيمتد لوادى النيل بعد ان حقق حزبه الاغلبية ليصبح الطريق مسدودا والحرب الاهلية مصيرية فكان الحل هو الاستقلال بالرغم من ان شعب السودان انتخب يومها الاغلبية التى تدعو لوحدة وادى النيل..
ويالها من مفارقات غريبة ارتبطت بها الاحداث التى عرفها السودان والتى يصعب وجود تفسير منطقى لها :
اولها ان حزب بيت المهدى والذى عرف تاريخيا بالعداء المستحكم بينه والانجليز والذى عرف تاريخيا انه كان فى حالة حرب راح ضحيتها آلاف الانصار وقتل على يده حكام انجليز لكنه اصبح فجأة هو الحليف الاوحد للانجليز بسبب مطامع زعيم الطائفة ان يصبح ملكا للسودان تحت التاج البريطانى بينما زعيم طائفة الختمية السيد على الميرغنى كان مصنفا بأنه رجل الانجليز الذين أنعموا عليه بلقب السير تقديرا لولائه اصبح الحليف الاول لمصر فكيف تم تبادل المواقع؟ .
ثانيا الحزب الوطنى الاتحادى الذى حقق الاغلبية البرلمانية لبرنامجه الوحدوى مع مصر تراجع عن البرنامج السياسيى الذى حقق له ثقة الناخبين دون ان يرجع للناخبين الذين انتخبوه كما تقتضى القيم الديمقراطية كما حدث لحزب العمال البريطانى والذى حقق الأغلبية البرلمانية التى أهلته للحكم ببرنامج يدعو للتأميم ولكنه لما تبين له انه لن يحقق البرنامج الذى انتخب بسببه فانه عاد للناخبين ليقولوا رأيهم فى رؤيته الجديدة وعاد للسلطة بتفاهم مع الناخبين ومباركتهم التزاما منه بالقيم الديمقراطية
هكذا جاءت ضربة البداية لحزب الاغلبية الوطنى الاتحادى الذى انتخب من اجل وحدة وادى النيل ومع ذلك تراجع عنها دون ان يرجع للناخبين وهو موقف يتعارض مع القيم الديمقراطية مها كانت المبررات مشكلا بذلك انحرافا عن غرس القيم الديمقراطية ايا كانت المبررات والنتائج حتى لو كانت ثمرته الاستقلال ولكنه كان تصرفا عاديا لافتقار الاحزاب للثقافة الديمقراطية وقد اكد هذا مواقف اخرى مشابهة ففى ظاهرة تعد الاولى من نوعها ان تقدم احزاب سياسية على استغلال الاغلبية البرلمانية وتتكتل لتجهض الديمقراطية بحل حزب وطرد نوابه المنتخبين للبرلمان دون احترام لمن انتخبوهم والذين لهم نفس الحقوق الامر الذى أكد غياب الثقافة الديمقراطية عنهم فكيف تكون الديمقراطية إذا كانت الاغلبية تطرد الاقلية وجميعهم يتفقون انهم جاءوا الى البرلمان ممثلين للشعب فى دولة يفترض ان تحكمها مؤسسية ديمقراطية.
هذا هو واقع السودان عندما تولت الاحزاب السياسية الحكم الوطنى مجبرة وبعيدة عن الرعاة مصريين أو انجليز والذى يؤكد إن الأحزاب السياسية لم تعرف ارث الديمقراطية فى تكوينها ولا تعرفه حتى اليوم كما فقدت مصادر تمويلها من الخارج بعد فكها الارتباط بالقوى الخارجية التى كانت تتقاسم السودان وتتولى امر تمويلها الامر الذى اوقعها تحت قبضة ممولين لمصالح خاصة لهذا كان من الطبيعى إلا تحترم الديمقراطية فى المؤسسة الحزبية وان تقع تحت قبضة اصحاب المال فنشأت فاقدة للديمقراطية فكيف لها اذن ان تحترمها ارثا ديمقراطيا لحسم خلافاتها مع مخالفيها الرأى سياسيا من الاحزاب التى يفترض أن تكون شريكة فى ارساء الحكم الوطنى الديمقراطى فالديمقراطية ثقافة لا تتجزأ لهذا أصبح كل هذا مفقودا مما افقد الحكم الوطنى مبررات وجوده و دعائم استقراره الديمقراطى حتى الان كما هو الحال فى اوربا حيث تشكل الثقافة والقناعات الديمقراطية اهم مقومات الاحزاب السياسية لهذا فإننا لم نشهد انقلابا عسكريا فى اوربا او نسمع بمحاولة فاشلة لان الحزب الذى تتفق عضويته فى الفكر والرؤى السياسية لا جدوى منه اذا لم يبنى على مؤسسة ديمقراطية ولا يمكن ان يحترمها لخصومه من الاحزاب الذين يشكلون نقيضا له كما هو الحال فى السودان عندما فاجأهم الاستقلال وهم على هذا الحال لا يتمتعون بإرث الديمقراطية فكيف اذن لأحزابنا التى لم تعرف الديمقراطية فى مؤسساتنا الحزبية ان تحترمها وسيلة للحكم لهذا كان من الطبيعى ان تتحول المؤسسة العسكرية اداة حزبية لحسم الخلافات السياسية مدفوعة لهذا الموقف من القيادات الحزبية وليس لرغبة فى السلطة لتحل البندقية بديلا للسلاح الابيض الذى سبق واشهره حزب الامة.
فانقلاب نوفمبر الذى قضى على اول حكم وطنى بعد الاستقلال وزرع البذرة الفاسدة فى المؤسسة العسكرية والذى قام به الجنرالات من القيادة العليا للقوات المسلحة لم يكونوا هم الذين خططوا للاستيلاء على السلطة ولم يكن التفكير فى الانقلاب فى مخيلتهم بل كان استيلائهم على السلطة بأمر رئيس حزب الامة الحاكم البكباشى عبدالله بك خليل رحمة الله عليه الذى صور لهم ان تدخلهم سيجنب البلد الفتنة وقد اكد هذا قائد الجيش والانقلاب نفسه الجنرال عبود رحمة الله عليه فى اعترافاته بهذا الحدث الذى غير مسار العمل الوطنى فى السودان ولعل رئيس حزب الامة فى موقفه هذا –حتى لا نظلمه - توجس شرا سيتهدد البلد وهو يسترجع سابقة حزب الامة الشهيرة التى عرفت بحوادث اول مارس الشهيرة والتى شهدت فيها البلاد القتل بالسلاح الابيض يوم كانت جماهير الانصار تتحرك بالإشارة وسقط فيها الضحايا لما اقدم حزب الامة للتعبير عن رفضه استقبال الحزب الوطنى الاتحادى حليفه اللواء محمد نجيب رئيس المجلس العسكرى المصرى عندما كان الحزب يتبنى الوحدة مع مصر او ما سميت وحدة وادى النيل وهو نفس ما حدث منه فيما عرفت بحوادث بيت المال لهذا(فعلها) رئيس حزب الامة المنتخب ديمقراطيا وسلمها بإرادته الحرة للعسكر لما تيقن ان حزبه سيفقد الاغلبية النيابية التى جاءت به رئيسا لحكومة ديمقراطية إلا انه ضاق بها وعجز عن الالتزام بحكمها لما افضت بحرمان حزبه من الحكم الذى تربع عليه عبر بوابتها سواء قام بذلك خوفا على امن البلد أو لأنه لم يقبل خسارة الحكم لخصومه الموالين لمصر التى يعاديها حزبه بعد ان اصبح واضحا امامه ان حليفه فى الحكم حزب الشعب الديمقراطى الذى حقق له الاغلبية بعد انقسامه عن الحزب الوطنى الاتحادى قرر العودة لحزبه وكان حزب الشعب نفسه قد انشق عن الوطنى الاتحادى لما ضاق بالديمقراطية فى مواجهة الاغلبية التى تمتع بها الازهرى وجماعته من حزب الأشقاء حيث رفض الذين اسسوا حزب الشعب الموالى لطائفة الختمية الالتزام بحكم الديمقراطية فى الحزب الذى شاركوا فى تأسيسه فلم يقبل حزب الامة ان تفقده الاغلبية المنتخبة ديمقراطيا المشاركة فى الحكومة والكرسى الفاخر الذى يجلس عليه زعيمه رئيسا للوزارة مع ان الخلاف بين حزبى الامة والشعب الديمقراطى بل بين الطائفتين كان خلافا سياسيا حادا بين حزبه الموالى للغرب و يريد التحالف مع امريكا بقبول المعونة المشروطة والذى فجر وقتها قضية حلايب نكاية فى الحكومة المصرية وحليفه الذى كانت وجهته مصر التى كانت يومها زعيمة الاتجاه المعادى للغرب فى المنطقة لهذا فهو رافض لأى ارتباط بأمريكا وتصعيد العداء مع مصر وهو ما يؤكدان التحالف نفسه كان معيبا من البداية لما بين الطرفين من خلافات فى الرؤى السياسية حيث انهما نقيضان طائفيا وسياسيا لا يجمع بينهما اى موقف سياسي موحد منذ احترفت الطائفتان السياسة الرغبة فى السلطة فلقد كانا يختلفان حتى على استقلال السودان عندما كان حزب الامة يدعو لاستقلال يتوج فيه السيد عبدالرحمن ملكا تحت التاج البريطانى بينما يدعو قادة حزب الشعب لوحدة وادى النيل لهذا كان الدافع الذى جمع بين النقيضين الرغبة فى السلطة فى ذاتها وليس بسبب أى توافق سياسى يبرر التحالف بينهما لهذا عند مواجهة اول اختبار لهما فى موقف يفترض ان تحسمه الديمقراطية ان كانت هى اساس الحكم لم يصمد التحالف امام اول اختبار لها فانهار وكان قرار حزب الاقلية فى الشراكة فض التحالف والعودة لحزبه السابق لإسقاط الحكومة وكان خيار حزب الامة الخاسر الانتقام من الديمقراطية فأمر رئيسه الضابط السابق فى القوات المسلحة القيادة العليا للجيش ان تستولى على الحكم ليحسم بهذه الخطوة الاحتكام للديمقراطية وليعلن بهذه الخطوة اقحام المؤسسة العسكرية فى الصراعات الحزبية .
كانت تلك الخطوة الاولى التى جعلت من القوات المسلحة الية لحسم الصراعات الحزبية على انقاض الحسم بالوسائل الديمقراطية والثابت انه قبل هذه الواقعة لم تكن هناك اى مخاوف من العسكر أو أي مؤشرات للاستيلاء على الحكم ليصبح الجيش بعد هذه الواقعة الهاجس الاكبر على الحكم وليصبح اداة لحسم الصراعات الحزبية ولم تعد الديمقراطية قوام الحكم حتى فى الحكم المدنى القائم على احزاب سياسية تفتقد المؤسسية الديمقراطية فى بنيتها الداخلية ولا تحترمها فى خصومتها مع الاحزاب التى تخالفها الرأى وفى الالتزام بها معيارا للحكم والآمر هنا لا يخلو من طرفة تؤكد غياب الديمقراطية فما من حزب حسم خلافاته عسكريا إلا وكان رافعا شعار الديمقراطية واتخذ من وعوده بها للشعب مبررا للانقلاب وهكذا دخلت البلاد فى اكبر فرية ان تكون الانقلابات التى تجهض الديمقراطية يتصدر بيانها الاول ان تعد الشعب بالديمقراطية مع انها ستحكمه عسكريا بقوة البندقية
كان النتاج الطبيعى ان يفقد الحكم الديمقراطى وجوده موضوعا ويبقى شكلا ومظهرا زائفا وان تأتى كل الانقلابات ذات الطابع الحزبى سواء التى نجحت منها او فشلت كما هو حال الانقلاب اليسارى التوجه فى مايو 69 والذى اعقبه اانقلاب 19 يوليو ثم الانقلاب العنصرى حسن حسين ليتبعه انقلاب 30 يونيو 89 بعد أيقن إن الحزب الذى يطرح برنامجا اسلاميا وفق رؤيته ان الاغلبية البرلمانية ستطيح بقوانين النميرى الاسلامية فاشهر يومها حربه على الديمقراطية ليحول دون ان يصدر قرار الاغلبية لأنه لا يتوافق مع رؤاه السياسية لتأتى خطوته امتدادا لصراعات حزبية خرجت عن دائرة الديمقراطية ولتصبح الية الحسم الحزبى للمؤسسة العسكرية التى لم تعد قومية وبين هذه الانقلابات الناجحة العديد من المحاولات الفاشلة ذهب ضحيتها المئات من ابناء الوطن من قيادات عسكرية ومدنية حزبية بعد ان اصبحت هذه الانقلابات الوسيلة الوحيدة لحسم الخلافات السياسية بعيدا عن الديمقراطية ومن هنا يتأكد فشل الحكم الوطنى بسبب غياب الحس الديمقراطى وليس فى مطامع العسكر فى السلطة وهو ما تسال عنه الاحزاب السياسية بلا استثناء اما لماذا فشل الحكم الوطنى فى ان يرسى مؤسسية ديمقراطية للحكم فهذا موضوع الحلقة القادمة الحلقة الثانية .



[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 695

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




نجيب عبدالرحيم
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة