المقالات
منوعات
عبقري الشعر السوداني: صديق مدثر
عبقري الشعر السوداني: صديق مدثر
03-30-2013 03:53 PM

حياته وشعره

منذ أن دق الإمام المهدي أطنابه في الطرف الجنوبي الغربي لتلك البلدة التي تقع على الضفة الغربية للنيل،صار قدرأم درمان أن تكون بوتقة انصهار لجميع أهل السودان بسحناتهم المختلفة، ولهجاتهم،وعاداتهم، وتقاليدهم، وأطعمتهم ولباسهم وأزيائهم،فامتزجوا وتزاوجوا وتلاقحت أفكارهم، وصارت أم درمان أمهم التي لا ينتسبون لمكان سواها. ولذلك حق لشاعر أم درمان عبد الله محمد زين أن يقول على لسانها:
أنا أم درمان وصوت الأمة وإحساسا
أنا التأسيسه بي تم وأنا اللميت شتات ناسا
مزجت شمالا بجنوبا وسكبت شروقا في غروبه
وزرعت الطيبة في دروبا وطابت "عزة" للأوطان
علاوة على هذا، فقد جذبت أم درمان أعداداً كبيرة من العلماء والفقهاء ووضعوا بذلك لبنة قوية لبنية ثقافية وعلمية، أسهمت في جعل هذه المدينة قبلة يؤمها طلاب العلم ومحبو الأدب، فانتشرت خلاوي القرآن الكريم والمكتبات الخاصة وحلقات الفقه والحديث في كثير من الزوايا والدور، وكان هنالك معهد أم درمان العلمي بكل ما له من رمزية ثقافية وزخم علمي، ومسجد أم درمان العتيق ومابه من حلقات علم ذائعة الصيت. وحط بها الرحال رجال من السادة الصوفية؛ من أمثال السيد المكي، وعربي ومكاوي، ، وأحمد شرفي، والطاهر الحيمادي، وحمد النيل العركي، والصائم ديمة، والسادة الأدارسة، والشيخ ود البدوي، ومحمد ود عبد الماجد، والشيخ قريب الله ود أبو صالح الطيبي، ومولانا محمد مدثر الحجاز، وعوض عمر، وغيرهم كثر لا يتسع المجال لذكرهم، فعطروا سماء أم درمان بتلاوة القرآن والإنشاد العرفاني الرفيع، ومدح المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك مما أثر في وجدان إنسان أم درمان وثقافته، ولعل هذا ما جعل العبارة القرآنية شائعة جداً في شعر الحقيبة، الذي لم يخلُ من أثر التصوف من حيث المفردة والإيقاع واللحن. ومن جانب آخر، كانت هنالك المسالمة وهي تعد بمثابة رافد حضاري لمجتمع أم درمان وقد اشتهرت بحسناواتها الشقراوات فتغزل بهن الشعراء في كثير من القصائد مثل:
يا ظبية المسالمة
وفي الخمايل حالمة
ومن ذلك أيضاً قول عبد الرحمن الريح:
لي في المسالمة غزال نافر بغني عليهو
جاهل وقلبو قاسي وقلبي طائع ليهو
إنّ بيئة كهذه من الطبعي أن تخرج للناس عباقرة في مجالات الإبداع كافة؛ فقد ظهر فيها التجاني يوسف بشير، ومحمد أحمد المحجوب، وصلاح أحمد إبراهيم، وعبد الله الشيخ البشير، ومحمد عبد القادر كرف، وكبار شعراء الحقيبة التي كانت نشأتها في أم درمان ، حيث صدح فيها محمد ود الرضي، وأبو صلاح وعمر البنا وغنى فيها كرومة وسرور ومن بعدهم إبراهيم الكاشف،وإبراهيم عوض وأحمد الجابري. يقول الأستاذ/ حسن أحمد الحسن: (أصبحت أم درمان مركز نشاط للمطربين، والشعراء، وانتشرت أغنية الحقيبة، والأغنية الحديثة وتبارى الشعراء بالقصائد، فأثروا الساحة الفنية والثقافية، وكان لشعراء الحقيبة القدح المعلى، إذ شكلت إبداعاتهم وجدان قطاع كبير من أهل السودان). وبحسبان أن أم درمان هي العاصمة الشعبية، فلا غرو أن يخرج من رحم هذه المدينة العريقة أناس أثروا الساحة السودانية بضروب شتى من الفن والإبداع في مجالات الشعر والقول الرصين؛ ذلك لأن الشعر إنما هو تعبير صادق عن ذاكرة الشعوب وواقعها ووجدانها وتفاعلها مع بيئتها ومحيطها الاجتماعي والثقافي.في مثل هذه البيئة عاش كثير من الشعراء والأدباء والمبدعين، ومن المؤكد أنهم قد تأثروا بكل العوامل التي أشرنا إليها؛ ومن هؤلاء الشاعر الكبير والمربي الفاضل، والمناضل الجسور، صاحب الكلمة الرصينة، والذوق الرفيع، والتعبير الصادق الأستاذ صديق مدثر عبقري الشعر السوداني الذي ولد في عام 1929، وترعرع في ظل دوحة الهاشماب،التي كان يتفيأ ظلالها رجال عظماء من أمثال العالم النحرير الشيخ أبو القاسم أحمد هاشم جد الشاعر صديق مدثر لأبيه، وهي دوحة تتنفس الشعر والعلم والفقه واللغة. وانتقل الشاعر صديق مدثر إلى جوار ربه في الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية في صبيحة الأربعاء العاشر من شهر أكتوبر لعام2012 عن عمر ناهز 83 عاماً، نسأل الله له الرحمة والمغفرة ولذويه ومحبيه وتلاميذه الصبر والسلوان. ولمثل هذا الفاجع ترتدي أم درمان وشاحها الأسود فقد فقدت أحد فلذات كبدها الذين ترعرعوا وشبوا في ربوعها العامرة ولكن أدركته المنية في هضبة نجد وسط جزيرة العرب،فلم تلق عليه أم درمان النظرة الأخيرة، فحق لها أن تضم جوانحها على الأسى والحرقة لمثل هذا الفقد الجلل.وحال شاعرنا الكبير كحال مالك بن الريب التميمي الذي أدركته ريب المنون في خراسان فخلد ذلك بقوله:
لعمريْ لئن غالتْ خراسانُ هامتي لقد كنتُ عن بابَي خراسان‎ ‎نائيا‎
يقولون: لا تَبْعَدْ وهم يدفنونني وأينَ مكانُ البُعدِ‎ ‎إلا مَكانيا
ومع أن شاعرنا صديق مدثر قد ملأ رئتيه بهواء أم درمان شاباً وكهلاً وشيخاً، وأترع قلبه بحبها وحب أهلها، وكانت أحياؤها وأزقتها مسرحاً واسعاً لشعره، هاهو يفارق الدنيا بعيداً عنها! ولكن هذا قدر الله المحتوم، فقد بكته الجالية السودانية بدموع حرى وهي تواري جثمانه الثرى في مقابر أم الحمام،كيف لا وقد كان صديق مدثر علماً بارزاً، ورقماً كبيراً في الشعر والأدب والترجمة والقصة القصيرة.ونعلم أن صديق مدثر بحكم نشأته قد كان واسع الإطلاع، والمعرفة، والثقافة في كل ضروب الأدب والعلم واللغتين العربية والإنجليزية، وهو أيضاً شاهد عصر على كل الأحداث والمناسبات الوطنية منذ مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، وقد شارك في كثير منها بالكلمة وأدخل السجن أكثر من مرة.

محمد التجاني عمر قش- الرياض
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 8880

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#626189 [قاعد برة زيك]
3.00/5 (1 صوت)

04-02-2013 09:01 AM
يا اخوانا الناس دي مالها؟ شعر شنو ياخي؟ ربع البصل بقي بكم؟ و بعدين الزول لو داير يقرو ليهو ما يكتب كتيير كدة لانو لو بنقرا قدر دة كان بقينا دكاترة. وبعدين ام درمان دي في و عظيمة قبل ما المهدي يجيها


#624519 [محمد التجاني عمر قش]
3.00/5 (1 صوت)

03-31-2013 01:30 PM
عرفت الراحل عن كثب عندما كلفني الإخوة في رابطة الإعلاميين السوادنيين بالعاصمة السعودية، الرياض، بتنظيم لقاء معه في منتدى الرابطة الدوري؛ ولذلك أتيحت لي فرصة الالتقاء معه في جلسات كانت أشبه ما تكون بالمحاضرات الأدبية؛ فقد كان يتدفق علماً، ويصف الأحداث كأنه يراها رأي العين، على الرغم من تقدم سنه، وهذا يعني قوة ذاكرته وحفظه ووعيه التام لما سمع من معاصريه الذين التقى بهم في دروب الحياة؛ خاصة إذا علمنا أنه قد عمل بوظائف مختلفة منها التعليم في بخت الرضا، والمعهد الفني، كما عمل في فرع التوجيه المعنوي بالقوات المسلحة،وخاض غمار السياسة والعمل العام منذ فجر الاستقلال وكان من المشاركين في هبة أكتوبر عام 1964،ويقال إنه كان ضمن التيار الإسلامي في المرحلة الثانوية، وله علاقات بكثير من التيارات الفكرية الأخرى، والتقى بكبار الشخصيات الوطنية على رأسهم الزعيم إسماعيل الأزهري، وغيره من الرموز الوطنية، من أمثال سر الختم الخليفة،وقادة الفكر والسياسة والأدب. إلا أن صديق مدثر، على ما يبدو، لم يترك لانتمائه الفكري فرصة التأثير على إنتاجه الشعري سلباً أو إيجاباً، بل كان ينطلق من أحاسيسه الخاصة ويعتمد على قريحته الشعرية الفذة، وهذه نقطة تضاف إلى رصيد شارعنا الكبير وعبقريته. ومع دعوته الصريحة لمشاركة المرأة في الحياة العامة، إلا انه لم يتحدث عن تحريرها بنفس المفهوم الذي دعا إليه كثير من معاصريه من الأدباء، والمفكرين، والشعراء، والكتاب، في كثير من بقاع الدنيا، وفي عالمنا العربي على وجه الخصوص.
بدأت قريحة الشعر عند صديق مدثر في وقت مبكر من عمره منذ العشرينات، ولكن قصيدته المشهورة "فتاة الوطن" التي يقول فيها:
أنتِ نور ومنار في الطريق
أنتِ في الدنيا لنا نعم الرفيق
استكان الناس للنوم العميق
فاقتدي شعباً غداً سوف يفيق
هي التي أبرزت تلك الموهبة الفذة في مجال الشعر والإبداع عموما،ً وقد شدا بها عميد الفن الأستاذ أحمد المصطفى، ويكفي أن تلك القصيدة قد كانت السبب في قيام إتحاد المرأة السودانية، وهنأه عليها السيد إسماعيل الأزهري، وطلبت حاجة كاشف بدري من الحضور الاستماع لتلك الأغنية وقوفاً عندما قدمت لأول مرة. ومنذ تلك اللحظة طفق صديق مدثر يصول ويجول في عالم الشعر فكتب في مجالات وأغراض شتى منها الشعر العاطفي والحب، والشعر الوطني أو السياسي، والدفاع عن كرامة الإنسان، ورثى كثيراً من أصدقائه ومعارفه الذين رحلوا عن دنياه، وهذا لعمري إحساس نبيل امتاز به هذا الشاعر الوفي. سألت الأستاذ صديق مدثر عن العلاقة بين قصيدتيه (ضنين الوعد، والحبيب العائد) وكأنّ السؤال قد أثار قي نفسه لواعج الذكرى فتبسم وتهللت أساريره وقال: يا ابني إنّ ملهمتها واحدة، ولكني عندما كتبت ضنين الوعد وعرضتها على الأستاذ كرف قال لي:( لقد بدأت من القمة، فماذا تراك قائل بعدها؟) وحق لكرف أن يقول ذلك فهذه قصيدة متفردة في الشعر؛ ودعونا نتأمل بعض أبياتها:
أنا إن شئت فمن أعماق قلبي
أرسل الألحان شلالاً رويّا
وأبث الليل أسرار الهوى
وأصوغ الصبح ذوبا بابليّا
لا تقل إني بعيد في الثرى
فخيال الشعر يرتاد الثريّا
كان بالأمس لقانا عابراً
كان وهما كان رمزاً عبقريا
كان لولا أنني أبصرته
و تبينت ارتعاشاً في يديّا
بعض أحلامي التي أنسجها
في خيالي وأناجيها مليّا
ومما يلاحظ على هذه القصيدة أن حرف الروي فيها هو " الياء" وقيل إن هذا نداء يدل على ضعف وانكسار يتناسب وحالة الشاعر العاطفية، ولعل هذا ما نجده عند شعراء كثر قالوا الشعر في موقف ضعف مثل الشاعر الجاهلي عبد يغوث بن وقاص الحارثي الذي وقع أسيراً في إحدى معاركه مع قبيلة تَيْم فقال ـ في قصيدة ـ يطلب منهم إطلاق سراحه :
ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا فما لكما في اللوم نفعٌ ولا ليا
ألم تعلما أن الملامة نفعها قليل وما لومي أخي من شماليا
ومثل هذا نجده عند مالك بن الريب التميمي كما أشرنا وهو يرثي نفسه. وحرف الياء هنا مشبع بالفتح الممدود مما يعطي مجالاً لمد الصوت حنيناً، واستغاثةً، وأملاً، وبكاءً ورجاءً، وكل هذه تدل على الضعف الجائز حسب الحالة التي تلم بالشاعر. ونلاحظ ذات الشئ عند مجنون ليلى، قيس بن الملوح حيث يقول في قصيدة طويلة:
خَليلَيَّ لَيلى قُرَّةُ العَينِ فَاِطلُبا إِلى قُرَّةِ العَينَينِ تَشفى سَقامِيا
خَليلَيَّ لا وَاللَهِ لا أَملِكُ البُكا إِذا عَلَمٌ مِن آلِ لَيلى بَدا لِيا
ولم يسلم من ذلك الانكسار العاطفي الذي تمليه على الشاعر حالة الوله والهيام حتى محمود عباس العقاد فيقول:
ألا من لنا في كل يوم بفرقة تجدد ليلات الوداع كما هيا
ليال يبيح الدل فيها زمامه ويرخص فيها الشوق ما كان غاليا
وبعد أن غنى الأستاذ الكابلي "ضنين الوعد" ووجدت قبولاً ورواجاً واسعاً، طلب محمد وردي من صديق مدثر أن يكتب له أغنية فجاءت " الحبيب العائد" التي يقول فيها:
عاد الحبيب
فعادت روحي وعاد شبابي
يا شوق مالك ؟ دعني
أما كفاك عذابي؟
لقد شربت دموعي
أما سئمت شرابي؟
عاد الحبيب
فأهدى لكل قلب سلاما
أهدى العيون بريقاً
أهدى الثغور ابتساما
فكيف ينسى فؤاداً
أهدى إليه الغراما
وكيف ينسى محباً
أمسى يذوب هياما
وهذه لعمري كلمات تفيض أملاً وفرحة وتفاؤلاً، وعاطفة جياشة تنم عن صدق المشاعر والحب،مع شيء من العتاب والاعتراف،وتعبير عن فرحة خجولة، وهل يفرح العاشق بشيء أكثر من عودة الحبيب إليه ولقياه؟وستظل هذه القصيدة واحدة من أروع ما قيل في الشعر الغنائي السوداني، بيد إنها لا تضاهي ضنين الوعد فتلك، بشهادة كرف، قمة لا يدانيها شعر غيرها.في القصيدة السابقة ضن الحبيب بالوعد فكانت الشكوى والبكاء، وهنا عاد الحبيب فكانت الفرحة الممزوجة بالأمل والرجاء. ولو لم يكتب صديق مدثر إلا "ضنين الوعد و"الحبيب العائد" و"فتاة الوطن" لضمنت له مكانة مرموقة بين فحول الشعراء، ناهيك عن تجربته الشعرية التي أمتدت لأكثر من نصف قرن


ردود على محمد التجاني عمر قش
Saudi Arabia [قش] 03-31-2013 03:25 PM
رثى صديق مدثر كثيراً من أصحابه كما أسلفنا، منهم محمد وردي، ونادر خضر، والشاعر محمد حسن حميد بقصيدة يقول فيها:
وشارعكم لئيم الطبع
في حلفٍ مع الزمن
أضاف لحزننا حزناً
ثوى حميدُ بالكفن
فقدنا شاعراً فذاً
يصوغ القول في لحن
يصوغ الدر مطبوعاً
كغريدٍ علي فنن
ولم يقنعْ
فجاء اليوم يرهقنا
بفقد النادر الفطن
وإن كانت " فتاة الوطن" هي بداية رحلة صديق مدثر في مجال الإبداع، فإنّ آخر ما خطه الراحل قصيدة " لوعة الرحيل المفاجئ" في رثاء صديقه السفير/ كمال أحمد داؤود ونقتطف منها هذه الأبيات:
لما ارتحلتَ بلا إيابْ
الشِعرُ أعجزه الكلامْ
وهاله هولُ المصابْ
ولمن سنلجأ بعده
ونروحُ نطرقُ كلَ بابْ
هل من مغيثٍ هاهنا؟
لاشيء يبتدرُ الجوابْ
فلقد مضى الخلُ الوفيْ
وبقيتَ وحدَك والسرابْ
يتميز شعر صديق مدثر، في مجمله، بصدق العاطفة وعدم التكلّف وسمو المشاعر، وسعة الخيال الفني، والرقي بالإحساس الذي يحلق بالقارئ أو المستمع في آفاق الخيال، ولا يرضى بما دون الثريا! وهو كما نلاحظ يبتعد عن الوصف الحسي والغزل المكشوف كالذي نجده عند شعراء الحقيبة حيث يبدو جلياً في هذه النماذج:
خصرو ناحل وزاد جسمي إنحالو
طرفو ناعس نام وطرفي يصحالو
أو كما في قول ود الرضي:
شفت الحسن الحافل، رافل في ثياب العز، والعز كافل
رانع، واحل، تايه، غافل، لادن، هادل، ضامر كافل
هادي، ساكن، آمن قادل بهجه هيبه حاكم عادل
لافح فره وطارح سادل ليل عسعس كاسي الهادل
وكل هذا غزل حسي يعتمد على وصف مفاتن المرأة ولا يتعداها إلى ما هو حسي.
و يقول آخر:
حليل الناسا وناسا طريت أم در حليل ناسا
وكيف انساها وأتناسا ومفتون بي ظبي ناسا
لم يستخدم صديق مدثر المحسنات اللفظية مثل الجناس والطباق الذي يظهر في الأبيات السابقة، وفي أغاني الحقيبة عموماً،على الرغم من معاصرته لكثير من شعرائها.وهذا ليس قدحاً في أغنية الحقيبة وإنما كانت هذه مقارنة ضرورية لإظهار مقدرة هذا الشاعر الفذ، مع الإقرار بأن الحقيبة لها دورها المعروف ومكانتها المرموقة في تاريخ الأدب والفن السوداني. علاوة على هذا، يتصف شعر صديق مدثر بجزالة اللفظ والإبتعاد عن غريب اللغة، مع بساطة التركيب اللغوي، وهو، في ذات الوقت، عميق المعنى، وله جرس موسيقي واضح مما جعل قصائده المغناة تجد قبولاً منقطع النظير،ولعل هذا هو سر روعة شعر صديق مدثر، وهو ذات السبب الذي يجعلنا نطلق عليه عبقري الشعر السوداني.كتب عنه أحد أصدقائه:(كان صديق كثيف التلون في الديباجة، ومتفرداً في اختيار اللفظ والعبارة، وكانت القصيدة لديه تبدأ كبتلة ثم تورق وتزهر حتى يفوح عبق أريجها). لقد اختط صديق مدثر منهجاً شفيفاً في شعر الأغنية السودانية، يمزج فيه العتاب مع الوله والهيام،فعطّر سماءنا لعقود بجميل الشعر والبوح النقي، ولكن في الوقت نفسه يملك الشاعر زمام نفسه وشخصيته وإرادته ولا يكون منقاداً للعاطفة بلا روية،مما جعل حواره نِدياً مع المحبوب فيقول مثلاً:
إن تكن أنت جميلاً فأنا
شاعر يستنطق الصخر العصيا
أو تكن أنت بعيداً عن يدى
فخيالي يدرك النائي القصيا
كتب د. تاج السر الحسن (لقد ورث صديق مدثر وأبناء جيله ما أعطته المدرسة العربية الحديثة ممثلة في الشعراء العرب في مدارسهم المختلفة،مدرسة الفجر السودانية، ومدرسة أبولو، ومدرسة الديوان المصرية، ومدرسة الرابطة العلمية.صديق مدثر شاعر عربي وجداني أحتل الشعر الوجداني العاطفي مكاناً واضحاً في ديوانه(وهج المشاعر)؛ففي قصيدة ضنين الوعد يصور لنا الحسن والجمال كمظهر لحسن الجمال المطلق، فهو هنا أقرب إلى ما هو أفلاطوني، بعيداً عن الإدراك الحسي). لذلك نستطيع القول بأن الشاعر الراحل قد أثرى الحياة الفنية والأدبية بروائع يخلدها التأريخ وستظل باقية في وجدان الشعب السوداني ما تعاقب الليل والنهار وما بقي على ظهر البسيطة إنسان يتذوق الشعر الرصين.
الحديث عن شاعر مثل صديق مدثر يستغرق مقالات طويلة،أو ربما كتباً لأننا نقف أمام قامة سامقة من القامات الأدبية ذات الباع الطويل في الأدب والترجمة ومن قبلها التربية والتعليم، وقد أجاد شاعرنا أيما إجادة في كل هذه المجالات، وهو لذلك شخص فذ حباه الله بقدرات قلّ أن تجتمع لشخص واحد، وإنما نريد هنا أن نعطي نبذة مختصرة عن بيئته،و حياته، وشعره. لقد علّق أحد الكتاب قائلاً:(إن صديق مدثر قامة من قامات الشعر الرصين وأستاذ في الأدب وجمال الكلمة، ترك فينا أعمالاً رائعة يطرب لها قلب العاقل لأنها صيغت في غير ابتذال أو شهوة، كما نجد في الكثير من الأشعار التي تتغزل في جسد المحبوبة).أعطانا صديق مدثر أشعاراً عفيفة و طاهرة ولكم أن تعودوا إلي رائعة الراحل محمد وردي(الحبيب العائد)، ورائعة الفنان محمد ميرغني (سبأ)، وأغنية(محبوبي يا هاجر) للراحل حسن عطية، ولا ننسى (ضنين الوعد) للفنان الكابلي، لمعرفة الحس المعنوي الراقي الذي يكتب به معاناته كشاعر لا كبائع للمفاتن كما درج الكثير من شعرائنا). وهذا الدرب هو ما نريد من الشعراء الشباب أن يسيروا عليه إن هم أرادوا كتابة أسمائهم في سجل الشعر السوداني. بالإضافة إلى شاعريته المتفردة فإنّ الراحل يتميز بأصالة إنسان أم درمان الذي ورث النبل والكرم؛ فكان كلما جئته زائراً غمرني بشيء من المودة والإحساس الأبوي الذي عرف به كبار أهلنا الذين رحلوا عن هذه الفانية، بعد أن تركوا بصمات واضحة من أسس التربية والأخلاق والقيم والذوق الرفيع،نأمل أن يسير عليها الناس حتى يصلح حالنا وتعود لنا تلك الروابط وحسن النية ونقاء السريرة والتراحم الذي كان سائداً في مجتمعنا السوداني قاطبة، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
ألا رحم الله أبا أسامة رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.فقد قدم الكثير المثير من الإبداع والفن والأدب الراقي الذي سيظل نبراساً يهتدي به كل من أراد أن يرقى بشعره في مجال الكلمة الرصينة والمعاني العميقة، والإحساس العفيف، وستظل أمه أم درمان تذكره كلما تحدثت مجالسها عن الشعر والأدب والترجمة. ومن هنا نطلب من القائمين على أمر الفن والشعر في السودان نشر شعر العمالقة من جيل صديق مدثر -رحمه الله - حفاظاً على الذوق العام، ويا ليت أن لجنة النصوص تعود لممارسة دورها حتى تحول دون بث كثير من الشعر والغناء الغث الذي يأتينا عبر كثير من وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة، فإن تراثنا يعد ثروة ثقافية ثرة ينبغي علينا السير على منهجها لنرتقي كسائر الأمم من حولنا في الموسيقى والفن والأدب والثقافة بوجه عام. ونختم بما قاله الشاعر في خاتمة ديوانه (وهج المشاعر)؛ لأن هذه الأبيات تعبر بوضوح وشفافية عن روح هذا الشاعر وإحساسه تجاه أبناء وطنه:
ما حياتي إن أنا عمرتها وحياة الناس من حولي خراب
قمة الفكر التي أملتها وتحملت بمسعاها الصعاب
أن يسود الخير شعبي كله ويرينا وجهه من كل باب


#624183 [السر أبو زيد]
0.00/5 (0 صوت)

03-31-2013 06:13 AM
عملتوهو عبقري الشعر كمان ،،بتبالغو عديل ،، عبقري بتاع مين ، هسي إنت زاتك يا كاتب الموضوع لو سألوك عن شعرو غير ضنين الوعد ما بتكون عارف حاجة
الله يديك العافية يا كابلي ،، هي أصلاً قصيدة واحدة ولو كابلي ما غناها ماكان في زول سمع بصديق دة أصلاً ،،على كل حال عليه رحمة الله ،


ردود على السر أبو زيد
Saudi Arabia [محمد التجاني عمر قش] 03-31-2013 12:37 PM
بدأت قريحة الشعر عند صديق مدثر في وقت مبكر من عمره منذ العشرينات، ولكن قصيدته المشهورة "فتاة الوطن" التي يقول فيها:
أنتِ نور ومنار في الطريق
أنتِ في الدنيا لنا نعم الرفيق
استكان الناس للنوم العميق
فاقتدي شعباً غداً سوف يفيق
هي التي أبرزت تلك الموهبة الفذة في مجال الشعر والإبداع عموما،ً وقد شدا بها عميد الفن الأستاذ أحمد المصطفى، ويكفي أن تلك القصيدة قد كانت السبب في قيام إتحاد المرأة السودانية، وهنأه عليها السيد إسماعيل الأزهري، وطلبت حاجة كاشف بدري من الحضور الاستماع لتلك الأغنية وقوفاً عندما قدمت لأول مرة. ومنذ تلك اللحظة طفق صديق مدثر يصول ويجول في عالم الشعر فكتب في مجالات وأغراض شتى منها الشعر العاطفي والحب، والشعر الوطني أو السياسي، والدفاع عن كرامة الإنسان، ورثى كثيراً من أصدقائه ومعارفه الذين رحلوا عن دنياه، وهذا لعمري إحساس نبيل امتاز به هذا الشاعر الوفي. سألت الأستاذ صديق مدثر عن العلاقة بين قصيدتيه (ضنين الوعد، والحبيب العائد) وكأنّ السؤال قد أثار قي نفسه لواعج الذكرى فتبسم وتهللت أساريره وقال: يا ابني إنّ ملهمتها واحدة، ولكني عندما كتبت ضنين الوعد وعرضتها على الأستاذ كرف قال لي:( لقد بدأت من القمة، فماذا تراك قائل بعدها؟) وحق لكرف أن يقول ذلك فهذه قصيدة متفردة في الشعر؛ ودعونا نتأمل بعض أبياتها:
أنا إن شئت فمن أعماق قلبي
أرسل الألحان شلالاً رويّا
وأبث الليل أسرار الهوى
وأصوغ الصبح ذوبا بابليّا
لا تقل إني بعيد في الثرى
فخيال الشعر يرتاد الثريّا
كان بالأمس لقانا عابراً
كان وهما كان رمزاً عبقريا
كان لولا أنني أبصرته
و تبينت ارتعاشاً في يديّا
بعض أحلامي التي أنسجها
في خيالي وأناجيها مليّا
ومما يلاحظ على هذه القصيدة أن حرف الروي فيها هو " الياء" وقيل إن هذا نداء يدل على ضعف وانكسار يتناسب وحالة الشاعر العاطفية، ولعل هذا ما نجده عند شعراء كثر قالوا الشعر في موقف ضعف مثل الشاعر الجاهلي عبد يغوث بن وقاص الحارثي الذي وقع أسيراً في إحدى معاركه مع قبيلة تَيْم فقال ـ في قصيدة ـ يطلب منهم إطلاق سراحه :
ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا فما لكما في اللوم نفعٌ ولا ليا
ألم تعلما أن الملامة نفعها قليل وما لومي أخي من شماليا
ومثل هذا نجده عند مالك بن الريب التميمي كما أشرنا وهو يرثي نفسه. وحرف الياء هنا مشبع بالفتح الممدود مما يعطي مجالاً لمد الصوت حنيناً، واستغاثةً، وأملاً، وبكاءً ورجاءً، وكل هذه تدل على الضعف الجائز حسب الحالة التي تلم بالشاعر. ونلاحظ ذات الشئ عند مجنون ليلى، قيس بن الملوح حيث يقول في قصيدة طويلة:
خَليلَيَّ لَيلى قُرَّةُ العَينِ فَاِطلُبا إِلى قُرَّةِ العَينَينِ تَشفى سَقامِيا
خَليلَيَّ لا وَاللَهِ لا أَملِكُ البُكا إِذا عَلَمٌ مِن آلِ لَيلى بَدا لِيا
ولم يسلم من ذلك الانكسار العاطفي الذي تمليه على الشاعر حالة الوله والهيام حتى محمود عباس العقاد فيقول:
ألا من لنا في كل يوم بفرقة تجدد ليلات الوداع كما هيا
ليال يبيح الدل فيها زمامه ويرخص فيها الشوق ما كان غاليا
وبعد أن غنى الأستاذ الكابلي "ضنين الوعد" ووجدت قبولاً ورواجاً واسعاً، طلب محمد وردي من صديق مدثر أن يكتب له أغنية فجاءت " الحبيب العائد" التي يقول فيها:
عاد الحبيب
فعادت روحي وعاد شبابي
يا شوق مالك ؟ دعني
أما كفاك عذابي؟
لقد شربت دموعي
أما سئمت شرابي؟
عاد الحبيب
فأهدى لكل قلب سلاما
أهدى العيون بريقاً
أهدى الثغور ابتساما
فكيف ينسى فؤاداً
أهدى إليه الغراما
وكيف ينسى محباً
أمسى يذوب هياما
وهذه لعمري كلمات تفيض أملاً وفرحة وتفاؤلاً، وعاطفة جياشة تنم عن صدق المشاعر والحب،مع شيء من العتاب والاعتراف،وتعبير عن فرحة خجولة، وهل يفرح العاشق بشيء أكثر من عودة الحبيب إليه ولقياه؟وستظل هذه القصيدة واحدة من أروع ما قيل في الشعر الغنائي السوداني، بيد إنها لا تضاهي ضنين الوعد فتلك، بشهادة كرف، قمة لا يدانيها شعر غيرها.في القصيدة السابقة ضن الحبيب بالوعد فكانت الشكوى والبكاء، وهنا عاد الحبيب فكانت الفرحة الممزوجة بالأمل والرجاء. ولو لم يكتب صديق مدثر إلا "ضنين الوعد و"الحبيب العائد" و"فتاة الوطن" لضمنت له مكانة مرموقة بين فحول الشعراء، ناهيك عن تجربته الشعرية التي أمتدت لأكثر من نصف قرن .رثى صديق مدثر كثيراً من أصحابه كما أسلفنا، منهم محمد وردي، ونادر خضر، والشاعر محمد حسن حميد بقصيدة يقول فيها:
وشارعكم لئيم الطبع
في حلفٍ مع الزمن
أضاف لحزننا حزناً
ثوى حميدُ بالكفن
فقدنا شاعراً فذاً
يصوغ القول في لحن
يصوغ الدر مطبوعاً
كغريدٍ علي فنن
ولم يقنعْ
فجاء اليوم يرهقنا
بفقد النادر الفطن
وإن كانت " فتاة الوطن" هي بداية رحلة صديق مدثر في مجال الإبداع، فإنّ آخر ما خطه الراحل قصيدة " لوعة الرحيل المفاجئ" في رثاء صديقه السفير/ كمال أحمد داؤود ونقتطف منها هذه الأبيات:
لما ارتحلتَ بلا إيابْ
الشِعرُ أعجزه الكلامْ
وهاله هولُ المصابْ
ولمن سنلجأ بعده
ونروحُ نطرقُ كلَ بابْ
هل من مغيثٍ هاهنا؟
لاشيء يبتدرُ الجوابْ
فلقد مضى الخلُ الوفيْ
وبقيتَ وحدَك والسرابْ
يتميز شعر صديق مدثر، في مجمله، بصدق العاطفة وعدم التكلّف وسمو المشاعر، وسعة الخيال الفني، والرقي بالإحساس الذي يحلق بالقارئ أو المستمع في آفاق الخيال، ولا يرضى بما دون الثريا! وهو كما نلاحظ يبتعد عن الوصف الحسي والغزل المكشوف كالذي نجده عند شعراء الحقيبة حيث يبدو جلياً في هذه النماذج:
خصرو ناحل وزاد جسمي إنحالو
طرفو ناعس نام وطرفي يصحالو
أو كما في قول ود الرضي:
شفت الحسن الحافل، رافل في ثياب العز، والعز كافل
رانع، واحل، تايه، غافل، لادن، هادل، ضامر كافل
هادي، ساكن، آمن قادل بهجه هيبه حاكم عادل
لافح فره وطارح سادل ليل عسعس كاسي الهادل
وكل هذا غزل حسي يعتمد على وصف مفاتن المرأة ولا يتعداها إلى ما هو حسي.
و يقول آخر:
حليل الناسا وناسا طريت أم در حليل ناسا
وكيف انساها وأتناسا ومفتون بي ظبي ناسا


محمد التجاني عمر قش
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة