المقالات
منوعات

03-22-2013 02:05 PM

صدر حديثا عن شركة مطابع السودان للعملة المحدودة – كتاب حدث، يقلب كثيرا من المسلمات التاريخية رأسا على عقب ، بحجج بينة ، ومنطق قاهر ،إزورَّ عن التقديم له بعض أهل التاريخ وهم يستبطنون تأييد حقائقه اتقاء غضبة مأدلجي التاريخ ، كتاب تكتنفه الدهشة من أول سطر فيخرج بك من دهشة ليوردك أخرى هكذا بلا انقطاع حتى يحيلك إلى آخره ، نزع ميراث حضارة مروي من كثير من متدثريها حصرا ومانحي أنواطها وحاضني أنسابها ، إلى آخرين منسيين في قلب جبال النوبة، مقدوحة أصولهم ، قدم له ونوه به وأمن على توصياته البروفسور أحمد إلياس حسين -أستاذ التاريخ بجامعة الخرطوم- بأفضل ما يكون التقديم. كاتبه الأستاذ عبد الباقي حسن فيرين أحد مثقفي جبال النوبة وصاحب قدم راسخة في تاريخها وثقافتها ومجتمعها ، وقد جهدت في تسليط الضوء عليه هنا ولا أخفي كم أعسرت في هذا.
(الأماويون) نسبة إلى (الأما) والأما هو الاسم الذي يطلقه النوبة النيمانج على أنفسهم ، ويأتي هذا الكتاب بقلم أحد أهم مثقفي جبال النوبة في خضم ثورة الحراك الفكري والثقافي الاجتماعي السوداني بعامة والنوبي خاصة وبسط وفلسفة تاريخهم في سياق تقويم كتابته وسبره ، وفي سبيل كتابة وتقويم تاريخ النيمانج وثقافتهم يعيد الكاتب قراءة تاريخ السودان ، وقد مثل كتاب عبد الله عبد الله جهدية الموسوم بالمقدمة في تاريخ (الأما-النيمانج) الاجتماعي خير توطئة لهذا الكتاب الذي نحن بصدد قراءته هنا، ولعل كتابا آخر في سبيله إلى الصدور للأستاذ الطيب الأمين جبريل – وهو مختص في التاريخ- على أعتاب الصدور قد يمثل ختما لدورة تجديدية كاملة نحن موعودون بمعايشتها .
الكتاب في نهجه علمي رصين أليق برسائل الدراسات العليا العلمية مما قد يعسر للقارئ غير المثقف فهمه واستظهاره ، وقد استعان كاتبه بالمناهج العلمية من تحليل لسياق النصوص والنحو وفقه اللغة والدراسات اللغوية المقارنة والروايات ، وقد تتبع فيه قبيلة (الأما-النيمانج) منذ أول وجودهم في منطقة (أمادا) التاريخية جنوب الشلال الأول ناحية أسوان وتواصلهم مع ملوك مصر في القرن السادس عشر قبل الميلاد حتى بلوغهم ديارهم الحالية التي تعرف بالاسم ذاته (أمادا) غرب الدلنج ، ولم يقف على قبيلة (الأما-النمانج) وحدها بل احتج لوجود قبائل كتلا والتيرا وتلودي ومجموعة الكافات أيضا في نهر النيل ، والكتاب في ظني يرد بعلمية على تبعيض النوبة وتهم مجيء بعضهم من خارج السودان ويحل لغز التنازع في اسم (نوبة). ويقع في (268) صفحة من القطع المتوسط وسبعة فصول استعان فيه ب (72) مرجعا مختلفا وتتحفه عدد من الصور والرسومات ، سنتناول هنا أهم قضاياه.
من هم النوبة:
بما أن التزاحم والاصطراع على هذا الاسم شديد بائن ، فمن الناس من يقسم النوبة إلى (نوبة-نوبي) و(نوبا-نوباوي) ،وهناك من يحصر قبائل محددة في الشمال والجبال يطلق عليها هذا الاسم ، أفرد المؤلف فصلا كاملا لنقاش هذه القضية حيث بدأ بذكر تاريخ الاسم فذكر من أطلقه هم قدماء المصريين قبل ثلاث آلاف سنة قبل الميلاد للتدليل على الأرض جنوب مصر وسكانها ، وبالطبع لا خلاف على المعنى وهو الذهب ،ويضيف فيرين أن مدلول نوبة جغرافي وأثنوغرافي وبالتالي لا علاقة للاسم بالمجموعات الساكنة الآن بالنيل ولا بلغتهم المعروفة الآن بالنوبية لأنها وفدت مؤخرا ؟؟
يوضح أكثر ويقول إن النوبة الذين أطلق عليهم قدماء المصريين هذا الاسم هم (نبتة ، وأهل كرمة ، والإثيوبيين ) وقبائلهم هي (نوبي مجا ، نوبي يام ، نوبي واوات ، نوبي كاعو) وهم الذين غزوا مع القائد أوني غرب آسيا وهم منجموا الذهب وبناة الأهرامات ، أما المتحدثون باللغة النوبية الآن لم يستوطنوا وادي النيل إلا في القرن الرابع الميلادي عقب انهيار الدولة المروية وبالتالي فهم ولغتهم بعيدين كل البعد عن لغة وعنصر بناة الأهرامات ويقول هم نوباط والنوباط تحركوا من الصحراء الغربية بتشجيع من الرومان الذين كانوا يحتلون مصر نحو القرن الثالث الميلادي وجعلوهم على النيل ليصدوا بهم حملات البليميين على حدود مصر الجنوبية وكان هذا الاتفاق سنة 297 كما ذكر ذلك المؤرخون وقد كان المرويون لا يزالون حكاما للسودان حينذاك ثم انتشرت النوباطيين وجرى عليهم بعد ذلك اسم النوبة رغم أنهم لم يكونوا من قبائل النوبة الأساسية التي ذكرناها عاليه لذلك وقد جعل عالم اللغات الفرنسي كلود ريليه لغة النوباط آخر الأسس اللغوية للغات السودانية الشمالية الشرقية وذلك بعد المروية ولغة النارا في إرتريا ولغة (الأما-النيمانج) ولغة التاما والمراريت ثم أخيرا النوباطية وبالتالي فإن ما يعرف بالنوبة الآن في الشمال لم يندفعوا إلى النيل من وادي هور إلا بزوال مملكة مروي وبالتالي فإن لغة المتحدثين بالنوبية الآن لم يستوطنوا وادي النيل إلا في القرن الرابع الميلادي ولغتهم بعيدة كل البعد عن لغة وعنصر المرويين بناة الأهرامات
ثم يقول الباحث لماذا مستغربا لماذا يتم تخصيص اسم (نوبة) على آخر الوافدين

النوبة شمالا وجبالا
ينعى الكاتب بشدة على من لا يرون رابطا بين نوبة الشمال والجبال ويقول إن اسم نوبة كان خاصا بالمجموعات الكوشية الأولى قبل ظهور المتحدثين بما يعرف باللغة النوبية اليوم لكن الاسم انسحب على المجموعات اللاحقة بعد وصول النوباط بانهيار المملكة المروية سنة 356 وتفرق أهلها ، فلا مجال لحصر الاسم إذن ، وبهذا الفهم فالنوبة ليسوا عنصرا واحدا أو تراكمية ثقافية فذة كما يقول الكاتب فهم بداية بالعصر الحجري القديم وحضارة الخرطوم والشهيناب ثم العصر الحجري الحديث والمجموعات (أ) و (ج) فكرمة والواوات فنبتة (الكوشية الأولى) ومروي (الكوشية الثانية) وينضاف لها المكون الحضاري المصري وهجرات غرب إفريقيا ، فالنوبة إذن مختلفون في عناصرهم وثقافاتهم ، ويشير الكاتب إلى تفرق النوبة في السنغال والنيجر ونيجيريا ومن أمثلة قبائلهم في غرب إفريقيا قبائل الولف وسيري وتيرا ويدلل الكاتب على نوبيتهم بطرق شتى ومنها الأسماء ومن ذلك اسم (كوة) و(كومي) الذي صار (كوامي) ومنه كوامي نكروما المناضل الإفريقي الشهير ومن ذلك (كافي) الذي صار (كوفي) ومنه كوفي أنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة ، كما أشار لنوبة يوغندا وكينيا وتنزانيا. فالنوبة إذن هم من يحملون وعيا نوبيا في دواخلهم دون اعتبار لألوانهم ولغاتهم وأقاليمهم
ومن القضايا المهمة التي تناولها الكاتب ما تناوله عن الأجانق (العنج) ومعروفة هي الصلات اللغوية بين الأجانق ونوبة الشمال الحاليين الذين نسبهم الكاتب للنوباط كما أشرنا عاليه ، فقد زعم الكاتب أن العنج ليسوا من النوبة بل هم من البجا استولوا على مملكة الأبواب من النوبة ثم أغاروا على دنقلا وكردفان والنيل الأبيض ثم عادوا إلى القاش والتاكا بعد أن هزمهم عبد الله جماع وابنه عجيب وأجلاهم من النيل واختفى اسم العنج والبلو وبقي اسم الحلنقة ، ويقرر أن النوبة الذين يتم احتكار الاسم الآن لهم في عصرنا هذا (نوبة الشمال والأجنق في الجبال) جاءوا إلى النيل من كردفان وجبال البحر الأحمر في القرن الثالث الميلادي والعاشر الميلادي على التوالي أي بعد ثلاثة إلى أربعة آلاف سنة من ظهور اسم نوبة في التاريخ وبعبارة أخرى هم لا ينتمون إلى النوبة المعنيين في التاريخ ، لكن تظهر إشكالية أخرى وهي أن الأجنق يتحدثون اللغة النوباطية فكيف يفسر هذا ، يقول الكاتب إن هذه إذدواجية مربكة حيث أنهم لم يتخلوا عن نسبتهم للعنج وفي ذات الوقت يتحدثون لغة النوباط فيقول إما أنهم عنج كما ينتسبون وبالتالي فهم بجا وليسوا بنوباط ولا نوبة وتعلموا لغة النوباط حين كانوا بالشمال أو أنهم نوباط من خلال غنتسابهم للغة التي يتحدثونها وبالتالي يتحدثون بلغة الأساس الأولى السابقة للغات السودانية الشمالية الشرقية المنتشرة من إرتيريا إلى تشاد وبالتالي لا بد من تصحيح نسبهم المتصل بالعنج لأن البجا ليسوا بنوباط وكذلك لغتهم ويمضي الكاتب ليقول إن تمسك الأجنق لنسبتهم للعنج يخرجهم من كونهم نوبة حتى بالمعنى الاحتكاري الإنغلاقي
النوبة في شمال كردفان
يؤكد الباحث أن كردفان كانت في السابق تعج بالسكان حيث كانت مليئة بالغابات والمياه ثم أخذت تجدب ، ويؤرخ الباحث للهجرات التي كانت تترى عقب سقوط علوة من الجزيرة والشمال ومنها هجرة الغديات الذين حلوا جبل كرباج والملبس ومن تلك الهجرات هجرة البديرية من مناطق دنقلا ومروي واحتلالهم جبل كردفان الذي كان يسكنه العنج وكان اسمه (بري) وتحالف الغديات والجوامعة والبديرية حيث أجلوا العنج والنوبة من وسط كردفان سنة 1775 جنوبا إلى الجبال .
(الأما-النيمانج)
يقرر الكاتب بعد إيراده لجملة من آراء المؤرخين أن (الأما-النيمانج) كوشيون مرويون موطنهم الأول منطقة (أمادا) التي عربت إلى (عمادا) في بلاد الواوات شمال حلفا وفرس وجنوب أسوان وكان ذلك زمن الملكة حتشبسوت حيث كانوا يتواصلون مع ملوك مصر وتدل صورا لسفرائهم موجودة في قبر حتشبسوت على تلك السفارات ذكر ذلك ماكمايكل ثم تحولوا إلى البركل كما تشير أغانيهم ومنها وفدوا إلى شمال كردفان وسكنوا منطقة (سالي وارانق) ثم إلى ديارهم الحالية التي تحمل الاسم الأول نفسه (أمادا) غرب الدلنج .ويقسم الباحث النيمانج إلى ثلاثة مجموعات هي (الأما-النيمانج) والأفتي بجبل الداير والمندل .
وقد أحصى الباحث أصول (الأما-النيمانج) التي تفرقت وانداحت في القبائل حولها مما جعل الجذور مشتركة ضف إلى ذلك العلاقات اللغوية والميثلوجيا المتطابقة ثم وضع الباحث جدولا يوضح عشائر (الأما-النيمانج) المنتشرة في بقية القبائل بأسمائها.
وعقد الباحث فصلا سماه المسألة المندلاوية حسم فيه كون المندل جزء من النيمانج وأوضح تماثلهم في كل شيء حتى البناء السياسي المورفولوجي والمؤسسات الاجتماعية وأورد أقوال نادل واستيفنسون المؤكدة لذلك لكنه أضاف على أقوالهم أن أصولهم واحدة حيث أن أفخاذهم وبطونهم هي أفخاذ وبطون النيمانج وقد دحض بعلمية وقوة حجج الزاعمين أن المندل من بطون الأجنق ، وعلل ذلك الزعم لإرادات أيدلوجية سياسية ظهرت قريبا حيث من يكن هناك ثمة شك في إنتماء الأجنق للنيمانج قبلا .
الدين عند (الأما-النيمانج)
استعرض الكاتب عقيدة التوحيد عند (الأما-النيمانج) قبل دخول الإسلام وذكر أن لهم سبيلين في التوجه إلى الخالق سبيل مباشر وله مواضع محددة وآخر غير مباشر يتوسلون إليه بواسطة الكجور ، وزعم الكاتب أن عقيدة الكجور طارفة على مجتمع (الأما-النيمانج) بحوالى ثلاثمائة سنة وكانوا قبل ذلك لا يعرفون الكجور بل يدعون الخالق مباشرة ، وعدد الكاتب أسماء الله في لغتهم وقابلها بالعربية والإسلام مع تبيين أصل الاسم وتصريفه ويرى القارئ تطابقا عجيبا في ذلك فمن أسماء الله عندهم المبدي والمصور ومن أسماء الله عندهم (قيدار) أي الواجد و(لي) أي الباطن و(كيلاوون) أي السميع و(تبوور) أي الرقيب، ثم فسر اسم الإله المروي (أبداماك) فهو بلغة (الأما-النيمانج)(أبدي ماك) أي رب الأرباب
ويتعرض الكاتب لعقيدة الصوم عند (الأما-النيمانج) وهو بلغتهم (ديفير) وهو خاص بالكجور الذي يود أن يبلغ مرحلة (الكوير) وهي مرحلة متقدمة أشبه بالقديس ، ويكون الصوم مصحوبا بالاعتكاف ومن شروطها الإمساك عن شهوتي البطن والفرج مع الاعتزال ويظل أهله كذلك صائمين في بيوتهم حتى عن الكلام ، والصيام عن الكلام معروف عند اليهود ورد في قصة مريم عليها السلام ، وتحدث عن الروح وذكر أن النيمانج يعتقدون أن الروح تنفصل عن الجسد وقد تتشكل في شكل حيوانات وتبقى روح واحدة لرعاية الجسد لذا يمنع النيمانج في بيئاتهم الأولى قتل بعض الحيوانات بعد المغرب مخافة قتل روح آدمي ، والكجور عند النيمانج أصله تحور روح آدمي بعد الموت حتى تصير روح تتقمص المكجر وروح الكجور هذه تموت بعد ذلك سبع موتات وعندها لا تعود إلى حياة الأحياء من البشر ، وللحق فاختصار قضية العقيدة عند النيمانج تذهب ببيان الفكرة عليه لا سبيل إلى فهمها مجزءة أو مختصرة
مشتركات النوبة في جنوب كردفان
رغم زعم كثير من الكتاب أن نوبة الجبال قبائل شتى لا رابط بينها وهم يسوقون قولهم هذا بلا دليل إلا أن فيرين قد دحض هذا الرأي في ثلاثة مستويات ، مستوى الكلمات المشتركة لأنشطة وطقوس وعناصر بيئية ومعتقدات حيث أورد طائفة طيبة من الأسماء المشتركة نحو كلمة (كورا) وهي الفترة التي تلي موسم الحصاد في الجبال حيث تعاد الأقار من المخارف إلى إلى الديار بغرض التسميد فهذه المفردة تجدها عند غالب قبائل النوبة ومن ذلك مفردة (موردو) : أي الحصان إلى غير ذلك من مشتركات
والمستوى الثاني الأسماء التراتيبية (كوكو ، وكافي ، وكوة ، وتية ..) وهذه يشترك فيها كل النوبة سوى النيمانج والأجنق .
أما المستوى الثالث فهو الاعتقاد أن الإنسان يتحول إلى ثعبان وقد فسر الباحث ذلك بأنه ربما يكون من بقايا ثقافات النيل ففي ثقافة النيل القديمة أن الأشخاص المهمين يتحولون إلى ثعبان ويصيرون إلى الكهوف ولا يموتون موتة يقبرون بعدها وذلك ربما يكون تعبيرا عن فكرة الخلود ، فنجد في تقلي ورشاد وجبل الدائر تحول جدهم (كاقوا) إلى ثعبان ، ثم إلى حجر يستقسم به ويزار ، وفي الغلفان تحول فارسهم (كدرمي) إلى ثعبان ، وفي فندا تحول جدهم (فان) إلى ثعبان وأخذ طريقه إلى الكهف ، ونجد القصة مكررة في كجورية عند جدهم (كولاما) وعند النيمانج تحول جدهم (كدود) وفي ليما تحول جدهم لثعبان في جبل ليما وهلم جرا ...
علاقة (الأما-النيمانج) بثقافة النيل القديمة
ذكر عالم اللغات الفرنسي كلود ريليه أن لغة (الأما-النيمانج) تنتمي للغة المروية التي أجرى حولها دراسات وفك بعض رموزها ،وقال إن لغة النيمانج هذه هي الوحيدة من بين اللغات السودانية القديمة ذات العلاقة بمجموعة اللغات النيلية الصحراوية وبقي متحدثوها داخل السودان ، وفي سعيه لربط (الأما-النيمانج) ثقافة ووجودا بالشمال يورد الباحث قول آركل عند رؤيته تماثيل ورسومات في معبد حتشبسوت تشير إلى زعماء من الجنوب يحملون الذهب هدية للملكة وهم من منطقة (لارم) و(نيميو) أشار آركل إلى أن ملامح هؤلاء الرسل زنجية وربما كانوا أسلاف النيمانج الحاليين ، ويمضي آركل ليقول إن الحكام المرويين اتجهوا غربا بعد سقوط دولتهم على يد الأكسوميين إلى كردفان ودارفور حيث استوطنوا قبل القرن السادس عشر الميلادي وهذا ما يقرره إستيفنسون حين يؤكد أن النيمانج في شمال كردفان تفرقوا فرقتين ، فريق ذهب إلى جبل الدائر وكونوا قبيلة (الأفتي) وفريق ذهب حتى غرب الدلنج وهو ما شكل النيمانج الحاليين . ويؤكد الباحث أن هذه الهجرة موجودة في تراث النيمانج وأغانيهم حتى اليوم حيث يتغنون عن ملكهم (كومين) الذي ظل في حرب مع ملوك البحر كما يتغنون بأنهم أتوا من الشرق من منطقة البركل في بلاد تشتهر بأشجار النخيل ويذكرون منطقة ملتقى النيلين في ترحالهم وقد أثبت الباحث الأغنية بلغة (الأما-النيمانج) وترجمها ونحن هنا نأخذ من ترجمته الأبيات التالية
من الشرق جئنا
من شعب البركل نحن
دفعنا إلى الهجرة بني الحمران
لم يكن ذلك بإرادتنا
فهجرتهم حسب أغانيهم من منطقة (أمادا) أقصى الشمال بأرض المحس إلى مروي القديمة حيث البركل حتى سقوط مروي فالخرطوم ومنها شمال كردفان ثم جنوب كردفان في منطقتهم الحالية .
أعمل الباحث عقله في لغة الأسماء المشتركة ما بين البيئة النيلية حيث كان يسكن قومه وبيئة شمال كردفان حيث هاجر مجتمعه إليها وننتخب من ذلك إشارته للحرفين (س) و (ش) حيث يورد قول العالم (قريفث) الذي يؤكد أن المرويين يقلبون هذين الحرفين دون غضاضة وأن المروية تختلف عن النوبية وقد وجد الباحث هذه الظاهرة عند قومه ، ونأخذ أيضا من شواهده مفردة (وا) التي تعني في لغة النيمانج الناس وقد لاحظ الكاتب وجود هذه المفردة بالمعنى نفسه كلاحقة في بعض مناطق السودان القديم ولكثرتها سمي الإقليم الشمالي من السودان بين أسوان والشلال الثاني في عهد الدولة الوسطى بلاد الواوات ، وهم النوبة الأوائل والقبائل التي كون منها القائد أوني جيشه الذي غزا به غرب آسيا ، ومن ذلك في إقليم المحس : ساوا ، سمناوا ، واوا ، أواوا، وفي إقليم الحجر (المحس) (نلوا) ، وفي إقليم دنقلا : (ناوا) ، (مروا) ، في شمال الخرطوم والجزيرة راوا (ودراوا) ومن ذلك (بروا) التي صارت (مروا) ثم (مروي) وبروا بلغة (الأما-النيمانج) المشتغلون بالحديد وهذا معروف عن المرويين .
ومن تلك اللواحق كلمة (كول) وتعني المكان تقترن بغيرها من المعاني مثل (عرشكول) ، أمبكول ، كرنكول ، كدكول ، كرمكول ، كلكول ، أركول باب الدخول إلى الغرفة أو الحوش عند النيمانج .
واللاحقة (آر) في لغة النيمانج تدل على الانتساب والإنتماء بمكان (آب) في البجاوية والعامية السودانية، ومن ذلك قوجار التي أصلها (قوجي +آر)، تفلار ، ولها وجود كبير في شمال السودان مثل هاشمار ، وفار ، كلنار ، غدار ، كتمار ، كجبار ، دوقمار
الأسماء العبرية الشائعة عند (الأما- النيمانج)
يعدد الكاتب الأسماء العبرية في مجتمع النيمانج وهي من الكثرة بمكان فمن ذلك آمون وهو آمون بن منشا بن حزقيال بن يوثام ، ومن ذلك أموري (عموري) ، أوريا ، أبيا ، فوا وهي أسماء عبرية معروفة وعليه اسم أحد ملوك بني إسرائيل وهو (أبيا بن تولع بن فوا بن برحلات)، ومن الأسماء الإسرائيلية المنتشرة عند النيمانج (موشي) وأشهر من تسموا بهذا الاسم وزير الدفاع الأسبق موشي ديان ، وموشي بالعربية هو موسى ، ومن الأسماء الإسرائيلية كذلك عند النيمانج شليمو ، أرقوف ، ألوون (آلون) ، جوولا ومن ذلك ساوييل ، ناييل ، فورييل ، سونغيل ،دورويل ، كورقييل ، كوميل ، مائير (مئيري) ، أريال (أريئيل) ، جدون (جدعون) ، ألي (إيليا) جولدا (جولدا مائير)، قلمور ، وغير ذلك كثير ، وقد برر الكاتب هذا الوجود الضخم لأسماء بني إسرائيل عند النيمانج أن بعض المرويين كانوا قد اعتنقوا اليهودية وباعتبار أن النيمانج كانوا هناك فليس هناك استغراب بل إنك تجد كثير من العقائد اليهودية عند (الأما-النيمانج) أثبتها الكاتب لكننا لن نتطرق إليها في هذه الإلماحة وعلى الذين يريدون ذلك الرجوع للكتاب ، لكني وجدت أيضا عند قببيلة الكواليب بعض الأسماء اليهودية نحو (شاوول) وممن يحمل هذا الاسم الأستاذ جرهام عمر شاوول

الأسماء المصرية (القبطية)
وعدد الباحث تحت هذا العنوان كثيرا من أسماء النيمانج ذات الأصول القبطية منها على سبيل المثال فيروو (فرعون) ، ماريا ، سارين ، أسووا ، ميناي (مينا) ، أرمين ، آمون ، تيتي (نفر تيتي) ، تامون ، طمونا (تعني أرض آمون)، نيتي ، باين ، بادي ، باما ، بوار ، أمان ، ونِّي (وهو أمير مصري معروف)، جيمي (وهو اسم ضابط مصري معروف)
وعندما يشرق إله الشمس (رع) في مصر الفرعونية يسمى (كبرى) وعند النيمانج يسمى شروق الشمس (كابير) ، ومن المشتركات أيضا شهر توت القبطي فيقابله شهر (طوطو) عند النيمانج .
وبعد أن يمضي المؤلف في تبيين المشتركات يضع جدولا يبين فيه المشتركات في لغة (الأما-النيمانج) واللغة المصرية القديمة ، كما يورد الباحث كما هائلا من الأسماء اليونانية والرومانية القديمة موجودة عند النيمانج ويعلل ذلك بعلاقة تلك الدول بالدولة المروية
ثقافة الذهب
تحت هذا العنوان بحث الباحث عن علاقة النيمانج بثقافة الذهب وتبين له أن لهم علاقة وثيقة بها تتجلى في أسمائهم التي تنتهي ب اللاحقة (نوف) فهذا المقطع يعني الذهب حيث أن أصل (نوف) (نوب) وهو الاسم الذي اشتق منه اسم النوبة ويعلل قلب الباء فاء في الاسم أن ذلك كان ظاهرة صوتية ونظاما صوتيا متبعا في العالم القديم ومن ذلك قولهم (إفرايم) للعلم (إبراهيم) و(إيسوب) للعلم يوسف ، وقد تأثر النيمانج بهذا النظام إبان وجودهم في النيل وفي العربية نجد مثالا على هذا الإقلاب فنرى قلب أوجف إلى أوجب . ثم أورد الباحث أمثلة لمقطع (نوف) هذا نحو : أمنوف : يعني ماء الذهب حيث أمن تعني الماء ونوف الذهب كما أبنا ، ومن ذلك سمنوف أو سمنوو بالحذف وتهني خام الذهب ، ومن ذلك كدنوف : الزي المرصع بالذهب وأصله (كدي + نوف) حيث كدي تعني القماش ، ومن ذلك قرنوف: وهج الذهب ، (شرنوف): أي المعنى الرصين كالذهب ، و(نرنوف) : وتعني ذهب الناصية كالجدلة والهلال ، (أنوف): اللون الذهبي إلى غير ذلك .
ويورد الباحث أيضا عددا من أسماء النيمانج ذات الأصل المروي نحو كيناسا وكركمان وكدود الذي هو أحد أجداد النيمانج وهو كدودة الاسم المشهور الآن في الشمالية وبمعناه ذاته ، ومن أهم الأسماء المروية المتداولة الآن عند النيمانج الاسم (بيي) فمنه صيغ اسم بعانخي ملك النوبة العظيم فالمقطع (عنخ) مفردة مصرية توضع منتصف الاسم هكذا (بي-عنخ-ي) حيث أنها تكتب ولا تقرأ ، ومن ذلك أوور وتعني الملك وهو الآن (أرو) الاسم المعروف في الشمال . ومن ذلك (شير) وهو اسم الملك (24) من سلسلة الملوك المرويين ، ومن أسما النساء عند النيمانج (كنْدَكا) وهو يطابق لقب ملكات مروي (الكنداكة) .. ويورد هكذا عشرات الأمثلة بل بعد أن ينتهي من تعداد تلك الأسماء يتجه نحو العادات ككسر الفخار على مقبرة المتوفى الذي تمارسه النساء فنساء النيمانج يمارسن ذلك حتى الآن حيث يعتقدون أن روح المتوفى تعود وتمكث شهرين في الجسد وهي عادة مروية. والتطابق مذهل في الطقوس الجنائزية والمقابر فهندسة القبر الكوشي تتكرر عند النيمانج وكيفية الدفن واتجاه القبر واتجاه الرأس والثنية الخفيفة للركبتين والأثاث الجنائزي والشكل المخروطي الخارجي للقبر.
ويفسر الباحث معنى اسم الإله المروي المعروف (أبداماك) بلغة النيمانج فهو في لغتهم (أبيدي ماك) وبالمعنى ذاته وهو رب الأرباب ، بل يذهب إلى أن كلمة (مك) المستخدمة في كافة السودان الآن كلمة مروية بمعنى رئيس أو وهي متداولة في لغة النيمانج الآن .
ثم أفرد فصلا كاملا لمقارنة اللغة المروية بلغة النيمانج وأورد نصوصا كاملة باللغة المروية وقابلها بلغة النيمانج وشرحها بالعربية ونجد صعوبة هنا لإيراد نماذج حيث أنه استخدم الحرف الحديث الذي اتبع في كتابة لغة النيمانج لكتابة النصوص وهذا الحرف يحتاج لبرمجة الكمبيوتر حيث أن رموز حروفه غير متاحة في لوحة المفاتيح ،لكن النتيجة التي خرج بها هي أن لغة (الأما-النيمانج ) هي المتحدرة مباشرة من اللغة المروية بسبب التطابق المذهل بين اللغتين من خلال الأنظمة اللغوية الخمسة وهي نظام تقطيع الأصوات في اللغتين وبناء المفردة الوظيفية النحوية ومعاني الكلمات والقواعد النحوية والتصريف
بذل الكاتب جهدا مضنيا في بحثه القيم هذا يستحق الإشادة عليه، وأتى بالعجب وصحح كثيرا من قضايا التاريخ مما بوأه مكانا متقدما بين أساطينه، ومهما جهدت في مقاربة بحثه هذا للقارئ أراني مقصرا فضلا عن التشويه، فهذا كتاب من الكتب التي يشيهها الاختصار لأن أي قضية فيه تحيلك إلى أخرى بسلاسة ،لكن عزائي حرصي على ألا يفوت القارئ السوداني مثل هذا البحث دفعني إلى التهويم حوله ، وقد نقترب أو نبتعد من الكاتب فيما أورده من قضايا ومواضيع إلا أنه في تناوله لتحدر (الأما-النيمانج) من المرويين قد أفحم .

قاسم نسيم حماد حربة
[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 2 | زيارات 7043

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#616539 [ibrahim]
0.00/5 (0 صوت)

03-22-2013 10:25 PM
حسناً فعل المؤلف، لقد ظللنا- نحن ابناء النوبا - نقرأ تاريخنا من خلال كتابات الآخرين ، ولم نجد ما يروي معرفتنا. ونشجع مثل هذه الكتابات . لم أقرأ الكتاب بعد ، ولكني قرأت العرض الأول وهذا هو التاني للأستاذ قاسم نسيم .حقيقة لقد حظي قبيلة الأما بدراسة وافيه في كتاب ( النوبا ) للأنثروبيولوجي سيفريد فريدريك نيدل. وصنفهم د. هاويسورث ضمن النوبا الأصليين ، بينما وضع عالم اللسانيان سي.مانهوف علامات استفهام حول لغتهم .
كما قلت لم أقرأ الكتاب ولا مراجعة ومصادره ،ولا أريد أن أحكم عليه من خلال عرض الأستاذ قاسم ، ولكن من العرضين ، يبدو لي أن الكتاب من ( الكامل الدسم). والشئ الذي ينقصنا (أجانق وأما) هو الدليل الملموس لهذا الإنتماء العظيم لتاريخ السودان قديماً وحديثاُ أو معاصراً.أين هي آثار الحضارة المروية كانت أو النوبية على الإثنيتين ( أجانق - أما ) ؟.لقد استند الأجانق على اللغة المتداولة حتى اليوم ، اما اللغة المروية ما زالت تنتظر فك شفرتها.
لم يعجبن ، ربط المؤلف للعنج بالبجا ، يبدو لي أن المؤلف قد تأثر بما أورده الدكتور أحمد المعتصم الشيخ في مؤلفه (مملكة الأبواب المسيحية وزمن العنج ). ولا أدري كيف أختلف المؤلف مع المؤرخين وطنيين وأجانب على أصل هجرات النوبة من جهة الغرب ( كردفان -دارفور وما وراءها) إلى النيل واسقاطهم للمرويين .أكتفى بهذا. وأهنئ المؤلف لمجهودة الجبار ، فإلى الأمام .


#616533 [sudani]
0.00/5 (0 صوت)

03-22-2013 10:19 PM
نحن كلنا نوبه او نوبا بس فرقتنا مرقة اللوبيا والاستعمار الانجليزي والتركي المصري
معروف كل سكان جبال النوبه من الشمال النيلى والتعب ده كله لشنو


#616299 [maha bit samira]
5.00/5 (1 صوت)

03-22-2013 03:43 PM
من المفرح حقا ان يكون هناك باحثين سودانيين فى مثل هذه المجالات العلمية والتى كانت قصرا على الباحثين الاجانب, ومما يسعد المرء فعلا ان يكون هناك من يهتم بقراءة هذه الكتب ومن الرائع قطعاان ينبه لوجودها وعلميتها واهميتها, التحية مع وافر الاحترام والتقدير لمؤلف الكتاب وكاتب المقال


#616278 [زول مسكين]
5.00/5 (1 صوت)

03-22-2013 03:17 PM
افتباس

((كما يتغنون بأنهم أتوا من الشرق من منطقة البركل في بلاد تشتهر بأشجار النخيل))


قبل 4 الف سنة كان في تخيل في الشمالية؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟


قاسم نسيم حماد حربة
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة