المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
نحو مدخل جديد للعمل المعارض
نحو مدخل جديد للعمل المعارض
04-07-2013 09:12 PM

مقدمة:

هذا مقال نقوم فيه بتحليل لعمل المعارضة السودانية، وبصفة خاصة ثورتي اكتوبر وابريل (اكتوبريل)، قمنا بنشره قبل سنوات على حلقتين، ونعيد نشره هنا بمناسبة ذكرى ثورة اكتوبر المجيدة. رأينا في حلقته الاولى أن جميع التشكيلات السياسية بمختلف مسمياتها وتصنيفاتها قد عجزت عن ادارك وفهم طبيعة المكونات الإقليمية والعرقية والثقافية والدينية للبلاد التي يتنازعون في حكمها، وتأثير هذه الحقائق على تحديد الخيارات السياسية المتعلقة بنظام الحكم. كما وصلنا إلى أن العملية الديمقراطية في فتراتها المختلفة غاب عنها ركن هام من أركان الديمقراطية وهو وجود معارضة ذات ملامح واضحة، وكيف اثر ذلك لاحقاً على الممارسة السياسية بشكل عام.
في هذا المقال سنتطرق لعمل المعارضة في عهدي الفريق عبود ونظام مايو، بشيء من التحليل لندرك طبيعة وماهية القوى التي قادت التغيير، وأسباب نجاحها، ونجري مقارنات بين ما حدث من انتصارات أزالت أنظمة الشمولية العسكرية، واختلاف درجات هاتين الانتصارين، وطبيعة النزاع الذي حدث لمعرفة لماذا عجزت الفترتين الانتقاليتين في تنفيذ متطلبات عهد الانتقال إلى الديمقراطية.
المعارضة إبان نظام الفريق عبود:
في 17 نوفمبر 1958 استلمت قيادة الجيش السلطة وتم تنصيب الفريق إبراهيم عبود رئيسا للبلاد. ولم تتغير الأوضاع الاقتصادية، ولم يف المجلس العسكري الحاكم بالوعود السياسية التي كان قد قطعها مع بعض الأحزاب. ومع ازدياد غلاء المعيشة ازداد تعسف النظام وقبضته العسكرية على السلطة، وتم اعتقال الكثير من السياسيين ونفيهم، كما تم تنفيذ أول أحكام بالإعدام على عسكريين أرادوا الانقلاب عليه.
بدأت حركة المعارضة تنشط في الوسط السياسي الذي أصيب بالشلل في السنوات الأولى للنظام نتيجة لعلاقات شائكة بين النظام الجديد والحزبين الكبيرين، وتشكلت جبهة بقيادة حزب الأمة طالبت بإنهاء الحكم العسكري في البلاد فوراً، وإجراء انتخابات جديدة. ردت الحكومة على هذه الخطوات بإلقاء القبض على قيادة المعارضة ونفيهم للجنوب. ومع تنامي مشاعر الاستياء ازدادت حدة العمل المعارض وعمّت المظاهرات والإضرابات التي دعت للإطاحة بنظام الفريق عبود.
ومع تزايد سياسات القمع والقهر التي اتبعها النظام ضد معارضيه، واستمرار الانهيار الاقتصادي في كل السودان وتصاعد حدة الحرب في الجنوب، تصاعدت درجة السخط العام وعدم الرضا، فاندلعت انتفاضة شعبية دعا لها التحالف العريض لجبهة الهيئات المكونة من اتحادات الطلاب والمهنيين والعمال والمزارعين وأساتذة الجامعات ورجال القانون إلى جانب الأحزاب السياسية، حيث نجحت في إسقاط الدكتاتورية العسكرية الأولى والإطاحة بالجيش في 21 أكتوبر 1964، و تم تشكيل حكومة انتقالية للإشراف على انتقال السلطة مرة أخرى إلى حكومة مدنية منتخبة.
المعارضة لنظام عبود لم تكن حكراً على الأحزاب فقط بل شملت جماهير الشعب كله وفئاته المهنية وقطاعات الطلاب، إذ اتسمت هذه الفترة بظهور حركات اجتماعية مطلبية جديدة (الهيئات) لأول مرة على المسرح السياسي السوداني، حيث لعبت دوراً كبيراً في قيادة وتنظيم وتوجيه النضال ضد القمع السياسي، وتسيير المظاهرات وتصعيد شعارات المطالبة بالحريات العامة وعودة الديمقراطية، وشجع على ذلك المناخ العالمي والإقليمي الذي كان متأثراً بالمد الاشتراكي وبروز الحركات النقابية العالمية وتصاعد أهمية دورها في قيادة التغيير السياسي والاجتماعي.
معارضة نظام مايو:
منذ بدايته كان الحكم العسكري المايوي شمولياً ذو نظرة آحادية سعى من خلالها لإحداث تغييرات سياسية واجتماعية في البلاد. ومنذ البداية عارضه الحزبين الكبيرين، اضافة الى جماعة الاخوان المسلمين، لطبيعته الاشتراكية، وبالطبع أيدته النقابات والأحزاب اليسارية الصغيرة وعلى رأسها الحزب الشيوعي والقوميين العرب إن لم يكن هم الذين قاموا بتنفيذ الانقلاب نفسه.
تميز النظام المايوي طيلة عهده بممارسة البطش والعنف ضد معارضيه، حيث امتلأت السجون والمعتقلات بالمعارضين. وإذا كان الفريق عبود هو أول من نفذ حكم الإعدام على عسكريين، فإن النميري هو أول من قام بإعدام معارضين سياسيين مدنيين، منهم الشهداء: عبد الخالق والشفيع احمد الشيخ وجوزيف قرنق، ومحمود محمد طه، كما فقد كثير من المعتقلين حياتهم جراء التعذيب في المعتقلات. ومرت المعارضة بسنوات ضعف وجمود في السنوات الأولى للنظام، أعقبتها عمليات منظمة، لتشتد في سنوات النظام الخمس الأخيرة. وتميز العمل المعارض في هذه الفترة بالمظاهرات والاحتجاجات التي تقوم بها الأحزاب سراً أو علناً أو التي تنظمها الجماهير بصورة عفوية.
ومن جانب آخر كانت هناك المقاومة المسلحة الجنوبية التي انطلقت منذ الستيناتقبل مايو، إلا أنها تميزت بحصر نفسها في المطالبة بتقرير المصير أو الحكم الذاتي ولم تدم طويلا، ونجح نظام مايو في توقيع اتفاق سلام مع حركة تحرير الجنوب عرف باتفاقية أديس أبابا منح بموجبها الجنوب الحكم الذاتي. وأدت الاتفاقية إلى تحسين صورة النظام داخلياً وإقليمياً ودولياً مما أدى بدوره إلى انضمام عدد كبير من النخب السياسية الحزبية له وانسلاخها من أحزابها باعتبار أن النظام المايوي يعمل بصورة حسنة ويستطيع انجاز ما لم تستطعه الحكومات الديمقراطية الأوائل.
وشهدت بداية نظام مايو خروج المعارضة لأول مرة لخارج الحدود السودانية وطلبها الملاجئ في بعض الدول ليصبح ذلك سمة أساسية للمعارضة للأنظمة العسكرية في السودان. واتخذت المعارضة من ليبيا ولندن مواطن لها وتم تأسيس الجبهة الوطنية من حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي والإخوان المسلمين، لتبدأ في إعداد العدة لمنازلة النظام عسكرياً لإزالته من الوجود بالقوة. و بالفعل شنت الجبهة الوطنية في يوليو 1976 هجوماً مسلحاً من ليبيا استطاعت القوات المسلحة القضاء عليه ودحره بعد سلسلة طويلة من حمامات الدم في العاصمة المثلثة، ثم أطلقت عليه سلطة مايو وقتها اسم “هجوم المرتزقة” للنيل منها سياسياً. وهكذا انتهت الجبهة الوطنية وتم تفكيك معسكراتها في ليبيا وأصبحت نسياً منسياً لدرجة أن قادتها العسكريين الذين قدموا أرواحهم مهراً لها مثل العميد محمد نور سعد تم تجاهلهم من جانب القيادات السياسية التي دفعت بهم إلى هذه المغامرة العسكرية.
لم يكن للجبهة الوطنية برنامجاً واضحاً لمعالجة القضايا السودانية سوى إزالة نظام مايو ووراثة الحكم عنه، كما لم تستطع مخاطبة الجماهير بأبعاد العملية وأهدافها والإعلان عن قيادتها، فقد كانت عملية خطط لها في الظلام وتم دحرها في ظلام آخر. إلى جانب ذلك شهدت مايو عددا من الانقلابات العسكرية الفاشلة فاقت الخمس محاولات، تم دحرها جميعاً.
فشلت الجبهة الوطنية في تحقيق أهدافها في إزالة النظام، وبعد حلها شارك اثنان من أعضائها (الأمة والإخوان المسلمون) في سلطة مايو بمقتضى المصالحة الوطنية التي وقعت في نهاية السبعينات، ودخلا في الاتحاد الاشتراكي. وبعد هذه النهاية المحزنة انعدم العمل الجبهوي المعارض للنظام المايوي، وأخفقت محاولات عديدة لتوحيد قوى المعارضة، وانحصر العمل المعارض في ما كان تقوم به قلة من الاتحاديين في الخارج وانعكاساته على الداخل وما قام به الشيوعيون والبعثيون الذين نجحوا في منازلة النظام داخلياً في سنواته الأخيرة. كذلك شن الجمهوريون معارضة قوية في سنتي مايو الأخيرتين حصرت نفسها بدقة في المطالبة بإلغاء تطبيق قوانين سبتمبر التي شوهت الإسلام، ونتيجة لذلك واجه الأستاذ محمود محمد طه تنفيذ حكم الإعدام بابتسامة اشتهرت فيما بعد وأسهمت إسهاماً كبيراً في كسر حاجز الخوف لدى الشعب الذي هب لاقتلاع الدكتاتورية من جذورها في ابريل من نفس ذلك العام.
في هذا الوقت وفي ظل غياب المعارضة الحزبية الشاملة انبرت النخب الاجتماعية الآتية من خارج المنظومات الحزبية إلى قيادة العمل المعارض والنضال ضد النظام الدكتاتوري بعد أن تبين لها عجز النخب الحزبية في القيام بهذا الدور الطبيعي. وانتظمت هذه النخب الجديدة على قيادة النقابات والاتحادات المهنية وتوجيهها بالأفكار السياسية والتنظيمية للقيام بدورها السياسي بمهمة إسقاط النظام الشمولي. وأصبح لكل نقابة ممثلين في قيادة التجمع النقابي الذي أصبحت له فروع في الأقاليم، وتجمع الناس حوله وزادت عضويته باستمرار، وبدأ التجمع يتحول ببطء من نقابات مطلبية إلى حركة سياسية ثورية، يستخدم سلاح الإضراب والعصيان المدني، وله قدرة عالية في تنظيم الجماهير وحشدها لإجبار النظام العسكري على تقديم التنازلات. ومثلما كان للقطاعات الاقتصادية الحديثة نخبها كان “للشماسة” والنازحين من أبناء الشوارع الذي شاركوا في الإضرابات نخبها أيضا. وهكذا أصبح بإمكان المواطن العادي أن يساهم في إجراء تعديلات ديمقراطية على التشكيلات السياسية القائمة، وفي إحداث التغييرات السياسية على المستوى القومي. وحقيقة كانت الحركة النقابية هي أول حركة من نوعها في المنطقة الإفريقية والعربية بتلك القوة والانتظام.
وتحركت هذه القوى الجديدة بهدف توحيد قوى المعارضة على أساس ميثاق محدد (مذكرة أمين مكي مدني) تم إعداده بواسطة قيادات نسقت فيما بينها، بين الخرطوم ولندن والكويت، ولاقت هذه الخطوات تجاوباً عظيماً وسط الجماهير في الداخل. وكان الميثاق ينادي باسترداد الديمقراطية وكفالة الحريات العامة وحل مشكلة الجنوب في إطار ديمقراطي، وتحسين الاقتصاد، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات وإتباع سياسة حسن الجوار وعدم الانحياز. وأخذت المداولات حوله أكثر من عام، اتسمت بالشد والجذب، وكلما زاد النظام من بطشه وقبضته الأمنية، ابتدعت هذه القيادات بدورها أساليباً جديدة وأتت بأفكار خلاقة للمقاومة الشعبية، حتى وضحت ملامحها واكتملت في مارس 1985. وظلت المشاورات لتوحيد قوى المعارضة الحزبية تعاني من فشل مستمر حتى صبيحة 6 ابريل 1985 ساعة بات مؤكدا انتصار القوى الجديدة على النظام الشمولي وإسقاطه، حيث توحدت كافة القوى حول ميثاق التجمع الوطني لإنقاذ الوطن.
انتظمت الإضرابات التي دعا لها التجمع النقابي المظلة التي تحوي النقابات المهنية الممثلة في الموظفين والأطباء والمحامين والقضاة وأساتذة الجامعات وقيادات الطلاب وموظفي البنوك، الذي اتخذ من دار أساتذة جامعة الخرطوم مقرا له. واشتدت حركة المقاومة والعصيان منذ يناير 1985، لتضيق الخناق على النظام باندلاع مظاهرة جامعة أم درمان الإسلامية في 26 مارس التي أطلقت الهتافات بسقوط النظام، ثم أعقبها إضراب القضاة الشهير الذي هز أركان الحكم. وبعد أن بلغ السخط الشعبي ذروته، دعت قيادة التجمع النقابي إلى عصيان مدني شاركت فيه جميع النقابات والاتحادات، شمل كافة أوجه الحياة في المدن السودانية، وأصبحت الشوارع فارغة، وخلت الحياة العامة من أي حركة وأصاب الشلل أجهزة الدولة وعمت البلاد انتفاضة شعبية كبيرة توجت بانتصار صباح السبت 6 ابريل بتدخل قيادة الجيش للإطاحة بالرئيس نميري. لم تلعب قيادات الأحزاب دوراً ظاهراً في تنظيم هذا العصيان المدني والانتفاضة الشعبية، ونسب لدكتور الجزولي قوله أن الأحزاب لم يكن لها دور في ابريل (الصحافة 6/4/2007م). كما تجدر ملاحظة غياب نقابات العمال والمزارعين عن هذا العصيان، وذلك لضعفهما وموالاة قيادتهما للنظامالمايوي الحاكم.
تميز دور الحركات النقابية في هذه الفترة بالمقاومة المستمرة ضد سياسات السلطة، وتعاظم دورها بعد مساهمتها الفعالة والكبيرة والفريدة في إحداث التغيير في ابريل 1985م. وكانت الانتفاضة الشعبية صورة باهرة وعبقرية تفتقت عنها عقول هذه النخبة الاجتماعية الجديدة التي خططت لها ونفذتها وقادتها، فريدة في روحها وملامحها وأفكارها وعكست جسارة في المواجهة قل ما شهد السودان مثلها.
تحليل لثورة اكتوبريل:
يلاحظ انه في خلال الثورتين الشعبيتين (أكتوبر64 وابريل 85) احتلت المسرح السياسي نخبة اجتماعية جديدة تشكلت من قيادات نقابات قطاعات الاقتصاد الحديث (عمال ومزارعون، موظفون،أساتذة جامعات، أطباء، قانونيون، طلاب، الخ..) كان لها اليد الطولى في تفجير الثورة وقصب السبق في قيادتها، وعملت جنباً إلى جنب مع النخب السياسية في إسقاط نظام الفريق عبود، وبالانفراد بإزالة نظام مايو.ولعبت هذه الهيئات والنقابات دوراً سياسياً حاسماً في الثورة والانتفاضة طغى على دورها الاجتماعي المنحصر في محاولة تحسين أوضاع منسوبيها الاقتصادية والاجتماعية، وذلك من خلال تنظيمها لحركة العصيان المدني الشامل التي أدت إلى سقوط الدكتاتورية. وهذا الدور السياسي لم يكن خياراً لها، فقد أجبرت سياسات الأنظمة العسكرية الشمولية النقابات المهنية والاتحادات على لعب دور لم يكن مرسوماً لها في الأصل. وبنفس القدر فقد وضع سقوط هذه الأنظمة العسكرية تجمع الهيئات والنقابات في موضع لم تكن له مستعدة.

كانت هذه النخب الجديدة ترى أنها القيادة الفعلية للثورة والانتفاضة، والمنظمة لحركة المعارضة والعصيان المدني، وان الأحزاب لم يكن لها دور غير المساندة في الساعة الأخيرة، وأنها ما عاد لها دور مستقبلي، وان حركة الجماهير تخطتها، وأنها–أي النخب الجديدة- أحق بتولي السلطة بعد سقوط النظام باعتبارها البديل الذي تنتظره الجماهير، للدرجة التي تغنى فيها شاعر الانتفاضة محمد الحسن سالم حميد بلسانه النقابي:
(لما يا شرف المواكب
يبقى هم الناس إمارة
تندحر كل المناصب
ينكسر كرسي الوزارة
كنتوا وين، وين انتو كنتوا…..)
وقد كان يستهدف بقصيدته تلك قيادات الأحزاب التي لم تشارك في النضال والتي صحت لتوها من غفوة طويلة، مقارنا بينها وبين قيادات النقابات التي أنجزت الثورة وتولت مهمة إسقاط النظام المايوي.
هذا الدور الكبير للنقابات والاتحادات والخلاف الذي نشب بينها وبين الأحزاب يكذب مقولة أنها كانت مجرد عباءة للأحزاب وتابعة لها. صحيح إن الأحزاب كانت تتنافس على الفوز بقيادة هذه النقابات وتدفع بعناصر موالية لها وتقدم لها الدعم، ولكن ما حدث في نهاية المطاف من نزاع وخلاف جدي بين جبهة الهيئات والأحزاب في أكتوبر 64 وبين التجمع النقابي والأحزاب في ابريل 85 حول السلطة واقتسامها، وحول الفترة الانتقالية، وقضايا التحول الديمقراطي، وقضية الحرب والسلام والتعامل معها، يقف خير دليل على وجود نخبتين مختلفتين في الرؤى والأفكار والخلفيات الاجتماعية، ظلتا في خلاف مستمر وظاهر بينهما لدرجة النزاع حول كيف ومن يحكم السودان.
في أكتوبر 64 لم يكن الخلاف بين الهيئات والأحزاب عميقاً بالدرجة التي كان عليها بين التجمع النقابي والأحزاب في ابريل 85، حيث تم حل الكثير من الخلافات في أكتوبر أثناء الإعداد والتنظيم لجبهة الهيئات والترتيب للعصيان المدني، وكانت الثورة قوية للدرجة التي أطاحت فيها بالمؤسسة العسكرية وأجبرتها على الرجوع إلى الثكنات ولم تشركها في الحكم ولو بحقيبة وزارية واحدة.
أما في ابريل 85 فكان الخلاف والنزاع عميقاً بين التجمع النقابي والقوى الحزبية لدرجة يمكن معها القول انه خلافاً بين نخب تمثل البيروقراطية الحزبية ونخب جديدة صاعدة على قمة تجمع النقابات التي تمثل القطاع الاقتصادي الحديث، اخذ وقتاً طويلا حتى الساعات الأولى من صبيحة 6 ابريل 1985 حيث تم توقيع الميثاق الوطني. ونتيجة لهذا التأخير والنزاع بين الفريقين تدخلت القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة لاستلام السلطة والجلوس على عرش الفترة الانتقالية. ولو لم يحدث هذا الشرخ العميق بين هاتين النخبتين لما حدث ما حدث، ولما كان للقيادة العامة للجيش أي دور في ابريل.
وحقيقة كانت تساور النخب الجديدة شكوك كثيرة حول عودة الديمقراطية وانجاز مواثيق الانتفاضة ومتطلبات عهد الانتقال الديمقراطي، بواسطة نفس النخبة السياسية الصغيرة التي فشلت في الحفاظ عليها،ولم يتوقف الأمر عند الصراع حول من هو أحق بالسلطة في الفترتين الانتقاليتين، حيث شهدت تلك الفترات بداية صراع آخر بين النخب الجديدة والقوى الحزبية حيث طالبت كل من جبهة الهيئات والتجمع النقابي برئاسة الحكومة في الفترتين الانتقاليتين، وكان لهما ذلك حيث توليا رئاسة مجلس الوزراء للحكومتين الانتقاليتين في الفترتين 64 و85 على التوالي: سر الختم الخليفة الذي كان يمثل جبهة الهيئات والجزولي دفع الله الذي كان يمثل التجمع النقابي. كما نشب صراع آخر حول طول الفترة الانتقالية سجلت فيه الأحزاب نصراً في المرتين كان نتيجته تقصير الفترتين إلى ستة أشهر وسنة في الحالتين. وتم حسم النزاع حول الحقائب الوزارية بمنح قيادات نقابات العمال والمزارعين والموظفين حقائب وزارية في أكتوبر، وسميت الحكومة بحكومة جبهة الهيئات. كما تمت نفس التسوية بين الأحزاب والتجمع النقابي حول الحقائب الوزارية حيث نال النقابيون وزارات مهمة مثل الخارجية والنائب العام وغيرها.
لم يكن الأمر سهلا بالطبع بعد تحقيق هذين الانتصارين، فقد كان الخلاف والنزاع بين قوى البيروقراطية الحزبية والنخب النقابية الصاعدة عميقاً مما ساهم في تعطيل انجاز قضايا ومتطلبات عهد الانتقال للديمقراطية في الحالتين. وانعكس هذا النزاع سلباً في رفض الحكومة المنتخبة التي أعقبت حكومة أكتوبر لمقررات الاثني عشر التي خرجت من مؤتمر المائدة المستديرة باعتبارها إحدى “بنات أفكار جبهة الهيئات” أو النخب الجديدة التي أصبحت خارج الحكم بعودة الأحزاب للحكم. وتكرر نفس هذا الموقف في رفض حكومة الديمقراطية الثالثة لمقررات مؤتمر كوكادام الذي أتت به قيادات التجمع النقابي باعتبارها القوى الجديدة المنتصرة في ابريل 85. ليس هذا فحسب بل عملت قيادات الأحزاب بعد انتخابها على تهميش قيادات النقابات ولم تشركها في السلطة. وظهر للناس جميعاً وجود مشروعين متناقضينالأول يمثل البيروقراطية الحزبية والثاني يمثل النخب الجديدة الصاعدة، وأن البديل الذي تحقق لم يكن هو البديل المنشود لجماهير الشعب السوداني.
عموماً كان لهذه الثورة الاجتماعية السياسية ودورها في انجاز ثورتي أكتوبريل 64/85 ومشاركة النخب الجديدة في الحكومتين الانتقاليتين وإسهامها الفعال في عودة الديمقراطية، أثره البليغ في إحداث حراك اجتماعي كبير في منتصف الستينات ومنتصف الثمانيناتفي أعقاب الانتصارين، حيث زاد نشاط العمل المجتمعي والمدني بشكل كبير، وظهرت الكثير من الحركات الاجتماعية، والتنظيمات الثقافية والشبابية والنسوية، والمنظمات الإنسانية، التي ظلت تعمل وتزدهر في ظل الانفراج الكبير الذي حدث في الحريات العامة والأجواء الديمقراطية. ولم تتخل هذه الحركات والمنظمات الاجتماعية والثقافية عن دورها السياسي الذي طغى أحيانا على أدوارها الأخرى، وبدأت الأحزاب تتسابق عليها وتتبارى في دعمها وتشجيعها على القيام، وتحاول السيطرة عليها، خاصة وأنها لعبت دوراً كبيراً في تغيير الأوضاع السياسية في البلاد من خلال حركة العصيان المدني.
وبالنظر إلى تجربة انتفاضة ابريل 85 بصفة خاصة، والنزاع الذي حدث بين التجمع النقابي وقيادة الأحزاب يتضح أن النخب السياسية المتمثلة في البيروقراطية الحزبية لم تكن تحمل مشروعاً للتغيير السياسي أو الاجتماعي، بقدر ما كان همها إحكام سيطرتها على العملية السياسية في البلاد. فانحصرت برامجها بعد السيطرة على العملية الديمقراطية على تأمين المصالح الفئوية الضيقة لأفرادها عبر تسخير أجهزة الدولة “الديمقراطية” نفسها. وقد كانت هذه الأهداف الجوهرية للنخب السياسية تتعارض وتتقاطع بشكل كلي مع المصالح الاجتماعية والاقتصادية للشعب بأسره.
هذا المشروع يتناقض بالضرورة مع مشروع النخب الاجتماعية الصاعدة من قيادات التجمع النقابي بكل مكوناته، والمتمثل في مشروع متكامل يسعى إلى تطوير المجتمع بكل فئاته التي يمثلونها، ويهدف إلى الارتقاء بأحوال المواطن بصفة عامة، وحل قضايا الحرب والوحدة الوطنية والحكم. هذا المشروع انعكست ملامحه في مقررات مؤتمرات الانتفاضة ومواثيق التجمع النقابي الصادرة آنذاك ودعوته للمؤتمر القومي الدستوري الذي كان يسعى إلى معالجة قضايا الوطن ككل وإعادة هيكلة الدولة وتأسيسها على أعمدة جديدة.
وقد فطنت النخب السياسية المتمثلة في البيروقراطية الحزبية منذ انطلاقة مظاهرات الطلاب في 26 مارس إلى خطورة الأوضاع من ناحيتين: الأولى ظهور علامات سقوط النظام المايوي، والثانية ظهور برنامج ومشروع وطني جديد يتعارض مع مشروعاتها، تقف خلفه قيادات اجتماعية تظهر لأول مرة على المسرح السياسي السوداني الذي كانت سماته الاحتكار، جاءت في مجملها من خارج البيروقراطية الحزبية، وتمتاز بقدر عال من الاستقلالية وقدرة هائلة على الحركة التنظيمية والإبداع الفكري الخلاق. لذلك نشب الصراع بينهما منذ البداية والذي كانت نتيجته انتصار القوى الحزبية فيه حيث تمكنت في فترة وجيزة من إزاحة هؤلاء الصاعدين الجدد من السلطة بصورة كبيرة وبالتالي القضاء على مشروعهاالوطني وحرمان السودان من فرصة ذهبية كان يمكن لو قدر لها القيام أن تنقل السودان إلى آفاق أفضل بكثير مما هو عليه الآن.
إن عمل النقابات وبصفة خاصة نقابات القطاعات الاقتصادية الحديثة ليست مشروعاً سياسياً في حد ذاته، ولكن في ظل الفراغ الذي حدث إبان العهد المايوي، انبرت هذه القيادات النقابية لملأه، والقيام بدور سياسي لم يكن مرسوما لها في الأصل، بصورة طبيعية جعلت منه تتويجاً لدورها الاجتماعي الأصيل. وبالطبع ليس هنالك فواصل بين ما هو اجتماعي وما هو سياسي. وبسبب هذه النخب الجديدة حدث تغيير نوعي في نظرة الحكومات الانتقالية حيث أدركت أن مصالح الوطن لن تتحقق في ظل الصراعات الحزبية وهيمنتها على العملية السياسية في البلاد، فقامت بإعادة ترتيب الأجندة الوطنية، ووضعت قضية الحرب والسلام والوحدة الوطنية على رأس أولوياتها في تلك الفترة البسيطة من وجودها في السلطة.
وعكست قوة القيادات النقابية التي ظهرت في أكتوبر، وبصفة خاصة في ابريل 85 ودورها العظيم في إزالة الدكتاتورية أن نخب البيروقراطية السياسية داخل الأحزاب كانت تعاني من مشاكل في التجديد ونضب معينها، فلم تستطع تقديم قيادات جديدة. في حين استطاعت النخب الاجتماعية الصاعدة عبر النقابات وتنظيمات القطاع الاقتصادي الحديث أن تقدم قيادات جديدة شهدها الشعب السوداني لأول مرة، وبرنامج وطني جدي لحل مشاكل الوطن المعقدة.
ليس المقصود بالطبع من وراء هذا التحليل الذي ركز على إبراز دور النخب الاجتماعية، التقليل من دور السياسيين أو رجال السياسة الرسميين، فهذا لا يسد مكان هذا، ولا تستقيم ديمقراطية دون احزاب ودون سياسيين، والذي يميز بينهما أن السياسي يتعامل مع القوة بشكل مباشر سواء بصنعها أو تنظيمها أو موازنتها. ولكن ما حدث في أكتوبريل أزال هذا الفارق الأساسي حيث استطاعت نخب النقابات والاتحادات أن تخلق القوة بتنظيمها وتوظيفها لجماهير الشعب، لتواجه بها قوة البطش والدكتاتورية بكل ما اشتهرت به من شراسة وعنف، واستطاعت إلحاق الهزيمة بها، وإسقاطها وإزالتها من الوجود.
ما قدمته من توضيح يصلح كمدخل لرسم خريطة طريق جديدة للعمل المعارض بشكل عام، إذ كان ذلك الوضع يفترض تعاونا تاماً بين النخبتين السياسية والنقابية بدلا من التناحر الذي أنهى ثمرة انتصاراتهما. لذلك فإنني بقدر ما أؤكد على أهمية التعاون بين النخب السياسية والنخب النقابية والاجتماعية المختلفة لضمان نجاح العملية السياسية خاصة إذا كانت عملا معارضاً، أؤكد على ضرورة التنسيق التام والتعاون بينها وبين النخب الاقليمية الجديدة للوصول إلى حل لمشاكل البلاد المصيريةيرضي الجميع. وهذا أيضا يفرض بالضرورة أهمية استصحاب تجربة الحركات الاجتماعية في العمل المعارض ونشر فكر المقاومة الشعبية الذي ابتدعته قيادات تجمع النقابات في التصدي للأنظمة الدكتاتورية الشمولية.
فلا يمكن تصور نجاح عمل معارض تقوم به البيروقراطية الحزبية وحدها في السودان بوضعها الحالي حسب ما ثبت تاريخياً، دون أي دور للنخب الاجتماعية التي تتميز بالقدرة على الحركة والحرية بعيداً عن القيود الحزبية، حيث تلعب هذه النخب دور الوسيط المدني بين بطش السلطة العسكرية الشمولية وبين تطرف المعارضة المسلحة أحياناً، والمشلولة أحيانا أخرى، ومن دون هذه الوساطة تختل العملية السياسية في أية دولة كما اختلت في عهد الإنقاذ الوطني.
إن عملية التغيير الوطني المطلوبة التي تعني إعادة توحيد مكونات الوطن والمجتمع بأجزائه وشرائحه المختلفة، وبث الروح فيها بحيث تصبح قادرة على قيادة حركة الإصلاح السياسي والاجتماعي هي مهمة أصيلة تقوم بها النخب الاجتماعية وذلك لما تتمتع به هذه النخب من وعي كامل ورؤية شاملة بمكونات المجتمع وقضاياه المعقدة. صحيح أن هذه النخب أحياناً تجد طريقها للبيروقراطية الحزبية وتنضم إليها، ولكن في الحالات السودانية في أكتوبر و ابريل اختارت هذه النخب طريقاً آخر..



إبراهيم علي إبراهيم المحامي..
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 703

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




إبراهيم علي إبراهيم المحامي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة