المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
صلاح شعيب
إهمال حقائق الأرض في دارفور \"3\"اا
إهمال حقائق الأرض في دارفور \"3\"اا
11-14-2010 10:34 AM

إهمال حقائق الأرض في دارفور \"3\"

بقلم: عمر إسماعيل قمر الدين ولوارا جونس


ترجمة: صلاح شعيب
[email protected]


إجراءات مفاوضات الدوحة

في فبراير 2010، عثرت الجهود المحتضرة للبدء في إجراءات سلام دارفور في العاصمة القطرية الدوحة على فرصة لحياة جديدة، ولكن بسرعة متناهية بدت هذه الجهود كحرث غير مثمر، مثله مثل تشظي حركات التمرد، ومراوغات الحكومة، وتماطل الدعم الدولي الذي قوض جهودا سابقة. وبعد التقارب السوداني – التشادي، وأضف توقيع إتفاق النوايا الحسنة في 17 فبراير، وقعت حكومة السودان وحركة العدل والمساواة إطار إتفاق لحل النزاع في دارفور في 23 فبراير 2010. هذا الاتفاق شمل وقف اطلاق النار، وتعهدا بإطلاق سراح أسرى الحرب، ووعدا بغذ السير نحو دفع مفاوضات السلام. وبنهاية مارس كانت المفاوضات الإطارية بين الطرفين قد تحولت إلى أنجمينا، وفي خاتم المطاف تعثرت بسبب عدم الاتفاق حول موضوعي تبادل السلطة والانتخابات. وبنهاية مايو إنسحبت العدل والمساواة من المفاوضات نهائيا، مدعية أن الحكومة السودانية قد انتهكت اتفاق وقف اطلاق النار الموقع بواسطتهما. وهذا التطور قاد بعثة اليوناميد لإصدار بيان قالت فيه إن (الأطراف الموقعة على الإتفاق الإطاري المحتفى به يصنفون الآن في عداد المعتدين وليس من المتوقع أن يجتمعوا في جو سلمي في زمن ضيق).
وجدير ذكره أن منظمة كفاية الاميركية لم تكن من الذين إحتفلوا بهذا الإتفاق الإطاري، بل حددت مكامن الخطر في الإتفاقية قبل سريان مفعولها.
وبينما بقي من غير الواضح معرفة أي طرف إنتهك الاتفاق حول وقف اطلاق النار أولا، إستمرت الحكومة بغير وجل في شن هجمات على فصيل عبد الواحد في جبل مرة..ذلك في الوقت الذي كانت تتحدث فيه عن السلام في الدوحة. هذه التطورات، مقرونة بتزايد الإنفلات الامني، أبانت أن حزب المؤتمر الوطني لم يأخذ أمر اتفاق وقف اطلاق النار بجدية ولهذا من غير المتوقع أن يعود الحزب جادا إلى التفاوض ثانية مع العدل والمساواة، مفضلا الحل العسكري للمشكلة.
وفي المقابل، من غير المحتمل أيضا عودة العدل والمساواة لطاولة المفاوضات ما دام أنها ترى نفسها في موقف يعرضها للخطر، حيث هي منزوعة السلاح، وفي أرضية بلا دعم دولي عند وقت يتصاعد فيه الاهتمام بالاستفتاء.
وفي الاثناء رفض جيش تحرير السودان جناح عبد الواحد، وهو واحد من الفصائل المتمردة المؤثرة، الانضمام للعملية السلمية من أساسها. وحتى بعد النقاش مع وزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير، أوصد قائد الجماعة عبد الواحد والذي يعيش في منفاه بباريس لسبعة سنين الباب، رافضا المشاركة، فيما ظل يؤكد مرارا أنه غير مستعد لمناقشة الانضمام لمحادثات السلام، والآن ليس هناك شئ جديد يذكر منذ تأكيداته، وأيضا ليس من المحتمل مشاركة حركته في المحادثات حتى يعيد المجتمع الدولي النظر في الاهتمام بدارفور، كما ينبئ لسان حاله.
فضلا عن ذلك أنه برغم رفضه للمشاركة في مفاوضات السلام لسنين عددا، فإن عبد الواحد لا بد أنه يتمتع بتلقى بعض الدعم من النازحين على الارض، كما اتضح ذلك أثناء تولد العنف في معسكر كلمة مؤخرا.
إن القاعدة الشائعة وسط كثير من المراقبين والدبلوماسيين هي أن الوحدة المتناهية لعناصر أي تمرد مسلح تعتبر شرطا لمفاوضات سلام هادفة ومثمرة. ولذلك أنفق ممثلو الولايات المتحدة وبعض القوى الدولية الكثير من الجهود المعتبرة في محاولة لتأمين درجة من الوحدة وسط الفصائل المسلحة غير المنضوية لحركة العدل والمساواة. ولعل هذه المحاولات أفرزت في نهايتها تأسيس حركة التحرير والعدالة في 23 فبراير 2010 . والثابت أن الحركة الوليدة التي تضم في معظمها رهطا من الافراد يرأسها قيادي من المجتمع المدني ألا وهو الدكتور التيجاني السيسي. ويقوم تكوينها على أساس حراك الذين انشقوا من فصائلهم المتمردة، ومعنى ذلك أنهم يفقدون أي وجود عسكري ملموس على الارض في دارفور.
مبدئيا كانت فكرة حركة التحرير والعدالة تنحو إلى القناعة بان الحراك السياسي لهؤلاء الافراد سوف يساعد في إستقطاب فصائل التمرد الرئيسية داخل جسم العدل والمساواة لكن نفاذ صبر المجتمع الدولي لتوحيد الفصائل، ورفض العدل والمساواة لضم حركة التحرير والعدالة في اجراءات السلام، وقدرة الخرطوم المستمرة لتفتيت الحركات حجمت فاعلية حركة التحرير والعدالة منذ بدء نشوئها.
والحال هكذا أعرب الوسطاء ايضا عن املهم في ان التفاوض مع حركة التحرير والعدالة يمكن ان يسير بالتوازي مع التفاوض مع حركة العدل والمساواة على أن يستمر هذا الإتجاه بعد انتهاء المفاوضات. بيد أن هذه الفكرة وجدت رفضا صلبا من العدل والمساواة.
يجدر ذكره أن حركة التحرير والعدالة تتكون الآن من إحدى عشر جماعة مسلحة، لكن للأسف لا تزال تفتقد بعض أطراف مؤثرة مثل جيش تحرير السودان ـ جناح الوحدة، والذي شكل مع أجنحة أخرى فصيلا متحدا عرف بأسم فصيل خريطة الطريق. ولكونه أفصح عن عدم القبول بقيادة حركة التحرير والعدالة حاول هذا الفصيل تأمين وجوده عبر سياق موازي ثالث، غير أن محاولات التفاوض في الدوحة تعثرت.
إلى ذلك وقعت الحكومة السودانية في 18 مارس اتفاقا إطاريا للسلام مع التحرير والعدالة مشابها لما وقعته مع العدل والمساواة والذي انجز وقف اطلاق النار لثلاثة اشهر فقط. غير أن المحادثات اوقفت مؤقتا في ابريل بسبب إنشغال الحكومة بأمر الانتخابات، ولقد عادت الحركات المسلحة إلى الدوحة في يونيو لتواصل التفاوض. وللاسف أنه برغم حضورهم الدائم في المحادثات، فليس من المحتمل أن هذه المفاوضات سوف تقود الاطراف المتنازعة إلى سلام مدعوم في دارفور، وذلك بسبب أن فصائل التمرد الموجودة على الارض مثل حركة العدل والمساواة وحركة عبد الواحد ليست مشاركة في التفاوض.
وللحقيقة أن كثيرا من حركات التمرد رفضت الانضمام لحركة التحرير والعدالة بسبب قيادة التيجاني السيسي وميله لحجب المعلومات الحاسمة عن سير التفاوض ولتهميشه الأطراف الأساسية. وحتى هؤلاء الذين تضاموا معه بدأوا يطرحون التساؤل الدؤوب عن أمر قياديته. ووفقا لمصادر مشاركة في المحادثات أكدت أن المفاوضات تمضي للامام لكن هناك امل ضئيل في وجود نتيجة إيجابية. وهذا أمر مؤسف، آخذين في الإعتبار أن الرئيس البشير قال آنئذ إن \"جولة المفاوضات الحالية سوف تكون الاخيرة لأي جماعة مسلحة وأنه لن تكون هناك شرعية من خلال البندقية، وإنما خلال صندوق الاقتراع فقط \"

إسهام المجتمع المدني

مع تعثر المفاوضات وسط الفصائل المسلحة تبنت الحكومة السودانية، ومعها الوسطاء الدوليون آلية جديدة بهدف معلن وهو إشراك المجتمع المدني على غرار تلك المشاورات التي تمت بين أبناء دارفور عبر ما عرف بالحوار الدارفوري - الدارفوري، ولعل تلك الآلية التشاورية حاولت عام 2006 حشد دعم المجتمع المدني لإتفاق سلام دارفور، والذي كان مسودته قد كتبت مسبقا بمساهمات شحيحة من المجتمعات المتضررة نفسها.
وكانت نتيجة هذا الإجراء زيادة عدم الثقة لكامل عملية السلام، وتسييس العديد من مخيمات النازحين داخليا، لا سيما تلك التي حول جبل مرة ـ معقل عبد الواحد محمد نور، وكذا مخيم كلمة في جنوب دارفور. وعوضا عن عقد ملتقى جامع لأبناء الإقليم، ذلك الذي يهدف الى إصلاح النسيج الاجتماعي لدارفور بشكل جذري، أهمل الحوار الدارفوري ـ الدارفوري إصطحاب مكونات دارفور الرئيسية، فوقا عن أنه تأسس بطريقة مهدت لتزوير إرادة المواطنين من قبل أطراف الإتفاقية. وعليه رأى النازحون هذه الخطوة بأنها فاقدة للشفافية، وغير جديرة بالثقة، فضلا عن ذلك جعلتهم ينظرون لهذه الجهود بدرجة كبيرة من الشكوك.
إن إستشارة المجتمع المدني التي تجرى حاليا من قبل فريق دعم الوساطة برئاسة جبريل باسولي الوسيط المشترك، لا تبدو مختلفة بشكل جذري عن محتوى الإستشارة السابقة، برغم التسليم بأنها أكثر شمولا، وتضم النازحين واللاجئين، وأفرادا من المكون القبلي ذي الأصل العربي. وإلى وقت قريب، استبعد قادة المجتمع المدني من المراحل المهمة لعملية السلام. وتم تدارك هذا الوضع، إلى حد ما، في اجتماع يوليو الذي عقد في الدوحة، بيد أن كثيرين ذوو صلة مباشرة بعملية التشاور أعربوا عن قلقهم إزاء السبل التي بواسطتها تمت إدارة أمر المشاركة فى الملتقى. إذ يبدو أن هناك تساؤلات حول كيفية اختيار المشاركين للسفر إلى الدوحة، وعما إذا كان المختارون هم ممثلون حقا لجميع قطاعات مجتمع دارفور.
ولعل كثيرين يعتقدون أنه كان ينبغي لفريق الوساطة قضاء وقت أطول في الأقليم، مجتمعا مع جميع عناصر المجتمع في دارفور، أجل أن يكون تمثيلهم شاملا، مثلما كان ينبغي على الفريق نفسه أن يجرى عملية الحوار داخل الأقليم نفسه من أجل إثبات شموليتها. وقد أعربت المصادر أيضا عن قلقها بأن هذا التشاور قد ينتهي إلى كونه بديلا عن العملية السياسية الساعية للحل، وخصوصا ان مفاوضات الدوحة قد توقفت الآن.
إن الوسطاء يأملون في أن تسهم مطالب المجتمع المدني بملاحظات قيمة للعملية السياسية للسلم، وذلك من خلال توفر مقترحات للأطراف المتفاوضة، وربما قد تشجع الطرفين على العودة الى طاولة المفاوضات، والوصول إلى نتيجة مثمرة، لكن الحقيقة هي أن هذه المفاوضات لا يؤمل فيها خلق إختراق حقيقي بسبب نهجها المتبع حاليا.
وبرغم تقصير هم الاطراف الدولية على أمر الاستفتاء، تاركين دارفور نائية بهموماتهم العاجلة، فإن المجتمع الدولي يكون بهذا التقدير السياسي قد فشل في التعامل مع الدوحة بهدف المساعدة في إحراز بعض التقدم في عملية السلام. وبينما أن مبيكي وفريقه يريدون معالجة قضية دارفور بشكل جدي، لا يزال هناك بعض القلق إزاء الفترة التي تسبق وتلي ترتيبات الاستفتاء للشمال والجنوب، وحتما أنها الفترة التي تتطلب إهتمام مبيكي وجماعته كثيرا.
وما رشح أن رئيس حكماء أفريقيا دعا لإجتماع في مايو تشارك فيه أطراف دولية مهتمة بالشأن السوداني، وكان يفترض في هذا الإجتماع إتفاقهم على بناء \"نهج موحد\" رابطين فيه عملية السلام في دارفور بالترتيبات التحضيرية للاستفتاء، والذي لا تزال ظروف إجراءه غامضة. علاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة وأطرافا أخرى لم يحزموا أمرهم جيدا على أساس أن يثبتوا مشاركتهم الفاعلة التي توضح للطرفين وجود التزامات راسخة نحو عملية السلام.
كل هذه التداعيات قادت المجتمع الدولي لقبول مبادرة متأخرة جدا بشأن دارفور من قبل الحكومة، والتي، تستخدم بفاعلية أساليب الدول الغربية، وهي الأخرى فشلت لإخفاء النوايا الحقيقية للحكومة والتي هي إلى حد ما معروفة جيدا. ولذا فمن غير المرجح أن أي نوع من اتفاق سياسي بشأن دارفور، بدعم من المجتمع المدني ، سوف يتم التوصل إليه قبل حلول الاستفتاء.

مستحقات السياسة الاميركية

إن الولايات المتحدة وبقية قوى المجتمع الدولي بحاجة إلى مواصلة الاهتمام من أجل إنجاز تغيير حقيقي لشعب دارفور حتى في وقت يتحول فيه الاهتمام الدولي لترتيبات ما قبل وبعد الاستفتاء لجنوب السودان. ونرى إن اسلوبا موحدا وفاعلا للتعامل مع كل أجزاء السودان هو الضمان الضروري لتحسين كل الأوضاع، وليس فقط الإهتمام بوضع على حساب وضع آخر، وحتما أن النهج الشامل لحل القضايا سيعود لصالح كل البلاد.
ان فشل المشاركة في إجراءات السلام الجارية في دارفور سوف يفرز بغير شك أثرا سلبيا على المواطنين، وبالنسبة لدارفور فإن إدارة اوباما تحتاج إلى الإهتمام بهذه الإجراءات الضرورية:


1ـ الحل السياسي

إن الولايات المتحدة، لكي تسعي نحو حل سياسي للنزاع في دارفور، تحتاج إلى ضرورة الإهتمام باستخدام نفوذها الذي هو اكثر فاعلية والذي يمنح أيضا نفوذا إضافيا لما هو سائد في السعي للسلام. كما أن على الولايات المتحدة التي عززت مؤخرا وجودها الدبلوماسي في السودان تحتاج إلى إثبات إلتزاماتها لتحقيق السلام في دارفور، وذلك عن طريق التنسيق الفاعل مع بعثتي الامم المتحدة والاتحاد الافريقي ودعم جهودهما المبذولة اصلا بشكل جذري. وأكثر من ذلك فإن إدارة اوباما ينبغي ان تتوحد حول سياسة واضحة واستراتيجية دبلوماسية مع لاعبيين دوليين آخرين مهمومين بأمر دارفور حتى يقف المجتمع الدولي على أرضية جبهة عمل موحدة إزاء أطراف أخرى.
وعلى الإدارة الاميركية، كذلك، أن تكون فريقا دبلوماسيا شاملا وخبيرا لدعم اجراءات السلام في دارفور، إذ ليس كافيا إنتداب شخصين من وزارة الخارجية، والحاجة الآن إلى إرسال المزيد من الموظفين للعمل مع فريق الوساطة.
كما أنه ينبغي تسريع الجهود لإختيار موظفين اميركيين لفريق التوسط. أيضا، على الولايات المتحدة أن تشرك في هذه العملية مسؤولين كبار يؤكدون بإستمرار جدية الولايات المتحدة في الوصول إلى صفقة سلام للتفاوض.
بإثبات إلتزاماتها لإحراز تغيير حقيقي على الارض وساعية بشكل جدي مع الأطراف الدولية النافذة، فإن إدارة أوباما تستطيع زيادة نفوذها وفرصها لتأمين صفقة سياسية لدارفور.
والحقيقة أنه ينبغي على الادارة الاميركية ايضا دعم عمل الفريق الاممي من أجل أن يلوح المجتمع الدولي بعواقب حقيقية ومغريات ذات مصداقية بشأن نزاع دارفور، وذلك ليس فقط لدفع الاطراف نحو صفقة شاملة لمعالجة الوضع الماثل هناك وإنما للمساعدة في ضمان أن هذا الصفقة حقا هي القابلة للانجاز .
إن العواقب الممكنة ينبغي ان تشمل التوسع التدريجي والتقوية الصلبة لحظر السلاح، ورفض فكرة إعفاء ديون السودان، وبناء التحالف الذي يستهدف الأرصدة البنكية للمسؤولين الكبار، وحظر سفرهم لكل الدول المشاركة، مع التسريع لخطوات الدعم الكافي لمجلس الامن من أجل دفع قرارات المحكمة الجنائية الدولية القاضية بتنفيذ أمر القبض، وكذلك توسيع نطاق حماية المدنيين بعمل التغطية الجوية للفضاء الدارفوري، أو نصب مضادات للطائرات، وكذلك إثبات جدية الجهود الجماعية أو الفردية الرامية إلى نزع الشرعية عن الأطراف أو الأفراد الذين يتخذون الخطوات اللازمة لتقويض السلام.
إن الحوافز الممكنة ينبغي أن تستبين فقط كجزرة ضغط، ويكون لها مساحة للتطبيق إذا نفذ حزب المؤتمر الوطني الاتفاقات الراهنة بخصوص دارفور والجنوب وإذا ساعد في خلق اتفاقيات شاملة للسلام. ونرى أن التطبيع مع الولايات المتحدة واعفاء الديون العالمية هي أكثر الاغراءات الممكن توظيفها، وذلك للتأثير على أرصدة كبار مسؤولي المؤتمر الوطني، لكن حكومة السودان لم تفعل سوى القليل جدا في هذه المرحلة لجعل مثل هذه الحوافز مستحقة بالنظر.
في حال الاستخدام الفاعل للمقترحات المتضمنة عاليه، فإن الولايات المتحدة تستطيع أن تسهم حقيقة لدفع الحكومة السودانية والفصائل المسلحة المؤثرة ــ مثل حركة العدل والمساواة وحركة عبد الواحد محمد نور ــ للعودة إلى طاولة المفاوضات والإسهام في الحوار البناء. وإذا رغب المجتمع الدولي لحمل الاطراف المتنازعة للعودة إلى الدوحة، والتي قد لا تحدث حالا حتى بعد استفتاء يناير، فمن الجوهري، إذن، القول هنا إن إجراءات السلام سوف لا تعوق بالجداول الزمنية ودبلوماسية الموعد النهائي، على إعتبار ان هذه الوسيلة المتبعة حكمت محادثات دارفور في فترات متعددة في الماضي. وبدلا من تقديم صفقة بغرض الحل السياسي فإن المجتمع الدولي ينبغي أن يهتم بتحفيز الجهود لخلق نص تفاوضي موحد ذلك الذي يستجيب تماما وبدقة إلى هموم وحاجيات شعب دارفور.
إن واقع النزاع في دارفور ينبئ عن الحاجة إلى الاستشارة المستمرة على المستوى القاعدي، وذلك للاتفاق على كل مكونات السلام ، لكن الإجراءات المهمة فيها من الضروري ان تكون متضمنة وهي :

أولا: التقويض الكامل لبنية العنف ونزع سلاحها، وهو العنف المدعوم بواسطة الدولة: الجنجويد والمليشيات التي تعمل بالوكالة.
ثانيا: الترتبيات الأمنية الشاملة، تلك التي تسمح بنجاعة العودة الطوعية لما يقرب من ثلاثة ملايين دارفوري تشردوا من مناطقهم، وهذه العودة تتطلب وجود بعثة لحفظ السلام، أكثر فاعلية وموثوق بها، وأيضا تتطلب وضع خطط عملية لترتيبات امنية تأخذ في الإعتبار حقيقة أن أطرافا كثيرة، بما فيها قوات الامن السودانية، ظلت متورطة في انتهاكات تتعلق بحقوق الانسان أثناء مرحلة السبع سنين الأخيرة.
ثالثا: التعويضات التي تشمل الافراد وايضا المجتمعات المتضررة، وهي التي تمهد السبل لعودة آمنة وكريمة للاشخاص المشردين واللاجئين لمواطنهم الاصلية ويجب أن يختاروا هذا السبيل.
رابعا: المقترحات التي توضح تقاسم الثروة والسلطة والتي تأخذ في الحسبان ارقام إحصاء 1992 والتي أوضحت أن دارفور تسهم بنسبة 20 من المئة من إجمالي سكان القطر.
خامسا: خلق اقليم موحد لدارفور الكبرى بجانب تكوين حكومة شبه ذاتية لكن بدون توفر حق تقرير المصير.
سادسا: المحاسبة العادلة

2ـ مساهمة المجتمع المدني

من أجل أن يتوصل المجتمع الدولي إلى حل سياسي لأزمة دارفور ينبغي أن يكون جادا في إشراك كل الدارفوريين في إجراءات السلام، والتي تعطيهم القول الفصل في تحديد مضمون هذا السلام، وبذلك يجد أي اتفاق في هذا المعنى الدعم الشعبي.
وبدلا عن تكرار اخطاء ابوجا التي قدمت مسودة إتفاق لقادة المجتمع المدني وجدوا أسهامهم فيها ضئيلا ، فإن المشاركة الدارفورية ينبغي ان تشمل مشاورات من مستوى القاعدة فصاعدا. إننا نرى أنه ينبغي للمجتمعات الدارفورية أن تلعب دورا في إختيار ممثليهما بأنفسها في كل المستويات. وهذه الخطوة تعني أن هؤلاء الذين يتم اختيارهم للجلوس على طاولة المفاوضات كمراقبين إنما هم مدفوعون بدعم شعب دارفور ليسهموا بالرأي.
هذا هو السبيل الوحيد الذي يمكن للمجتمع الدولي أن يضمن به إحساس الدارفوريين بملكية بعض إجراءات السلام التي تمنحه الشرعية، والتي هي مهمة بالنسبة لمجتمعات النازحين الذين يرغبون في ان تكون إجراءات السلام نزيهة وأن لا تشوبها محاولات حكومية للتلاعب بها.
وإذ أن هذه الإجراءات الاستراتيجية لا تستطيع ان تحل تماما محل الاتفاق السياسي، آخذين في الإعتبار عدم كمون الأمن في بوادي الاقليم، إلا أنها يمكن أن تصبح جهدا مكملا، ومهما للتفاوض واجراءات بناء السلام. وهنا ينبغي التأكيد أن التعاون وسط الأطراف الدولية المشاركة في سلام دارفور يعتبر امرا جوهريا لنجاح هذا النوع من المبادرات الاستراتيجية، بالاضافة إلى ذلك فإن اشراك المجتمعات من المستوى القاعدي ربما يمنح المجتمع الدولي الفرصة للضغط على فصائل التمرد للمشاركة في الاجراءات السياسية للسلام. وإذا بدا أن شعب دارفور يلحون بشدة على نهاية للنزاع فإن جماعات التمرد ربما تشعر أنه لا بد من الاستجابة.
إن تركيز الاهتمام الدولي على اشراك رموز المجتمع المدني كمعارضين للقادة الذين يعيشون في الخارج ربما ايضا يقلل الدعم لهؤلاء القادة على الارض، ما دام أن الاهتمام الدولي يبدو حاسما لقياس مدى أهميتهم. وأخيرا سوف يقدم هذا الإهتمام الفرص للاطراف الدولية لدعم مبادرة من القواعد الشعبية عند السعي لبناء السلام. إن أطرافا من المجتمع المدني، والتي اظهرت الرغبة لإصلاح علاقاتها واللحاق بالمشاركة في الاشكال التقليدية لحل النزاع، ينبغي أن تجد الدعم، مع ضمان ألا يكون هذا الدعم ـ بالمقابل ـ سببا لتعرضهم للهجوم.

3ـ حماية المواطنين

ينبغي على المجتمع الدولي مواصلة الضغط على بعثة اليوناميد من أجل أن تهتم بتنفيذ مهمتها الجوهرية وهي حماية المواطنين، ومراقبة الحال الامنية، وتأمين فضاء الأعمال الإنسانية. وبينما يبقى عزم قمباري لتوسيع نشاطات اليوناميد نبيلا بلا شك، فإن عدم قدرة اليوناميد لإنجاز مهمتها لم يجعل سريان المساعدات الإنسانية اكثر صعوبة فحسب، وإنما أفرز أيضا أثرا سلبيا كبيرا على الدارفوريين المواجهين بمخاطر النزاع. ونرى أنه قبل توجهها إلى مساحات جديدة للعمل، فإن بعثة اليوناميد مطالبة بأن تتيقن أنها فعلا انجزت مهمتها بجدارة.
إن حيازة اليوناميد لإمكانيات عمل قوية وأفضل أمر ضروري لحماية أفضل للمدنيين الآن، علاوة على ذلك فإن ذلك سوف يجعلها فاعلة لمراقبة إكمال كل ما هو إيجابي آت من محادثات السلام. وما لم تكن اليوناميد أكثر نفوذا، فإن المواطنين والقوى العسكرية المهمينة على الارض لن يضعوا، بجدية، إعتبارا لنفوذها القوي.
ذلك يعني أنه بدون وجود قوة مقدرة لبعثة اليوناميد، فإن المجتمع الدولي سوف يكون قد أنفق مالا كثيرا على قوة لا تستطيع مقاومة العنف، وكشفت عن أنها عاجزة عن حماية نفسها وتفقد القدرة لتقديم تحليل موثوق به، وكذلك لا تستطيع العمل حتى ضد المليشيات المسيطرة على نقاط العبور عبر تخوم دارفور لأخذ اموال المواطنين الابرياء.
الحقيقة أنه لا يمكن حل كل هذه الإشكاليات إن ظلت اليوناميد في موقف ضعيف تطلب فيه من الخرطوم السماح لها لأداء معظم مسؤولياتها الاساسية. لكل هذا ينبغي على الولايات المتحدة العمل عبر مجلس الامن لتذكير الخرطوم بتجاوزاتها المتكررة للقوانين التي تحكم عمليات البعثة والعمل بهمة لتدريب وتجهيز القوة وتحويل المعدات العسكرية لدارفور لضمان ان قوى حفظ السلام تستطيع حماية نفسها وكذلك العمل كثيرا لحماية شعب دارفور.

4ـ العدالة والمحاسبة

يجب على إدارة أوباما أن تكون حريصة على المواضيع المتعلقة بأمر المحاسبة. فالرئيس البشير وبعض الاشخاص المسؤولين عن جرائم ضد الانسانية والابادة الجماعية يجب أن يمثلوا أمام العدالة. وبالاضافة لدعم قرار المحكة الدولية بالقبض على البشير، فإن إدارة اوباما يجب ان تضع ثقلها الدولي خلف توصيات فريق حكماء أفريقيا برئاسة رئيس جنوب أفريقيا السابق ثامبو أمبيكي . وكلنا نعلم أن حكومة السودان رفضت الكثير من مقترحات هذا الفريق، برغم أنه دعا إلى إصلاحات جوهرية في النظام القضائي السوداني، تلك التي توسع نطاق سيادة حكم القانون وتمهد الأسباب لوجود سلام نهائي في القطر الأفريقي، وأكثر من هذا أن الحكماء الأفارقة قدموا أيضا توصية بتشكيل محاكم مختلطة للذين لم تطلبهم محكمة الجنايات الدولية لجرائم ضد الإنسانية، ومع ذلك ذهبت كل هذه النصائح أدراج الرياح..

القوى الرئيسية لحركات دارفور المسلحة:


*حركة العدال والمساواة: أكثر الحركات قوة على الارض وهي مسؤولة عن هجومها على العاصمة السودانية عام 2008، والذي أعطاها دعما كبيرا وسط الدارفوريين، لكن ماضي الحركة الإسلاموي مع الحكومة لا يزال محل تساؤل لدى دارفوريين كثر. وكانت حركة العدل والمساواة تحتل مساحات من الحدود مع تمركزها في جبل مون، إلا أن التقارب السوداني – التشادي، وتعثر مفاوضات الدوحة جعل الحركة تغادر هذه المواقع إلى إتجاهي الشمال والشرق. هذا الوضع الذي عرض الحركة وجعلها تنادي بحق تقرير المصير والذي يرى البعض أنه محاولة من الحركة لجذب داعمين جدد.
*حركة التحرير والعدالة: جبهة تمرد متحدة وقد تم تكوينها بواسطة افراد من جبهة المقاومة المتحدة والتي كان لها قدرة عسكرية محدودة على الارض. أعضاء هذه الحركة يفتقدون الدعم الشعبي والقوة العسكرية الضاربة.
*فصيل خريطة الطريق: جبهة تمرد متحدة تشمل أعضاء جيش تحرير السودان، جناح الوحدة، وغالب أعضاء هذا الفصيل تكون بواسطة 19 قائد سابقين إنشقوا عن حركة تحرير السودان بعد توقيع اتفاق ابوجا، إستمر جناح الوحدة ليملك دعما في دارفور خصوصا في شمالها.
*حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد: فصيل مهم تشكل من جنرالات الحركة وللحركة رباطات قبلية ودعم من عدد كبير من النازحين في دارفور. رفض قائد الحركة الدائم للدخول في تفاوض مع الحركات الأخرى أصبح محبطا بدرجة كبيرة للمفاوضيين الدوليين. نقاشات عبد الواحد مع وزير الخارجية الفرنسي كوتشنير مؤخرا ابانت رغبة في الانضمام لشكل من التفاوض، ومع ذلك بقي عبد الواحد هكذا خارج مفاوضات الدوحة.
ختام
ختاما نرى أنه في وقت تبعثرت فيه جهود إجراءات سلام الدوحة وصرف المجتمع الدولي النظر المحدود أصلا لترقية مشاركة المجتمع المدني في سلام دارفور، هناك توقع أن نتيجة هذه المفاوضات لن تكون مختلفة عن ما أفرزته أبوجا من سلام. ومن خلال معرفتنا بالتاريخ نرى كذلك أنه حتى لايكون مستقبل دارفور مظلما فإن المجتمع الدولي بحاجة إلى الاستفادة من التجارب الماضية والاستجابة بجهود منسقة أفضل وشاملة، ليس فقط لإنجاز السلام على الورق وإنما لضمان إيجاد تغيير حقيقي مع ترتيبات امنية مهمة على الارض والتي تحمي المدنيين تماما وترقي شكل المحاسبة في دارفور.
إن الشهور القادمة في السودان سوف تشهد تغييرات سريعة على الجبهة الدبلوماسية التي تكونها أطراف دولية متباينة جدا، وتهتم بالسودان. وجدير بالقول إن كل طرف يريد رؤية السودانيين والمجتمع الدولي عاكفين في العمل سويا لإنجاز مستقبل وضيئ في زمن بقي فيه الشيطان في التفاصيل.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1786

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




صلاح شعيب
صلاح شعيب

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة