المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الممكن والمستحيل في ما خص المشكل السوداني
الممكن والمستحيل في ما خص المشكل السوداني
04-06-2013 10:31 PM

منذ 13 مارس الماضي يعيش السودان وأهله حالة تفاؤل حذر بعد ان توصلت حكومتا السودان وجنوب السودان الى اتفاق يعد اختراقا في مسار تطبيع العلاقات بين الجارين اللدودين المسدود منذ أنفصال يوليو/ تموز 2011 . في ابريل 2012 كانت حرب الوكالة بين الطرفين في المناطق الحدودية قد تصاعدت الى صدام مباشر، وكذلك الحرب الاقتصادية بينهما. ففي يناير/ كانون الثاني 2012 قرر الجنوب ايقاف ضخ النفط الذي يشكل نسبة 89% من ايرادات النقد الاجنبي لحكومة الجنوب منقولا لموانئ التصدير عبر السودان بما يوفر له 33 % من الايرادات. لذلك فأن اهم مافي الاتفاق المكون من عشرة أجزاء هما الجزآن الثاني والعاشر المتعلقان بالترتيبات الامنية ( منطقة عازلة مراقبة دوليا ) واستئناف ضخ البترول.
والحق ان دواعي الحذر في التفاؤل لها مبرراتها القوية فالطرفان لم يتوصلا للاتفاق أستجابة لصوت العقل او أنات الجوع حيث اقتصر معظم السودانيين علي وجبتين في اليوم بدلا من ثلاث منذ زمن، وانما تحت الضغط الخارجي الامريكي- الغربي المباشر وغير المباشر، والاممي عبر قرار مجلس الامن رقم 2046 الصادر في مايو 2012 محذرا الطرفين من عقوبات تحت الفصل السابع.
احتمالات الانتكاس أثناء التنفيذ تبقي قائمة بحكم ان طبيعة النظامين الشمولية تتطلب وجود فزاعة الخطر الخارجي لتشديد القبضة علي السلطة. وبينما تفتح حاجة الطرف الجنوبي للدعم الغربي واستعداده اللامحدود للتفاعل مع كافة جوانب النموذج النهضوي الغربي كوة مستقبلية لتطوير نظام ديموقراطي، يظل مثل هذا الاحتمال غائبا فيما يتعلق بالرصيف السوداني ما يبقي عوامل التأزم الداخلي التي تنتجها هذه النوعية من الانظمة ، بأمتدادتها الى الجوار ، فاعلة بتسارع مضاعف. فالنظام السوداني الحالي أسوأ/خير خلف لاسوأ سلف، وريث نظامين إنقلابيين تسلطا علي البلاد لما يقارب الربع قرن منذ استقلال عام 56 ويكاد هو يكمل الان ربع قرن اخر. في صلب هذا الواقع تكمن حقيقة ان تاريخ التحديث في السودان هو تاريخ وقوعه في قبضة الاستعمار الاجنبي بحيث تأسس وعي جماعي يماهي بين الوطنية ومعاداة التحديث، خاصة الذهني والنفسي منه، بدرجات ومظاهر متفاوتة ومختلفة وصلت ذروتها مع تصاعد الحركة الاسلامية بنسختها الحاكمة.
مع سلطة الخديو العثماني وعبر القناة المصرية ( 1822- 1885 ) جاءت اولي مقومات التحديث : الدولة ككيان إداري، الزراعة القطن والاتصالات التلغرافية مصحوبة بخمس مدارس غير تقليدية. ورغم ان " الثورة المهدية " ( 1885- 1898 ) التي انهت الحقبة التركية تبنت بعض أدوات التحديث واهمها المطبعة إلا انها كانت عموما وجوهريا معادية لمغزي تلك المقومات وأثرها التحديثي العقلي والاجتماعي كونها اعتمدت صياغة ايديولوجية دينية- صوفية لرد فعل الكيان المحلي ضد السياسات القمعية والاستغلالية للاستعمار التركي و( أجنبية ) هويته القومية رغم تماثل هويتيهما الدينية.
في المرحلة اللاحقة ( 1898 – 1956 ) كان طبيعيا ان تستلهم حركة الاستقلال الوطني تجربة الثورة المهدية، في مواجهة الكيان البريطاني المتفوق بمراحل وعلي كافة الاصعدة. ورغم التكوين المديني للفئات التي قادت هذه الحركة فكريا وسياسيا، إلا ان ذلك الاستلهام حد من قدرتها علي الفرز بين المقبول والمرفوض في النموذج الغربي كما يشهد الاضمحلال المتمادي للوعي الديموقراطي وبطانته في حداثة العقل والفكر التي وصلت درجة وقوع القطاع الاكبر من النخب السودانيه ( الحديثة ) تحت تأثير اسلاميات تتراوح بين التقليدي والاكثر تقليدية.
هكذا بقي ويبقي التوازن السياسي لمصلحة نظام انقلاب 89 الاسلامي رغم تصدعاته الداخلية بحيث يغدو من المستحيل تصور إمكانية قبوله بالتنازلات الضرورية لتأسيس تسوية تاريخية مع المعارضة، لاسيما بعد عبوره فترة انقطاع شريان النفط الجنوبي الحرجة، تستدعيها بألحاح الاحتمالات شبه المؤكدة للانفصالات القادمة حثيثا من مناطق جنوب النيل الازرق وجنوب كردفان ودارفور.
فاذا أعترفنا بأن المصادر الذاتية المحلية لزيادة وزن القوي المعارضة غير متوفرة حاليا بسبب الضعف الشديد لتيار الدفع الديموقراطي نتيجة أنتفاء شروطه الاوروبية لدينا وعقابيل التداخل بين التحديث والاستعمارين التركي والبريطاني، يصبح الخيار الوحيد أمامها هو الاستعانة بتدخل خارجي مدروس ومؤقت. بغير ذلك، أي الاستمرار بالمهمة المستحيلة لتشكيل كيان معارض يقوم علي افتراض وجود هذا التيار كما هو الحال الان، فأن المعارضة تصبح شريكة للمؤتمر الوطني في التسبب بأنهيار مقومات الوجود الوطني بحكم منطقها نفسه الذي يعزو هذا الانهيار الي هيمنة المؤتمر الاحتكارية علي السلطة.
التدخل الخارجي لم يعد يعتبر أنتهاكا لحرمة دينية أو تابو وطني كما يشهد مجال ماسمي الربيع العربي الزاخر بكافة أنواع استعانة المعارضات بالتدخل الخارجي ضد أنظمة الاستبداد، تارة العسكري المباشر منه كما هو الحال في النموذج الليبي، والمطلوب الان من قبل السوريين بألحاح، واخري بالتدخل غير المباشر متراوحا بين النموذجين اليمني والمصري والتونسي. افريقياً هذا النوع من التدخل وصل حدود طلب العون من دول الاستعمارين البريطاني والفرنسي في ساحل العاج وسيراليون ماأنقذ هذين البلدين، ومعهما ليبريا، من مصير الانهيار الكامل تحت وطأة الحروب الاهلية والانهيار الاقتصادي، نفس الحزمة المحدقة بالسودان. علي الصعيد السوداني نماذج القبول الرسمي بالتدخل الخارجي، حتي العسكري منه امميا وافريقيا، موجودة بكثرة لاطفاء الحرائق في دار فور وابيي بينما يبقي مدخله الى أمكانية أيقاف مد الانهيارات بوضع البلاد علي العتبة الاولي للتحول الديموقراطي، الترياق الوحيد لايقاف المد، مقفلا او غير مطروق .
الصيغة التي تخطر في البال هنا هي توسيع صلاحيات " الالية الافريقية الرفيعة المستوي " المولجة منذ فترة بمعالجة المسائل المعلقة مع الجنوب، مسنودة بدعم غربي - عر بي اقتصادي وسياسي، لتشمل، في الحد الادني، التوصل الى اتفاق مضمون التنفيذ بين الحكومة والمعارضة لاجراء أنتخابات نزيهة. مع العلم بأن تابو امبيكي، رئيس الالية الافريقية، سبق له أن قاد عملية مماثلة في زيمبابوي عام 2009 أدت الى اشتراك المعارضة في التركيبة الحكومية وترتب عليها أنقاذ زيمبابوي من الانهيار الاقتصادي الكامل بنمو يتجاوز الان 7 % سنويا مع انخفاض مستوي حوادث انتهاك حقوق الانسان بينما تتركز الجهود علي تنفيذ الفقرة المتعلقة بكتابة دستور ديموقراطي في الاتفاق.
إمكانية تحقق مثل هذا السيناريو تعتمد بطبيعة الحال ايضا علي وحدة المعارضة استراتيجية وتكتيكا بحيث توفي بألتزاماتها في الصفقة التي ستنتج عن تفاوضها مع المؤتمر الوطني تحت أشراف الاليه الافريقية، بينما يبقي لمن لديه مايقوله " خارج الصندوق"، مثل صاحب هذا المقال، أن يقول كلمته ويمشي ... علي قول السيد المسيح، .

عبد العزيز حسين الصاوي



( جريدة الحياة / الطبعة الدولية )


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 555

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#630864 [ِAli Algarabandi]
0.00/5 (0 صوت)

04-07-2013 08:59 AM
لقد رميت حجرا في مياه ساكنة وسيثير هذا المقال العديد من التعليقات آمل ان تتصدي لها بالرد في مقال آخر. التدخل الدولي السياسي مقبول ويمكن ان يجد الدعم من اطراف محسوبة علي نطام الخرطوم اما التدخل العسكري فهو امر محفوف بالمخاطر ومن الممكن رفضه حتي من قبل بعض اطراف المعارضة كما ظهر ذلك بعد التوقيع علي وثيقة الفجر الجديد.ثم ماذا عن الدور القطري في هذا السيناريو ؟ أرجو تفيدنا برايك في ذلك ياستاذ الصاوي مع فائق الاحترام.


عبد العزيز حسين الصاوي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة