المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
وماذا نفعل مع محترفي سرقة الثورات؟ا
وماذا نفعل مع محترفي سرقة الثورات؟ا
11-12-2010 06:42 PM

وماذا نفعل مع محترفي سرقة الثورات؟!

تعقيب على الأستاذ معاوية يس

بقلم بدر موسى
[email protected]

كتب صديقي القديم، وزميل الدراسة بكلية القانون بجامعة الخرطوم في منتصف سبعينات القرن الماضي، والذي أفتقده كثيراً ومنذ أكثر من عقدين من الزمان، الأستاذ معاوية يس، الصحافي القدير من أسرة الحياة، مقالاً قوياً بعنوان (محترفو سرقة الثورات!) بشرنا فيه بنهاية عهد الإنقاذ البغيض، الله لا عاده، وقدم قراءة أثلجت صدري كثيراً، قال فيها: (أضحى سقوط محفل حركة الإسلام السياسي التي تحكم السودان بيد من حديد منذ 20 عاماً مسألة وقت فحسب. لم يَعُدْ الأمر بحاجة إلى محللين يجلسون على كراسٍ وثيرة لاستكناه أبعاد السقوط الوشيك، إذ بات مشهد الانهيار جلياً أمام كل الأعين، داخل البلاد وخارجها..) وما ذلك إلا لأن هذه العبارة الثاقبة توافق ما خلصت إليه من قبل بأننا حتماً نشهد آخر أيام هذا النظام الغاشم. فالتحية له على ما أثبت مدعوماً بقوة منطق الأشياء وحركة التأريخ التي تعين دراستها على الوصول للنتائج الصحيحة إن أحسن رصدها واستخلصت منها العبر والحكمة بفكر ثاقب ورؤية سليمة تقلب الصورة من نواحيها مجتمعة، وليس من منظور واحد فقط.
وسبب ملاحظتي الأخيرة، وهي دافعي كذلك لكتابة تعقيبي هذا على مقال الأستاذ العزيز معاوية، هي أني أراه قد أحسن التقدير في استطلاعه لمستقبل هذا النظام المهترئ، ولكنه، في رأيي المتواضع، قد جانب الصواب في رؤية الصورة كاملة من نواحٍ أخرى، هي ما أنا بصدد متابعتها. فهو من منظوري قد أصاب في ملاحظته أن هناك من تتصدى من ( قيادات الأحزاب «التوريثية» لسرقة الثورة الشعبية الثالثة في تاريخ السودان المعاصر، بعد ثورتي العامين 1964 و1985 اللتين أطاحتا بنظامي الفريق إبراهيم باشا عبود والمشير جعفر محمد نميري على التوالي. وهي مخاوف مشروعة، خصوصاً أن قادة تلك الأحزاب يستعينون بخبراء تراكمت خبراتهم في هندسة الفوز بالانتخابات وتفصيل الحيل الانتخابية الكفيلة بحصد الغالبية النيابية...)

ولكن ما يجافي عندي منطق الأشياء والرؤية الشاملة هي عبارة الأستاذ معاوية التي خلص فيها إلى أن: (التغيير المقبل إلى الشطر الشمالي من السودان آتٍ هذه المرة بقياداته التي تخلَّقت من رحم المهانة، والتشريد الوظيفي، والتعذيب في بيوت الأشباح، والنفي القسري والاختياري إلى بلاد العرب والعجم. سيكون فيه وجهان أو ثلاثة وحتى عشرة من الوجوه القديمة التي لفظتها كيانات التوريث الحزبي لأنها لم تتلوث مثل بقية قياداتها، وهي مهمة بخبراتها المتراكمة ونزاهتها وجَلَدِها على محن الأنظمة السياسية الظالمة، مدركة أنها لن تتسلّط ولن تستأثر بالقرار، لأن مهمة جيل التغيير هي كنس آثار محفل الإسلام المسيّس، والتوصّل إلى تفاهمات تتيح تنظيم منح تقرير المصير للشعوب السودانية التي أضحى – بحسب سابقة فصل الجنوب في عام 2011 – من حقها أن تطالب به، أو الإبقاء على ما يمكن الحفاظ عليه من الأقاليم الشمالية في دولة نموذجية لا سلطان فيها لديانة ولا قبيلة ولا عسكر.).
فمع التسليم بأن ضحايا الإنقاذ الذين عددهم الأستاذ معاوية سيكونون في الغالب في طليعة من ينتفضون ضد حكومة البشير الجائرة، إلا أن السبب في إختلافي مع بعض تفاصيل هذه الرؤية هو سبب متعدد الوجوه. فمن ناحية: أنا لا أرى منطقاً مقبولاً يجعلنا نأمل خيراً في تابعي القيادات الطائفية، الذين لم يتلوثوا مثل قياداتهم! والتساؤل الذي أراه مشروعاً هو: كيف يمكن أن يرضى شخص وطني نزيه أن يسلم قياده إلى طائفي ورث النفوذ السياسي، ويظل يرضخ لقيادته كل هذا الزمن الطويل، ولا يكون بعمله هذا شريكاً مسئولاً بالتواطؤ عما أحاق بنا من تمكين للطائفية، ومن استشراء للفساد، والجهل بتغييب الوعي المتعمد، وتعويق التعايش السلمي بين بني الوطن الواحد على أسس العدالة والمواطنة الكاملة، التي هي في الأساس نقيض لفكرة القيادة الطائفية؟! وما هي الخبرات التي ستفيد مستقبلنا من مثل هؤلاء المقودين من داعمي القيادات الطائفية، أهي خبرات الطاعة والتسليم الأعمى بغير فكر، أم خبرات الإنتهازية والطمع في الوصول لتبوء المناصب بالتقرب وممالاة القيادات الطائفية؟! فمثل هؤلا إن كانوا يعلمون بخطر الطائفية، وعلى الرغم من ذلك ساروا في ركابها، وأيدوها على حساب مصالح المواطنين والعباد، لا يؤمل عاقل أن يرجو منهم خيراً، وإن كانوا لا يعلمون، فالمصيبة أكبر، لأن قلة وعيهم إلى هذه الدرجة، لا يدل إلا على قصر في النظر، أقل أضراره أنه سيجعلهم عبئاً كبيراً، وخصماً على رصيد ومستقبل نهضة وبناء دولة المواطنة والعدالة في السودان.
والوجه الثاني يسهل شرحه بمحاولة الرد على تساؤل الأستاذ معاوية: (هل يُلْدغ السودانيون من جُحر الإسلاميين أكثر من مرتين (تجربتهم مع إمام المؤمنين نميري ومبتدع التفسير التوحيدي للقرآن حسن الترابي)؟ والإجابة عندي، وللأسف، هي نعم! وما ذلك إلا لأن (كل تجربة لا تورث حكمة تكرر نفسها!)، كما كان الأستاذ محمود محمد طه يعلمنا دائماً. ويؤسفني جداً أن أرفع أمام الأستاذ معاوية ملاحظتي، وملاحظة الكثيرين غيري، بأن حجم الدمار الذي ألحقه نظام الإنقاذ بتعويق الوعي، وبالتجهيل المتعمد من تعميم الهوس الديني والتطرف، والذي مارسه دهاقنته على السودانيين عموماً، وعلى شباب السودان خاصة، مستغلين تحكمهم الكامل في وسائل الإعلام، والمؤسسلت التعليمية ومناهجها، شئ مهول، يفوق الخيال و(يفوق سوء الظن العريض)! ولكل هذا فإن من الخطأ الجسيم عندي، التعويل على احتمال أن معظم السودانيين، ومعظم شباب اليوم خاصة، يدركون ما يدور في العالم حولهم، أو حتى ما يدور في السودان الذي يعيشون داخله! ولقد وضح ذلك من استطلاع صحفي شهير كان مداره سؤال عن ثورة أكتوبر، فجاءت إجابات طلاب الجامعات تنم عن جهل مفضوح بأهم حدث في تأريخ السودان الحديث، وأول ثورة بيضاء في العالم! والمتابع لهذه الحقيقة المرة لا بد أن يكون قد صدم كثيراً مما يطالعنا يومياً ويؤكد صحة ما ذهبت إليه.
إن مشكلة السودانيين حقيقة كانت قديماً، ولا تزال، هي غياب الوعي، وغياب المذهبية التي تعينهم على تحديد وجهتهم، وتدلهم على طريق تطورهم، والنهوض بهم، للخروج من النفق المظلم، حتى لا تتكرر الثورات التي تجهض بعد قيامها بوقت قليل. وصحيح تحديد الأستاذ معاوية لما يريد السودانيون في قوله: (لإنهم يريدون هذه المرة دولة لا سادة فيها ولا عبيد. دولة تتفتح مواهب بنيها في المدارس والرياضة والجامعات ودواوين الحكومة والشركات تحت ضوء الشمس. دولة يتربى مواطنوها على عدم الكذب، ولا يتولى فيها مسؤول منصباً بالغَصْب و«الفهلوة» والمحسوبية. دولة يدين مسلموها بالإسلام الوسطي المعتدل، ويؤمنون بالتعاون في ما بينهم ومع شعوب العالم في سِلْمٍ وتآخٍ وندية. دولة تُودِع التطرف الديني في غيابة الجُب الذي خرج منه مارد الحركة الإسلامية السودانية «النافقة».). ولكن هل يعرف السودانيون الطريق إلى بلوغ هذه الغاية؟ ألم تكن هذه هي نفس مطالبهم في الثورتين السابقتين؟! فماهو الجديد هذه المرة، ولماذا لم يستطيع السودانيون أن يبلغوا ما يتمنون بعد قيامهم بالثورات السابقة؟ وما الذي يجنبهم أن يكرروا التجارب التي لا تورث حكمة؟! إن هناك شيء غائب عن ثورات السودانيين، هو الذي يجعلها تموت في مهدها دائما، وقد دلنا على ذلك الغائب الأستاذ محمود محمد طه، وأقتطف بعض ما كتب في هذا، ولمن أراد استزادة فعليه مطالعة النصوص كاملة في موقع الفكرة الجمهورية بالشبكة: alfikra.org
جاء في مقدمة كتابه (الثورة الثقافية) المنشور عام 1972 :
(هذا كتاب عن الثورة الثقافية ، نخرجه للناس ، و نستهدف به إحداث التغيير الجذري ـ في حياة الأفراد والجماعات ، و ذلك عن طريق إعادة التعليم ـ إعادة تعليم المتعلمين ، و غير المتعلمين .. و التغيير الجذري الذي نعنيه هو تغيير لم يسبق له مثيل ، منذ بدء النشأة البشرية .. هو تغيير تدخل به البشرية المعاصرة مرتبة الإنسانية .. و تلك مرتبة يتطلب دخولها قفزة أكبر من تلك التي حدثت لدى دخول الحيوان مرتبة البشرية .. و سيحدث ذلك ، بفضل الله ، ثم بفضل الفكر الصافي.
و لقد ظللنا نتحدث عن الثورة الفكرية منذ زمن بعيد ، ففي كتاب صدر منا في الخامس و العشرين من مايو عام 1969 ، بعنوان: (لا إله إلا الله) جاء في مقدمته ، عند الكلام عن ثورة أكتوبر: (و المرحلة الثانية من ثورة أكتوبر هي مرحلة الفكر المستحصد ، العاصف ، الذي يتسامى بإرادة التغيير إلى المستوى الذي يملك معه المعرفة بطريقة التغيير .. و هذه تعني هدم الفساد القائم ، ثم بناء الصلاح مكان الفساد .. و هي ما نسميه بالثورة الفكرية .. فإن ثورة أكتوبر لم تمت ، و لا تزال نارها تتضرم ، و لكن غطى عليها ركام من الرماد ، فنحن نريد أن تتولى رياح الفكر العاصف بعثرة هذا الرماد حتى يتسعر ضرام أكتوبر من جديد ، فتحرق نارها الفساد ، ويهدي نورها خطوات الصلاح .. وليس عندنا من سبيل إلى هذه الثورة الفكرية العاصفة غير بعث الكلمة: (لا إله إلا الله) جديدة ، دافئة ، خلاقة في صدور النساء و الرجال ، كما كانت أول العهد بها في القرن السابع الميلادي .. ) الصفحة ثمانية الطبعة الأولى ..
ومن قبل هذا جاء في كتابنا: (أسس دستور السودان) الصادر فى عام 1955 الطبعة الأولى منه ، حديث عن الثورة الفكرية: (بعث \"لا إله إلا الله\" من جديد لتكون خلاقة في صدور الرجال والنساء ، اليوم كما كانت بالأمس ، و ذلك بدعوة الناس إلى تقليد محمد ، إذ بتقليده يتحقق لنا أمران: أولهما توحيد الأمة ، بعد أن فرقتها الطائفية أيدي سبأ ، و ثانيهما تجديد الدين .. و بتجديد الدين يسمو الخلق ، و يصفو الفكر .. فالثورة الفكرية هي طريقنا الوحيد إلى خلق إرادة التغيير ، و إلى حسن توجيه إرادة التغييرـ التغيير إلى الحكم الصالح ، و هو الحكم الذي يقوم ، في آنٍ واحد ، على ثلاث دعامات: من مساواة إقتصادية ، و مساواة سياسية ، و مساواة إجتماعية. و ذلك هو الحكم الذي يجعل إنجاب الفرد الحر ممكناً .. ثم لا تكون عاقبة قوله ، و لا عمله ، إلا الخير ، و البر ، بالناس و بالأشياء ..) صفحة 80 من الطبعة الثانية الصادرة في نوفمبر 1968)..


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1184

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




بدر موسى
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة