المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
ما جدوى الحكم الوطنى اذا كان ضحيته المواطن؟! (الحلقة الثانية)
ما جدوى الحكم الوطنى اذا كان ضحيته المواطن؟! (الحلقة الثانية)
03-21-2013 07:48 PM

وهل حررنا السودان من الاستعمار الاجنبى ليحل مكانه الاستعمار الوطنى؟
كيف ولماذا اصبحت المواطنة قاصرة على زعماء الطائفة والقبيلة وحملة السلاح؟

خلصت فى الحلقة السابقة الى ان الحكم الوطنى فشل فى السودان وان عهد الاستعمار لا يزال هو الافضل فى تاريخه طالما ان المعيار للحكم الوطنى هو رفاهية المواطن و امنه واستقراره بتوفر احتياجاته الضرورية من معيشة وتعليم وعلاج واحترام ادميته على قدم المساواة دون تميز أيا كان لونه أوجهويته أو دينه أو عنصريته لتسود سودانيته.فهذه هى مقومات الحكم الوطنى ومبرراته والتى فشل الحكم الوطنى فى ان يحققها للمواطن فهل حررنا السودان من الاستعمار الاجنبى ليحل مكانه استعمار وطنى لفئة مميزة فالحقيقة التى اغفلها وغابت عن القوى السياسية ان السودان لم يكن اصلاً دولة واحدة وإنما كان مجموعة دويلات من المماليك والسلاطين انتشرت فى اغلب مناطقه من سنوات ولا تزال اثار هذه الدويلات قائمة وان الاستعمار هو الذى وحدهم ادارياً تحت ادارته كمستعمر ومع ذلك تعامل مع كل منهم باستقلالية تامة عبر المديريات وهذا ما لم يملكه الحكم الوطنى عندما حلت قلة من الوطنيين مكان الانجليز لينتقل السودان من الاستعمار الاجنبى للاستعمار الوطنى فكان هذا مبررا إلا تقبل مناطق السودان المتضررة بهذا الوضع ولا تزال.
الواقع الذى يجب ان نعترف به ولا نكابر فيه ان المواطن واعنى به المواطن الأغش الذى يمثل الاغلبية العظمى من السودانيين اصحاب الحق الاصيل ظل مهملا منذ عرف الحكم الوطنى الذى انتهى به الامر لان يكون تكالب وصراع من اجل السلطة لا مكان فيه للأي ى اعتبار له إلا اذا كان من منسوبى البيوت الطائفية وزعماء القبائل او تمرد وحمل السلاح فى وجه السلطة ليجد الاعتبار من ولاة الامر(دخل الغابة بلغة الزمن) ليحق له ان يكون شريكا فى (القسمة)
ولعلنى بهذه المناسبة احكى واقعة اقف شاهدا عليها لها مدلول كبير فلقد تخرج معنا فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة الخرطوم عام 63 من أ بناء الدينكا أخ اسمه جادو (لا ادرى اين هو الان) وكان معروفا عنه فى الجامعة انه وحدوى كما هو حال الدينكا كلهم فى ذلك الوقت وتم الحاقه مفتشا بوزارة المالية وقتها وتشاء الصدف ان التقيه بعد 25 عاما وكان حاله يغنى عن السؤال فسألته عن حاله فضحك وقال لى انه حتى الان فى الدرجة الرابعة مع ان كل ابناء الدفعة من الشماليين الذين واصلوا العمل فى الحكومة اصبحوا وكلاء ووزراء وسفراء ثم واصل بسخرية قائلا (انت تعرف لو انا كنت مشيت الغابة وحملت السلاح ونزلت فيكم كتل كنت بقيت حاجة كبيرة لأنه انتوا الشماليين ما بتحترموا الا البرفع السلاح ) وسمى لى بعض الذين حملوا السلاح من ابناء الجنوب وفى سن اولاده وأصبحوا وزراء وسفراء وبعضهم اخذ طريقه للقصر بينما بقى هو كما مهملا.ويا لها من مفارقة فلقد دارت الايام ليحمل ابناء الدينكا السلاح وينفصل الجنوب على يدهم
هذا هو الواقع الذى اسس له الحكم الوطنى والذى عبر عنه جادو بكل شفافية وكان من اهم افرازاته الواقع الذى يعيشه السودان اليوم بعد ستين عاما من الاستقلال الذى لا يجدفيه أبناء السودان الغبش اى اعتبار الامن اشهر منهم السلاح فى وجه السلطة او يكون من ابناء زعماء القبائل والطائفية..
حقيقة ان الانسان منذ نشاته على مستوى العالم فشل فى ان يحقق الحكم الوطنى بمفهومه الشامل حيث استنبط الانسان انظمة للحكم متعددة ومتفاوتة من انظمة ملكية وعقائدية وديمقراطية وعسكرية(بشتى اشكالها ومسمياتها) الا انها تفرز فى نهاية الامر تميزا بين المواطنين حيث ان الحكم والسلطة فى نهاية الامر تستأثر بها قلة تتمتع بالرفاهية على حساب الاغلبية العظمى ايا كانت طبيعة الحكم وان كان هناك فارق كبير بين الديمقراطية الليبرالية وبقية انظمة الحكم لأنها الافضل نسبيا من كل الانظمة الاخرى التى ابتدعها الانسان سواء كانت عقائدية يسارية او اسلامية لأنها انظمة دكتاتورية قهرية تستأثر فيها القلة بخيرات الدولة على حساب حقوق الاغلبية بالقوة والقهر لهذا فأنها لا تخضع لمحاسبة المواطن بإرادته الحرة فى صناديق الاقتراع كما هو الحال فى حكم الديمقراطية اللبرالية
فأوربا سبقت العالم وتميزت عليه عندما نجحت فى ان تؤسس لحكم ديمقراطى يتمتع فيه المواطن بحرية دستورية دون تزييف عبر صناديق الاقتراع (غير المضروبة) بالرغم من ان هذا النظام افرز قلة تمثل طبقة الرأسمالية تتميز عن عامة الشعب بحكم سيطرتها على مفاتيح الحكم بالمال عبر الهيمنة على الاحزاب ومع ذلك تبقى اوربا هى النموذج الافضل حتى الان ويبقى المواطن الاوربى هو الاكثر تمتعا بحقوقه الاساسية واحترام ادميته وإنسانيته وحريته فى ان يختار حاكمه ومحاسبته عبر صناديق الاقتراع و بإرادته الحرة.
ولكن الانسان ابتدع ايضا انظمة حكم تقوم على
الفلسفة والفكر العقائدى بداية بالماركسية اللينينية والتى قامت نظريتها مناهضة للديمقراطية اللبرالية رافضة لتميز الطبقة الرأسمالية تنادى بان تسود العالم طبقة واحدة هى الطبقة العاملة وتقوم النظرية على ان تثور هذه الطبقة فى وجه الرأسمالية وتستولى على السلطة بثورة يقودها الحزب الشيوعى الذى تمت تسميته بحزب الطبقة العاملة تتولى باستيلائها على السلطة بالقوة مهمة تصفية وجود الطبقة الرأسمالية وذلك بملكية الدولة لكل وسائل الانتاج والتوزيع لتسود الدولة طبقة واحدة تتساوى فى الحقوق نظريا يمثلها فى السلطة الحزب الشيوعى إلا ان النظرية عند التطبيق العملى بعد ان نجحت الاحزاب الشيوعية فى ان تفجر ثورات فى اكثر من بلد لتهيمن هذه الاحزاب على اكثر من نصف أوروبا إلا انها عند التطبيق العملى للنظرية نجحت فى تصفية طبقة الرأسمالية الا انها استبدلت طبقة الرأسمالية بطبقة القلة الحزبية الحاكمة المهيمنة على الحزب بنفس تميز الرأسمالية ليصبح الحزب نفسه طبقة مميزة عن بقية الشعب وبصورة اسوأ من طبقة الرأسمالية لأنها لا تخضع لرقابة المواطن كما هو الحال فى الديمقراطية اللبرالية يوم يقول المواطن كلمته فى صندوق الاقتراع وبحرية تامة بينما تبقى طبقة الحزب العقائدى الحاكم شان خاص بعضويته التى حلت محل الرأسمالية قابضة على السلطة بالقوة والقهر مما ادى لانهيار النظرية الشيوعية على الصعيد العملى مما دفع بالشعوب لتنقلب عليها بثورات اعادت الدول الاوربية الشيوعية للديمقراطية .
وبالرغم من هذه النهاية ولشهوة الطامعين فى السلطة بالقوة تعددت النظريات العقائدية وتنوعت لتعتمد احزابها على الانقلابات العسكرية ولتؤدى تلقائيا لنفس تميز قادتها كطبقة مميزة اسوأ من الرأسمالية لتواجه نفس المصير فى النهاية كما هو الحال فى بعث سوريا (مثالا) عندما رفض شعبها تميز طبقة حزب البعث
. .
لم تقف نظريات الحكم العقائدية على نهج اليسار الشيوعى والبعثى والناصرى بأشكاله المختلفة فلقد برزت قوة ثالثة عقائدية اتخذت من الاسلام طريقا للهيمنة على الحكم وتمثل نقيضا للفكر العقائدى اليسارى الذى يستحيل معه التعايش بين النقيضين تحت ظل الديمقراطية اللبرالية وكما تعددت النظريات العقائدية اليسارية فالحال لم يختلف فى الفكر العقائدى الاسلامى حيث تعددت المنظمات العقائدية الاسلامية نفسها فى مؤسسات مناهضة لبعضها البعض ولكنها كل هذا النظريات العقائدية الاسلامية لم تقدم فى نهاية الامر اى نموذج لحكم يختلف عن هيمنة قلة على السلطة تستأثر بخيرات الدولة (المؤتمر الوطنى فى السودان نموذجا) ليصبح الحال على بعضه سواء كانت عقائدية يسارية او اسلامية حيث تفرض هيمنتها بنفس اسلوب القهر ومصادرة حرية المواطن التى تكفلها له الديمقراطية اللبرالية ولتصبح هى الاخرى مهددة بنفس المصير الذى تهددا لأنظمة الدكتاتورية العقائدية.
لهذا اصبحت منظومة الصراع على السلطة لمصلحة الحكام وعلى حساب الاغلبية المسحوقة هى المحصلة النهائية لا لاستقلال السودان ولتصبح الديمقراطية اللبرالية المغيبة هى الافضل نسبيا لمصلحة المواطن.لان المواطن فى نهاية الامر يتمتع بحق المحاسبة والأكثر تمتعا بحقوقه المتساوية طالما انها رغم سلبياتها يتمتع فيها المواطن بحق المحاسبة عبر صناديق الاقتراع فى حرية تامة. ودون تزييف لإرادته ومع ذلك يبقى المواطن السودانى ضحية الصراع العقائدى لاستحالة التعايش بين النقيضين تحت ظل نظام واحد كما يبقى المواطن ضحية الاحزاب السياسية التى تفتقد المؤهل لبناء حكم ليبرالى ديمقراطى .
لهذا اصبحت الانقلابات العسكرية هى الالية لحسم صراعات الطامعين فى السلطة على كل المستويات..
لهذه الاسباب مجتمعة فشل الحكم الوطنى فى السودان ذلك لأنه جرب كل هذه الانظمة والنظريات ولم يتغير حاله فى ان يؤسس حكم وطنى يحوز رضاء المواطن العادى وهو ما لا تسأل عنه المؤسسة العسكرية وحدها بالرغم من انها شريك فى الفشل ولفترة اطول قياسا بهيمنتها على الحكم الوطنى لفترة اطول باتجاهاته اليسارية والدينية وإنما تسال عنه الاحزاب الوطنية غير العقائدية التى تولت الحكم بعد جلاء المستعمر يوم لم يكن للفكر العقائدى وجود مؤثر فى الساحة السياسية لقلة نفوذ الحزب الشيوعى فى ذلك الوقت ولان السودان لم يكن يعرف اى وجود لمنظمات عقائدية اسلامية فى دنيا السياسة
اذن الاحزاب السودانية التى ارتبطت بفترة الاستقلال الاولى هى التى فشلت فى ان تؤسس لدولة ديمقراطية ليبرالية يتساوى فيها السودانيون دون ان تفرق بينهم جهوية او عنصرية او دينية وعبر احزاب وطنية لا تعرف الفكر العقائدى..
اذن فهو سؤال هام يفرض نفسه ولا اظنه وجد ما يستحقه من الدراسة بالرغم من اهميته وطالما ان اسباب الفشل لم تدرس للوقوف على مسبباتها فان من الطبيعى ان تزداد الاوضاع سوءا لان من لا يعرف العلة لا يملك العلاج .
لماذا اذن فشلت الاحزاب التى ورثت الحكم من الانجليز فى بناء الحكم الوطنى حتى تجنب البلد الانفلات العسكرى العقائدى والعنصرى والجهوى والدينى ايا كان نوعه؟
مكابر من يدعى ان الحكم الوطنى لم يفشل عبر تاريخه واكبر دليل على فشله ان كل حقوق المواطن التى اسسها الانجليز فى السودان اجهضت فى عهد لحكم الوطنى وان تفاوتت نسبة الاجهاض من نظام لنظام فحال المواطن والدولة فى عهد الاستعمار مقارنة بالعهد الوطنى بأشكاله المختلفة يدحض اى ادعاء بغير ذلك يؤكد ذلك العزلة التى يعيشها الحكم الحالى لرفض الشعب للواقع الذى فرض عليه عنوة كانت ثمرته ان تستأثر القلة القابضة على الحكم بخيرات البلد مقابل افقار الاغلبية العظمى من المواطنين كما تؤكده العزلة التى تعيشها القوى السياسية المعارضة التى تطرح نفسها بديلا له بلا استثناء لان الشعب خبرها اكثر من مرة ولا يعرف لها رصيدا يشجعه على عودتها فكلاهما الحكومة والمعارضة لا يتمتعان بثقة الشعب حتى اصبح الشعب فى مأزق يبحث له عن مخرج.من الحبس فى زنزانتين .
ولعلنى بدأ وفى اطار البحث عن اجابة على هذا السؤال الهام ان اجمل اجابتى فى ثلاثة كلمات فقط:
(فاقد الشئ لا يعطيه) فلكى ينجح الحكم الوطنى لابد من توفر مقومات معينة تقوم عليها القوة التى تتحمل تأسيس هذا الحكم وبكل اسف فان السودان فقد هذه القوى منذ لحظة اعلان استقلاله ولا يزال فاقدا هذه المقومات حتى اليوم وفاقد الشئ لا يعطيه كما قلت.واهم مقومات هذه القوى تتمثل فى:
1- الحكم الوطنى ليس شعارا ترفع رايته تحت مسمى الاستقلال وإنما هو رؤية وطنية تقوم على برنامج محدد الاهداف يستهدف رفعة المواطن وصيانة مصالحه القومية ووحدته من خلال حكمه لنفسه وليس عبر فئة تسيطر عليه لحسابها الخاص وليست لديها اى رؤية وطنية لبناء الحكم الوطنى الذى يوحد كل الجهويات والعنصريات والقبليات والدينية تحت راية سودان موحد و هذا ما افتقده السودان منذ الاستقلال.
2- هذه الرؤية الوطنية بحاجة لآلية حكم قوامها حكم المواطن لنفسه عبر مؤسسية ديمقراطية لان غياب هذه المؤسسية يعنى انفراد قلة بمؤسسة الحكم مدنية كانت ام عسكرية ايا كان فكرها العقائدى مما يعد اهدار لمصلحة المواطن لان الحكم فى النهاية يعبر عن رؤية ومصالح القلة القابضة على مفاتيحه والتى لم تتعدى رؤيتها كراسى السلطة .
لهذا فان فشل الحكم يرجع لهاتين العلتين فالسودان منذ عرف ما سمى بالاستقلال وإيذانا بالحكم الوطنى ظل فاقدا لهاتين النقطتين ولا يزال .
لهذا فشل الحكم الوطنى وسيبقى فاشلا طالما بقي على هذا الحال اسيرا لهاتين العلتين.
وبالطبع فان فقدان هذه المقومات لم يكن صدفة انما كانت هناك ظروفا موضوعية ادت لهذا الواقع والمؤسف انها تراوح مكانها منذ ذلك الوقت من قبل وبعد اعلان الاستقلال.
اما العلة الاولى والتى اجملتها فى غياب الرؤية الوطنية وغياب البرنامج الخاص بالحكم الوطنى وأهليته لصالح المواطن فان غيابه كان مبررا حيث ان الاستقلال انما حملته الصدفة ولم يكن هدفا لأي قوة سياسية من القوى المواجهة للاستعمار حيث انه لم يكن مطروحا لدى القوى السياسية والتى تمركزت بين قوتين طائفيتين مواليتين لقوى اجنبية واحدة منها موالية لمصر والأخرى موالية للانجليز ولم يكن لأي منها اى رؤية سودانية خالصة لحكم وطنى بمفهومه المستقل عن اى تبعية تضع فى حسبانها ان السودان تاريخيا لم يكن الا مجموعة دويلات متباينة متفرقة قائمة على الاختلافات العنصرية والجهوية والقبلية والدينية تحكمها ثقافات متباينة ومتعددة حيث انه عرف الملوك والسلاطين فى الكثير من مناطقه الامر الذى كان يحتم وجود رؤية لإعادة صياغته فى دولة موحدة تحقق الانصهار والمساواة بين مختلف مناطقه دون تغول منطفة او لون او عنصر او دين عليه ولكن الاستقلال الذى جاء مفاجئا ورد فعل لتحول فى مصر بسبب اقصاء انقلاب 53 للواء محمد نجيب عن رئاسة المجلس العسكرى لهذا لم يكن الاستقلال الا عملية احلال لقوى معينة من منطقة ذات عنصر وهوية دينية وثقافية واحدة بديلا للانجليز فى السلطة الامر الذى افرز حالة من الاحتقان والإحباط لإحساس اغلبية مناطق السودان التى تختلف جهويا وعنصريا وبعضها دينيا بانها انتقلت من استعمار اجنبى لاستعمار وطنى فكان رفضهم للاستعمار الوطنى اكثر من الاستعمار الانجليزى لان الاستعمار الانجليزى لم يكن يميز بينهم كما فرق بينهم الاستعمار الوطنى لإحساسهم بأنهم سواسية تحت سلطة مستعمر اجنبى .
فالحكم الوطنى لما تحققت السلطة للطائفتين ومن يواليهم او يعمل على استغلالهم من اللامنتمين لهم بعد الاستقلال وتم تحرر الحزبين المتصارعين عن القوتين الاجنبيتين بسبب الاستقلال الذى تحقق للسودان كحل وسط توفيقى لا بد منه لتجنيب السودان الانفلات الامنى والذى كانت مؤشراته واضحة فى الكثير من السلوكيات التى فرضت نفسها على الواقع السودانى لم تكن للقوتين اى رؤية وطنية عن واقع السودان وأولياته ليكونوا على بينة من متطلبات الاستقلال حيث لم تكن لهما رؤية سياسية عن ضرورة اعادة صياغة السودان الذى تسلموه كدولة مترامية الاطراف والجهويات والعنصريات والأديان لهذا وبدلا من ان يكون هذا هو الهم الاول للحكم الوطنى الذى تسلموه انصرفا للصراع من اجل الهيمنة على السلطة وتجاهلوا الاهداف الاستراتيجية لدولة ممزقة ومشتتة بحاجة لتجميع اطرافها فى دولة وليدة لم يكن يجمع بينها الا وقوعها تحت سيطرة الاستعمار الذى لم يفرز حكمه اى حالات من الاحتقان والإحساس بالدونية لسيطرة منطقة ذات عنصر ولون وجهوية ودينية واحدة بعينها على الدولة الوليدة كما اصبحت بعد الحكم الوطنى تحت ظل اوضاع حزبية محدودة الوجود كما ونوعا. .
فلقد تسلمت القوى الوطنية استقلال السودان فى طبق خالى من اى رؤية وطنية لأي من الاطراف التى تعين عليها ان تتسلم دولة لم تكن فى حسبانها ولم يكن بيد اى منها اى رؤية عن ما تفعله غير الاحلال والإبدال الشكلى بان يغادر اجنبى مقعده وان يخليه لوطنى والذى انفردت به مجموعة محسوبة على منطقة واحدة بعينها رغم صراعاتها الدموية دون مراعاة الى انه لم يكن هناك من يحس بالدونية تحت الحكم الاجنبى لإحساس السودانيين انهم كانوا كلهم سواسية تحت قبضة الانجليز لهذا عرف السودان انفجار الصراعات الجهوية والعنصرية والدينية بعد ان هيمن على الدولة لون وعنصر ودين واحد ولفئة محدودة قوامها الطائفية.والعقائدية اليسارية و الاسلامية وفشل الاحزاب السياسية .
ومما ضاعف من الاوضاع تعقيدا ان الهم الوطنى لمعالجة هذا الموقف المفاجئ بغية الغوص فى معنى الاستقلال ومضمونه للتوحد حول رؤية وطنية تضع اى اعتبار لتركيبة السودان المعقدة والمتباينة جهويا وعنصريا ودنيا ولونيا انصرفت القوى التى الت اليها السلطة وحلت مكان الاجنبى دون ان تعد نفسها لذلك انصرفت للصراع حول السلطة وظلت تنقسم على نفسها بسببه وهو الصراع الذى استنزف من الدولة اكثر من نصف قرن حتى اليوم ولا يزال صراع السلطة هو الذى اصبح جوهر الحكم الذى لا يزال عاجزا عن لملمة الدولة بما يحقق التكافؤ والمساواة بين اهله وليصبح سببا فى ان ينفصل عنه اهم اجزائه و ليخلف المخاطر على غيره من المناطق التى انتهى لها الوضع فى السودان والتى لا تزال مهددة بما هو اسوا منه كنتيجة طبيعية لغياب الرؤية الوطنية للسودان الذى اصبح دولة قائمة لذاتها بالصدفة ودون ان يخطط لهذا احد.بل حتى الان لا يستوعب قضيته احد
هكذا كانت العلة الاولى وأما العلة الثانية فانها تتعلق بالآلية التى تقوم عليها الدولة تحت الحكم الوطنى بالقدر الذى تتحمل فيه المقدرة والكفاءة والتجرد لتحقيق الاستقلال مضمونا وليس شكلا للحكم والسلطة ولعل هذه العلة هى الاخطر فى تاريخ السودان ولا تزال .
هذه العلة الثانية تمثلت فى الاحزاب السياسية السودانية والتى ال اليها الحكم الوطنى بعد الاستقلال والتى نشأت تحت عباءة الطائفتين المتنافرتين والتى كان يتعين عليها ان تؤسس لدولة ديمقراطية مؤسسية تكون الحاكمية فيها للمواطن بمختلف جهويته وعنصريته وديانته حتى تسوده المساواة فى الحقوق والمشاركة المتكافئة فى مؤسسة الحكم وهذا ما افتقدته الاحزاب السياسية ولا تزال تفتقده حتى اليوم مما دفع بها ان تقحم العسكر ليزيدوا الاوضاع سوءا.
ولكن هل كانت الاحزاب السياسية التى تولت الحكم بعد الاستقلال مؤهلة لان تؤسس لدولة ديمقراطية يتقاسم فيها المواطنون تداول السلطة فى ديمقراطية تامة تكفل لكل الاطراف من مختلف الجهويات والعنصر واللون والدين المساواة فى الوجود تحت ظل حكم وطنى راشد. وهل كانت هذه الاحزاب التى ورثت السلطة على قدر ووعى بان السودان محل مطامع قوى اجنبية لما له من امكانات وقدرات اقتصادية تمثل قارة بحالها مما يجعله محل استهداف وتآمر لأصحاب المطامع من مراكز القوى العالمية. وان لكل دول الجوار حوله مصالح متضاربة ومطامع فيه
لا وألف لا فالأحزاب نفسها لم تدرك هذه الحقيقة ولا تزال غير مدركة لها لهذا فهى ليست على مستوى المسئولية لتواجه هذا الواقع مما حولها بلا استثناء لأدوات يحركها اصحاب المطامع الاجنبية ودول الجوار لتنفيذ مخططاتها بعد ان اصبحت امريكا قابضة على ملفاته منذ اسلمت السلطة والتجمع الوطنى امريكا زمام الامر يوم خضعا لرغبتها فى حق تقرير المصير اعترافا منهم بان هناك جزءا من الوطن مستعمر.
فالأحزاب الوطنية التى ال اليها الحكم الوطنى بعد الاستقلال والمنوط به ان تؤسس لسودان يستوعب كل هموم الوطن فى مؤسسة ديمقراطية هى نفسها لم تعرف ولازالت لا تعرف ولن تعرف الديمقراطية فى بنيتها الحزبية فكيف لها اذن ان تؤسس لدولة ديمقراطية يتساوى فيها المواطنون فتتوحد كلمتهم من اجل الوطن وهم ليس فى قاموسهم غير الصراع من اجل السلطة وبأي وسيلة كانت ومهما كان الثمن.ومع هذا خولوا انفسهم ليقرروا مصيره بالنيابة عن وطن لم يفوض ايا منهم حكاما ومعارضين .
فالأحزاب السودانية والتى عرفها السودان والتى لا يزال يعرفها فأنها احزاب لات عرف ولن تعرف الديمقراطية بحكم بنيتها وجذورها حيث ان ما يسمى بالأحزاب الوطنية والتى ترجع فى نشأتها اما للطائفية الدينية او النظريات العاقائدية بأنواعها وان كانت هذه الاحزاب العقائدية قويت شوكتها فى الفترات الاخيرة الا انها فى نهاية الامر لا تحتلف عن الاحزاب الطائفية حيث تتفق كلها فى غياب الثقافة الديمقراطية وان بدت شكلا فى بعض مظاهرها من غير جدوى.
فالأحزاب الطائفية والتى تتمثل فى الحزبين الكبيرين اللذان ظلا يتقاسمان السلطة فى صراع لم ينقطع منذ عرف السودان الحكم الوطنى حيث انهما لم ينقطعا عن هذه السلطة حتى تحت الحكم العسكرى انما هى احزاب يحكمها الفرد ويتوارثها الابناء لهذا فهى احزاب دكتاتورية التكوين لا يختلف حالها عن الاحزاب العقائدية لهذا تواجه نفس العلة فى عدم احترام الديمقراطية.
اما الجانب الاخطر فى البنية الحزبية انها وبمختلف مكوناتها الطائفية او العقائدية فأنها اما نشأت صناعة اجنبية او موالية لقوى اجنبية وليس بينهم من نشأ من رحم الوطن وأهله واهتماماته.
احزاب نشأت تحت الرعاية الخارجية طائفية او عقائدية فكلها قامت على ولاية الاجنبى هكذا واقع كل الاحزاب السودانية ولا يزال ولا تتفق إلا على امر واحد هو الرغبة فى السلطة.
وإذا كان من تطور خارج هذه القاعدة شهدته الدولة السودانية فانه يتمثل فى نشأة الاحزاب الجهوية والعنصرية التى ولدت افرازا طبيعيا لواقع الاحزاب السودانية ليزداد الامر بمولدها اكثر تعقيدا وخطورة بعدان سادت الرؤية الجهوية والعنصرية هذه الاحزاب الجديدة التى افرزها فشل الاحزاب السياسية فى ان تكون احزابا قومية ديمقراطية. جامعة لكل اهل السودان
كيف اذن لأحزاب هذا واقعها ان تؤسس دولة ديمقراطية مؤسسية.
وفى الحلقة القادمة لابد من وقفة تفصيلية مع اكبر حزبين هما سبب الانتكاسة الوطنية واللذان يتحملان المسئولية الاكبر فى فشل الحكم الوطنى

والى الحلقة الثالثة


النعمان حسن


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 646

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




النعمان حسن
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة