المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
ذكرى الانتفاضة .. الحُلْم والكابوس
ذكرى الانتفاضة .. الحُلْم والكابوس
04-07-2013 07:42 PM

أسهل على المرء أن يتنفس من ثقب إبرة مِن أن يكتب كتابة تقريرية باردة عن ذكرى هي من صميم الوجدان الوطني الجريح، ومن أعماق ذاكرة ملتاعة موسومة بتضحيات من سقوا بذرة الكرامة بدمهم وعرقهم ودموعهم ولم يحصدوا غير الهشيم، ومن استشهدوا من أجل الحرِّية لينعم بها أولياء الدَّم فسُرِقت منهم بليلٍ بهيم.

لم يكن التاريخ الذي سطَّره السودانيون في تلك الأيام من مارس/أبريل 85 مجرَّد كتابة عابرة على الرَّمل .. لم تكن أياماً كسائر الأيام، لهذا تظل بعد ثمانية وعشرين عاماً عصيةً على النسيان، وما أعقبها من ليلٍ بهيم لم يكن فيه قمرٌ كي يفتضح اللصوص وهم يتسلَّلون من النوافذ ويسرقون أغلى ما في البيوت.

لم يكن حدثاً عفوياً ما وقع في تلك الأيّام الخوالد الزاهيات، وإنما كان ثمرة تراكم نوعي وكمي للمقاومة الباسلة ضد نظام مايو .. كان المشهد أُسطورياً لشعبٍ يصنع مجداً ويكتب تاريخاً و"يشرئب إلى السماء لينتقي صدر النجوم"، بعد أن امتلكت مجموعة من مؤسساته المدنية زمام المبادرة عبر تخطيطٍ وإعدادٍ مُحكمَين لتحويل الغضب الشعبي المكظوم إلى فعل سياسي مباشر في مواجهة الشرعية الزائفة والفساد والإستبداد والإحتقان السياسي والإقتصادي والحقوقي والتنمية المُعاقة والدستور القاصر والقوانين القمعية والحاكم الفرد والحزب الواحد، لتتوالى الأحداث عاصفة بشكل دراماتيكي متواتر ومنطقي في الوقت نفسه، فهي إرادة الشعب وكفى .. جموعٌ من الرجال والنساء - شيباً وشباباً - تخرج إلى الشوارع في أعدادٍ تسدُّ عين الشمس، تواجه آلة القمع بالصدور المكشوفة وقبضات الأيدي العارية وملءُ الأفواه هتافٌ نبيل يُعبِّر عن توقٍ إلى الحرية وإلى وطنٍ تسود فيه المساواة والعدالة والسلام والرخاء واحترام حقوق الإنسان وكلُّ شروط الوجود الكريم. تتصدَّى الأجهزة الأمنية للثوار العزّل بالرصاص الحي والهرّاوت والعصيِّ الكهربائية والغاز المسيل للدموع. يسقط شهداء وجرحى وتضيق السجون بالمعتقلين، فيزداد الثوار عدداً وصموداً وتصميماً وتوحداً حول هدفهم، بينما أجهزة الإعلام الحكومية تختزل الحراك الجماهيري غير المسبوق في مجرَّد "غوغاء ومتسكعين وفلول أحزاب عقائدية يُحدِثون بعض الشغب والتخريب". وسط هذه الأجواء وفي ظلِّ المراقبة والملاحقة الأمنية، ينجح قادة التجمع النقابي في عقد إجتماعات يومية متنقلة من موقعٍ لآخر يواصلون فيها الرصد والتحليل والتنسيق ويعرضون مسودة الميثاق على ممثلي الأحزاب السياسية للاتفاق النهائي عليه ويصدرون بيانات التعبئة استعداداً لإعلان الإضراب العام والعصيان المدني، سلاح الشعب الحاسم والمُجرب، وهو ما تمّ مع فوران التنور في شارع القصر صباح الثالث من أبريل لينكسر القيد وينجلي الليل وتظهر نجمة الحرية، تلك النجمة اليتيمة في مجرة الدم والدموع.

إنَّ المثل الذي يقول: "ما يجمعه الحمار يبدِّده القرد" لا يليق بمن نظَّموا ونسَّقوا ومن احتشدوا وواجهوا بكامل الجسارة والبسالة ليصنعوا ذلك الانجاز التاريخي العظيم، لهذا لا يليق أن نسقط هذا المثل عليهم، لكن من يليق بهم المثل هم جوقة الليل الذين وثبوا، مثل القرود، مِن على صهوات الفولاذ ليبدِّدوا ذلك الانجاز، ويحولوا ربيعنا، الذي سبق كل الأربِعة، إلى صيفٍ طويل أخرج الأفاعي والعقارب من جحورها، ويوجِّهوا البوصلة إلى جهة الاستبداد والفساد والخراب والموت والهلاك .. لقد خانوا أبهى ما ترك الأجداد من وصايا .. فالوطن الذي تركه الأجداد لم يكن من زجاجٍ ليتشظى، إنَّه من ترابٍ عذري لطالما أسال لعاب الغزاة، لكنه كان عصياً على التشظي وما من ذرةٍ فيه إلَّا ولها حكاية وتاريخ .. لكنهم قسَّموه وتركوه ينزف من خاصرته، حتى يخال المرء أنَّ الأجداد صحوا من موتهم غضبى ليحتجوا على هذا العقوق ولكن ردَّتهم سقوف قبورهم.

في قصيدته "الأرض اليباب"، يقول الشاعر الإنجليزي ت. س. إليوت: "إنَّ أبريل هو أقسى الشهور، لأنَّه يمزج الذكرى بالحلم"، لكن أبريل الإنتفاضة الذي يفوح شذى ذكراه هذه الأيام كان ربيعياً، ما من شجرةٍ من أشجار "النيم" لم تشارك بوضع أغصانها الرطبة في قبضات المتظاهرين، وما من حجرٍ تسلَّح به المتظاهرون لم ينبت ورداً وعشباً أخضر .. ولئن اختُطِف أبريلنا بربيعه ووروده وبقيت ذكراه يرشح منها الحنين والأنين معاً، فإنَّ حلم الشعوب بالحرِّية والحياة الكريمة لا يُختطَف، وهو آخر ما يموت رغم ما يبدو أحياناً من بعد المسافة بين هذا الحلم وتحقيقه .. فهذا الحلم هو النشيد المُترع برحيق الدَّم، وهو الحداء الذي يُبدِّد وحشة الليل أمام قوافل الشعوب في مسيرها نحو الشمس ونحو النور، والتشبث به هو سرُّ انتصار الشعوب على جلَّاديها عبر التاريخ .. فمنذ اسبارتاكوس إلى آخر مقاوم يواجه بنادق الجلَّاد بالهتاف وصدره العاري، لا تزال هذه الشمس السَّليطة تشرق من أجل الحالمين بالحرِّية والعزَّة والكرامة.

إنَّ الحُلم الذي نتشبث به هو بالنسبة لهم كابوسٌ يقضُّ مضاجعهم وينفي النوم عن أعينهم، لأنَّهم يعلمون جيداً أنَّ هذا الحُلم هو أوَّل ما يسقط من قطرات الغيث على الأرض اليباب، وأنَّه لا يمكن اختطافه أو مصادرته أو تدجينه .. ومهما طال الزمن، لا بدَّ لهذا الحُلم أن يتحوَّل، في لحظةٍ ما، إلى فجرٍ تحتشد في شفقه معاني الحرِّية والعزَّة والعيش الكريم.

عمر الدقير - 6 أبريل 2013
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 569

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#632081 [asd]
0.00/5 (0 صوت)

04-08-2013 11:32 AM
توماس ستيرنز إليوت
أبريل

أكثر الشهور وحشية

فهو يستولد زهر الليلاك من الأرض الميتة

و يخلط الذكرى بالرغبة

ويهيج الجذور البليدة بأمطار الربيع



الشتاء

أبقانا دافئين

مدثرا الأرض بجليد النسيان

مطعما الدرنات الجافة للحياة الجديدة



الصيف

فاجأنا زاحفا نحو "سترانبرجنزي" #1 بزخات المطر

فاحتمينا بممشى الأعمدة

ثم تابعنا تحت نور الشمس إلى " الهوفجارتن" #2

و شربنا القهوة .. و تحدثنا نحو ساعة ...

- Bingar kein Russin , stamm'ans Litanen , echt deutsch #3

- و عندما كنا صغارا مقيمين في "الأرشدوق" - قصر ابن عمي -

حملني على مزلجة ؛ فارتعبت ؛ فقال :

" ماري !! ... تمسكي جيدا يا ماري "

و انزلقنا هابطين بين الجبال .. هناك حيث تحس الحرية

- أ ما أنا فأقرأ جلّ المساء ، و أرتحل للجنوب في الشتاء
مرسلة بواسطة محمد عبدالحي بتاع بيطري في 2:11 م ليست هناك تعليقات:
ما نفعها الجذور إن تشابكت و تصلبت

و أي فروع - من هده الحثالة الصخرية - تراها قد تنبت

يا ابن آدم ...

أنت لا تملك الجواب .. و لا تستطيع أن تخمنه

فما في عقلك غير كومة من المشاهد المشتتة


عمر الدقير
عمر الدقير

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة