المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
افي اليقظة والمنام وما بينهما - 1 - (تَذَّكُّرات)
افي اليقظة والمنام وما بينهما - 1 - (تَذَّكُّرات)
03-23-2013 10:25 PM

يدور هذا الموضوع عن إحساس الفرد وشعوره وهو في حالةٍ "بًيْنَ بيْن". فلا هو في يقظة كاملة ولا هو في نوم. غير أن شرح هذا أو فهمه لا يمكن أن يتمّ دون التعرض لأحوال اليقظة التامة وأحوال النوم الكامل. ولا بد من التعرض للأحلام أيضا وعلاقتها بالصحو أو المنام. ولا نستثني بعض حالات التّيقظ أو " التناوم" المصطنعين كتعاطي عقارٍ أو خمرة بقصد استجلاب حالة شعورية مرغوبٍ فيها لأنها قد تُكسب المرء نوعا من يقظة عالية أو حُلم مُهَدِّيء.
وبما أن هذا الموضوع يجيء في معرض كتابة في الذكريات وعن الذكريات, فإنه لا يدّعي أيةّ اتصال بما استقرّ كعلمِ نفسٍ, قديماً كان أو جديداُ. ولذلك لن أصحب معي ابن سيرين وصحبه أو فرويد وتلامذته, برغم تيقني من أن تجارب معينة جعلتني أميل لمنهج كارل جوستاف يونغ لأنه يرى في الغيب (واقرأ ما يبدو غائباً للعيان) شيئا مصاحبا للناس منذ القِدم ورثة عن تراكم تجارب البشر عبر آلاف السنين يحملها في جُملة المُوَرِّثات البيولوجية, مثلما أرى أنا في الغيب شيئا أيضا, غير أني لا أقطع برأيٍ فيما إذا كان هذا الأمر رُكِّبَ في الناس عبر المُوَرِّثات البيولوجية أو إنه تعبير عن اتصالِ ما يتم بين بعض الناس وقويً خارجية بدون القطع , أيضاً, القوّة الفعالة مُقَسَّمةً عدلا بين الفرد وتلك القوى, أم أن احدهما أكثر قوّة بحيث يتمكن من اختراق الحُجُب المعتادة (وعياً) أو أنّ مِنَّةً ما تتنزل من أحد الطرفين للآخر. وللاختصار, إذا سلَّمنا بأن ما أخوض فيه هو شيء يقع في عالمٍ من عوالم الحقيقة, فلا بد أن نفترض بأن الأمر فيه اختراقات بالقوّة المادية (تحاشيا لمصطلح الفلسفة , قوة الفعل وقوة الاستعداد) أو هنالك جذبٌ وربما تخّيرٌ يعطي بعض الناس خصوصيّةٌ لا تشمل كل أفراد الجنس البشري.

ولا أدري أين يقع الإلهام ههنا, لأن الإلهام يحدث في اليقظة وفي المنام على حدٍّ سواء, وفي معظم حالاته يأتي في شكل خاطرةٍ خاطفة لا تلبث أن تتحول إلى حقيقة, بمعنى أنها تحمل نبوءة.
ويدّعي بعض الناس أن باستطاعتهم استحضار حالة نفسية أو فكرية معينة تمكنهم من رؤية ما لا يُرى عادةً, وهم الشيوخ والروحانيين (من كل فئات الجنس البشري وملله). وبرغم أني أميل لتكذيبهم واتهامهم بالدجل والشعوذة وأتحاشى اللقاء معهم إلا أن تجربتي الشخصية تحتم علىّ أن أضع لهم هامشا صغيرا يصدق فيه بعضهم, وهذا الهامش الصغير أضعه دائما في خانة " الشخصيّ جدّاً" لأن في انتشاره خطرا على المجتمع وبخاصة إذا إذا ما صعد للمسئولين الكبار لأن مصير أممٍ بأكملها قد ينحطم بسبب رؤيا منامية تعكس نفسية مخبولٍ أو مخموٍرٍ, مثلاً. يجب أن تتخذ القرارات العليا على مستوى الفكر الواعي وحده, فكر الرياضيات والاحتمالات العلمية وهما أساس التخطيط السليم للمستقبل وإلا تعرض الناس للكوارث, ومنها كارثة هزيمة معركة أم درمان "كرري" لأن العقل الرياضي العملي (الأمير عثمان دقنة ) حسبها بحساب المنطق العملي ورأى استشراف النصر في مهاجمة العدو ليلاً, ولكن أُخذ بِرأي من خُيِّل له أن كتائب السماء ستعضد الجند, ولم يهبط من السماء ولا حتى صقرٌ جارح. وشبعت الحدأة.
وكانت أولى الإلهامات لما رأيت خالتي "بخيتة بت العوض" تتقدم مجموعة من الناس ويدخلن بيتنا في أوّل النهار ودموعهن يقطرن بالدموع بلا نواح. نظرت فيهم وقلت:" أبوي مات؟" , فاحتضنّني وزِدْنَ في البكاء. وما كان أبي يعاني من أي مرض وإذا كان الموت يعرف بالمظهر أو بالحيوية والشباب وحُسن الهيئة والجسد, فإن أبي ما كان ليبتديء به حصادُ عزرايل. كان ينبغي أن يعيش طويلا, ولكنه مات. والشاهد, كيف قفزت فكرة الموت لذهني وأنا لم أبلغ الخامسة. فهناك أكثر من قريبٍ شاخَ بالفعل أو اقترب من الشيخوخة, وفيهم المريض, لِمَ لمْ تقع فيهم خاطرتي الصادقة؟ لا أعلم, وقد يقول قائل بأن ارتباطي به هو الذي جعلني لا أهتم إلا به وحده, وقد يكون صحيحا, ولكن هذا لا يُسَوِّغ رمْيَ الخاطرة بعيدا. يجب أن تُخزن في الذاكرة لنرى أن ستلحق بها أخرياتُ أم لا. فإذا تواترت الخواطر واضطردت, فهو يعني أنها ليست مجرد مصادفات تُتجاهل, فإن ظاهرة متكررة في ظروف متشابههة أولى بها أن تطرح للنظر, وهذا أساس العلم, أيّ علم. غير أن العقلية المحلية – للأسف – كانت تكتفي بالاعتراف بالظاهرة مع إضفاء نوعٍ من التبجيل أو "القدسية, في بعض الأحيان" على من عُهِد منه ذلك. وكان ينبغي أن يتبع ذلك أسئلة " كيْفَ و لِماذا". هذان السؤلان – ولا سيما الأخير هما عَمَدُ البحث العلمي الذي تخلّف عندنا.
أما الثانية فهي من الطراز الذي ينشأ عن تجاريب النهار – قوليةً أو حدثيّةً – ويمتد تأثيرها في العمل بالليل أثناء النوم فيرى النائم ما يُعرف عند الأهل بِـ " حِلْمَ الجّعان عيشْ". هذا اضطراب في عمليات الطرح والتصنيف والتخزين التي يقوم بها الدماغ لحفظ المعلومات في "ملّفات" حسب نوعها وأهميتها في خدمة الفرد في سعيه اليومي. هنا يضطرب المخ بين المُتخَيَّل والواقعي, فتختلط الأوراق, وتنتج حالة "جنونية" ولا يسميها الناس بتلك التسمية فيقولون "الهلاويس" لأن حالة الجنون تحتاج أيضا لاضطراد يشمل عناصر ثلاثة, الزمن والمكان والإنسان, فإذا ضاع إحساسه بالوقت فهو ربع مجنون يُرْجى علاجه, وإن ضاع عنه معرفة المكان كأن يرقص في المسجد ويصلي في "الكوشة" فقد وصل إلى الثُلثيْنِ, ويكتمل الجنون بمعرفة الناس فإن صار لا يفرق بين المدير والخفير فإن نصاب "الكَلَكي" قد اكتمل.
والثانية هذه كانت هلوسة لا تمت إلى ما أنا بصدده لكني أثبتها لأنها من الذكريات أيضا, مع الاعتذار عن الحشو الذي يفرضه منهج التذكُّر.
بعد وفاة الفكي "أحمد ودّ الكبيدة" رحل أبناؤه محمد وإبراهيم وأقاموا في الدلنج وكذلك نساءهم ولم يبق إلا شاهدٌ على لحد ابنه صالح الذي عضّه الثعبان"أبو دفّان" عضة مميتة وهو على أعتاب الزواج وكان يستعد معه للمناسبة أعز أصدقائه الرجل شبه الكامل محمد ابراهيم هديّة (ود هدية). كان ذلك قبل مولدي بزمن, وأسفت عليه لأن العم " ود هدية" ما كان لَيُصاحب "مِن طرَف" برغم أنه يبدو صديقا للجميع لما به من كرم وشجاعة وأهبة استعداد للنجدة والغوث, مما أهّله للفوز بانتخابات الدائرة مرتين وهو من المقيمين الوافدين الذين التحموا مع أهل البلد في كل أنشطتهم فاحتضنوه وأمِنوه وأمّنوهُ.
انهدّ ديوان ود الكبيدة وصار المكان طللا. صرنا نعاني من وحشة من الجهة الشمالية الملاصقة, ثم جاء "الحسنة" يرعى بهائم المدينة الصغيرة لقاء أجرٍ قليل. كان نسوق إليه البقر والماعز في الصباح في الفضاء الواقع في الطرف الغربيّ من البلدة, ويعرف المكان بِـ "المـُقْرع" ليخرج به للمرعى ومورد الماء "التُّرْدةْ" ونعود في المغرب لقيادتها لركائزها في البيوت. ونجهد في أن لا تسبقنا العجول للمقرع لملاقاة أمهاتها قبلنا. فالأبقار تنادي صغارها بمجرد اقترابها من القرية فنسرع بربط العجول, وإذا سبقتنا فسننام ليلتنا بلا لبن, وهو أساس طعامنا.
وكانت زوجة الحسنة "سعيدة" امرأة جميلة صفراء في أوج شبابها ولا أدري أهي دريهيمية (الدريهمات فرعٌ من فروع المسيرية الزُرْق) مثله أم هي من فرع آخر. وكان من أبنائها "بُرمة" و "قُجّة" وهما يكبراني أما موسى أصغرهم فكان مصدر سعادتي. كان نلعب سوّيا ونصنع من الطين قطعانا من ثيران يكاد يكون لها خوار. وبلغت "سماحة" ثيران موسى مبلغا يجعلني أتذكرها كلما رأيت تماثيل الفنان السوداني محمد أحمد عبدالله, أبّارو". لا شك أن الرابط وثيق بين فن صديقي موسى وفن صديقي العالمي أبارو. لعل أبارو استلهم من فن الطفولة من بيئةٍ مماثلة.
وتجيء القاصمة لما يفقد موسى أمه. ماتت جارتنا وهي نفساء. واختفي موسى. لعله أُلِحق بأخواله, وبقيت وحيدا. ووفدت زوجته الجديدة "أم جِديان" وهي ابنة أثرى أثرياء القبيلة آنذاك. كان أبوها "ود جودات" له من القطعان ما لا يُحصى لدرجة أن شائعة تُروى عن الجٍنِّ يغني ويقول " الله أدّانا, ود جودات معانا", يقولون أن قبائل الجن تحب اللبن والروث. فإذا نزل ود جودات بالوادي نزل معه النعيم ويختفي بقدومه الجن احتفاء الأناسيّ الذين لا يملكون من حطام الدنيا شيئا ولكنهم يأكلون ويشربون في صحبة ود جودات يحلون ويرحلون معه. لا بد أن تمثالا كان لَيُنصب لود جودات لو كان وُلِد في الجاهلية, تماما كما حدث مع اللأة (أخت العُزَّى) لأن اللات كان ثريا يَلُتُّ الثريد (العصيدة الجافّة) للفقراء في المشاتي, ولما مات لزم الفقراء قبره يبكونه ويعظمونه ورويدا رويدا يُؤَلِّهونهُ.
.وانطلقت في "الحيشان" شائعة. قالوا "سعيدةْ بَعَتَتْ". " يا إلهي, أمّ صديقي التي كانت تحنو علىّ قامت بعاتّية؟!" . وانقلب حبي لها إلى فوق ولا أحد يذهب خوفي وصديقي اختفى, وحشة وخوف. وما كانت أمي لتعتقد في القرين "البعاتي". إنها امرأة شجاعة تختلف عن جميع نساء الحي. صدقا, لا أقول ذلك لأنني أحبها ولكن لأنها كذلك فعلا. ولها في الشجاعة قصص ستأتي وأقلّها قتلها "ابْ كُرُو كُرُو, أب درق, وإن شئت "الكوبرا الأفريقية"", وتحيّر في أمرها الرجال حتى أن عمنا ضي النور"زُرقاوي" علق بقوله: " والله الجلابيّة سِتُّكو دي راجل عديل". ولا يقولون "ستنا" أبدا. يقولون "سِـّكُمْ" لحساسيةٍ مما يحمله هذا الاسم من شعور بـِ "التفّوُّقِ" على الآخَرين.
وكانت أخر سِلسِلة من سلاسل قصص "البعاعيت" الذين لم يحركوا شعرةً في جسمي. فلماذا هذه بالذات؟
وما أن يًجِنَ الليل حتى أرى شبحهها يقترب مني أو يكمن لي من وراء الباب. ويخايل من وراء الشّبّاك. فأغمض عيناي لأراها أيضاٌ وأصاب بالرعدة. ولا يريحني منها إلا إشعال المصباح (الفانوس) أسهر معه حتى ينبلج الفجر. ولم يجدني نفعا أن الحسنة رفع الأمر للقصاء وأصر على النبش. ووجدوا خالتنا سعيدة تغطّ في نومها الطويل. ولكن النساء غيرّن الموضوع من "البعاتي" إلى القرين, والقرين لا علاقة له بال"جِتّة, الجُثَّة" كما يزعمنَ. ولا فائدة:
نَحُلَ جسمي فوق نحوله وهزلتُ فوق هزالي.
واقترحت سعيدة الأخرى (جدتي الحقيقية وبلا رابطة دم) أن تأخذني للشيخ عبدالهادي عبدالجبار. وذهبنا له, ولتوّه حوّلنا لفكي "موسى" الذي رقّاني ونفذت الرقيا حالّاً. رجعت مع جدتي وخلّفنا البعاتية تحت "لالوبة" الشيخ عبدالهادي.
وفي ما بعد استخدمت نفس الأسلوب العلاجي مع أحد أشدّ تلامذتي نبوغاُ. وكان عمر أبو شهلة في صدارة صفه دائما ويتمتع بخلق رفيع ونظام بديع. غير أنه تغيّر فجأة فاتسخت أدواته وغارت حيويته في تلافيف أجفانه التي انتفخت. ولما كثر سهْوُهُ استدعيته لاستجلاء الحقيقة وعرفت أن الشيطان يتمثل له بالليل ولا يدعه لحاله. فطلبت منه أن يُغمض عينيه ويستمع لي جيدا. ووضعت كفي اليمنى على جبينه واليسرى لففتها حول رأسه, وأخذت أهمس ببعض همهمات واطمئنه بأن هذا الشيئ سيخرج بعد قليل وأنه سيشعر بخروجه. وبين الفينه والأخرى أساله: "هل خرج؟ هل خرج؟" , ويقول لا, حتى كدت أيأس, وبعد عدة محاولات انبسطت أسارير عمر وصاح فِيَّ: " إنه يخرج يا أستاذ, نعم إنه يخرج". فحمدت الله وعلمته كلمات. وعاد عمر إلى تفوقه ونشاطه. لقد نجحت الرقية مثلما نجحت معي رقية فكي موسى, والفرق أنني كنت أهمهم بكلمات فناني المفضل حسن عطية. والسؤال: بِمَ كان الفقيه موسى يُهَمْهِم.
ولهذا السبب كان موقفي مع أبنائي أن أنفي لهم تمثّل الشياطين وقد أصل معهم لدرجة نفي وجودها أساساً. كان في بيتنا نساء مولعات بالكلام عن الشياطين وبخاصة عند "المغارب" وفي الحمّامات. يتخلصن من شغب الأطفال للتفرغ للمسلسل.

واواصل

عبدالماجد محمد عبدالماجد الفكي
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1039

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالماجد محمد عبدالماجد الفكي
عبدالماجد محمد عبدالماجد الفكي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة