خور كلبي يفتقد أوهو
04-12-2013 12:49 PM

تداعيات

خريف مترع ، تسقط القراقير من ايدي الصغار و تدور علي الارض المبلولة ، في الجباريك ، تلك المزارع الصغيرة ، كانت نسمات الخريف تجادل قناديل عيش الريف و لا تفتأ تعلن رقصتها مع النسمات ، حين كان الاطفال يتفادون البرك الصغيرة بعرباتهم علي مختلف التصميمات ، تلك العربات المصنوعة من السلوك ، عربات السلوك ، بينما كانوا يمارسون تلك الفرحة مقلدين اصوات العربات ، دخلت السوق الكبير افواج من النساء المترنمات و رجال بقرون علي رؤوسهم ، خليط من الجنسين يتحرك مع رقصة -الكمبلا- التي إعتدت فجأة علي حركة البيع و الشراء في السوق و جذبت اليها حتي التجار ، تفرقع سياط الراقصين حين تضرب علي الارض و تكشكش الاقدام التي طوقت بحجول من العلب الصغبرة التي ملئت بالحصي و باخري من اغطية زجاج -الليموناده -، هكذا ، تتدفق النغمات الموسيقية بتركيب ممتع ، يبدو بسيطا و لكنه معقد بما يكفي من عذوبة ، إن صخب تلك الاقدام علي الارض مع حمحمة الراقصين و غناء المترنمات من النساء مع فرقعة السياط بين فترة و اخري ، كل هذه الاصوات قد تاتيك هكذا ، دفقة واحدة ، خرجت رقصة -الكمبلا - فجرا من - كحليات - و وزعت فرحتها علي طول الطريق حتي دخلت سوق كادقلي الكبير .
من وادي تحيط به الجبال يدعي - لوفو- تنحدر المياه ، شلال عبر الجبال ، يمكن ان نلاحظ فعل الماء علي الصخور ، تشكيلات غريبة علي الصخور تؤكد قيمة الزمن و قوة الماء و تحمل الصخر ، تنحدر المياه من هذا الشلال ، تلامس الصخور المبعثرة علي الارض ، حين يسمع اهالي حي - قعر الحجر- هدير المياه يعرفون ان خور- كلبي - بكسر الكاف - قد اعلن حضوره ، قد يأتي مبكرا و قد يتأخر ، لذا دائما ما تتمايز به فصول الخريف ، إن السحابات التي تبكي ببروقها و رعودها علي تلك الجبال قد تتمانع احيانا و قد تهرب ، خور - كلبي - ينتزع الارض التي يمر عليها فيقسم الجزء الغربي من المدينة ، يقسم بين حي -الملكية- و حي -الرديف - و يتعذر تماما ان تصل من حي - البانجديد- الي حي -الموظفين- و من حي - السوق - الي حي - الملكية - ، يطوق خور - كلبي - الجزء الغربي من المدينة منسربا عبر سهول ووديان ، يلتقي بخيران اخري في مسيرته و تنمحي ملامح تلك الخيران في خور -ابو حبل- الكبير .
عادة ما تعجز العربة التي تنقل طلاب مدرسة كادقلي الثانوية العليا- تلو - بكسر التاء - عن اداء مهمتها في توصيل الطلبة الذين هم خارج الداخلية بسبب ذلك الخور الذي يمر بحي - الفقراء - و حي - حجر المك - ، الطلاب تراهم يتجهون في جميع الاتجاهات ، منهم من يحمل حذاءه في يده و منهم من إحتاط لهذا الامر فأقتني شده او جزمة من البلاستيك او كبك او باتا ، خور - حجر المك - يتمتع بالجزء الشرقي من المدينة و يتركها بعد ان يمر بحي - كلبا - بضم الكاف ، و حي - مرتا - ايضا يضم الميم في الجزء الشمالي ، قبل ان يداعب حافة الارض التي عليها قصر الضيافة و سط تلك الحدائق و البساتين التي تتعانق فيها الاشجار ، الاشجار تتعانق عند مدخل و مخرج المدينة الشمالي كأول إشارة جمالية ، تستطيع ان تسمع هديره و انت في موقف اللواري و البصات التي تتجه شمالا ، امام منطقة - الغيط - القديمة ، يتجه خور - حجر المك - شمالا كما اتجه رفيقه خور -كلبي - ، تري هل يلتقيان ؟ .
يميز المسترخون في منازلهم من الاصوات التي تسري عبر هذا الليل المميز بالمطر و القمر ، يميزون صوت - بكري- الملقب ب - أوهو - بضم الالف - و هو يترنم باغنية - هوج الرياخ- للجابري
( الليل الليل
الليل الليل

) الليل يهود بي
عادة حين يقترب - أوهو- من تلك الربوة العالبة عند مدخل حي - الملكية - يتخلي عن تلك الاغنية ليضم شفتيه و يصفر ذلك النغم الذي يستعذبه جدا ، صفارة الكابوي ، و كأنه حين يعتلي تلك الربوة يتقمص احد ادوار - جون واين- او- فرانكو نيرو- كلنت إيستوود ،- أوهو - ياتي دائما من السينما ، لا يفارقها ابدا ، لكن الخريف يعتدي علي مزاجه ويحرض شجنه و حنينه الي عوالم اخري ، هناك ، بعيدة، حيث انها ليست هنا ، يضحك علي طريقة ابطال الافلام ، يحزن و يبكي متمثلا تلك الصراعات التراجيدية النقية ، يمشي كما يمشون داخل ذلك الحائط الابيض المستطيل ، يحلم بمدن وشوارع و بنساء جميلات ، بخيول مجنحة في الفراغ ، كم يتمني ان يمتلك حصانا ، يصيح في اؤلئك الذين يضايقونه بهذرهم صافي النية ، يصيح فيهم و لا ينسي ان يقطب جبينه علي طريق- شارلس برونسون -
شط أب
يمتلك حصيلة من مفردات اللغة الانجليزية ، العامية الامريكية تحديدا ، ما يمكنه من التعبير بها ، يرتدي قبعة من السعف يمليها قليلا الي الامام بحيث تغطي جزء من الوجه فيبدو غامضا ، .
حين حصل - اوهو- علي ذلك البالطو جرب ان يصعد الجبل و يأتي نازلا و في ذهنه تضج تلك الموسيقية التصويرية التي تكثف دخول- ديجانقو - الي المدينة ، ينزل - أوهو - من الجبل ببطء ، تتضايق حين لاحظ ان قدميه تفقدان تلك الجزمة التي هليها النجمة من الخلف فقد كان يرتدي شبشبا مصنوع من لستك إطارات العربات - تموت تخلي - ، إهتزت شخصية الكاوبوي ، تجاوز - أوهو- معضلة الجزمة ، تسامي عليها ، إحتفظ بمشية الكاوبوي ، إنبعثت في داخله تلك الموسيقي ، إنفجر منسجما معها في صفير ممتع ، حين نزل - أوهو- من الجبل ، قرر ان يقطع خور- كلبي - متجها الي نادي -الموردة- ، قرر ان يقطع الخور من حي -الملكية- الي حي -الرديف- حيث كان نادي -الموردة -القديم علي ضفة الخور الاخري ، كان الخور في قمة إندفاعه و كانت تلك الموسيقي التي في دواخله مع صفيره العذب تهون من امر إندفاع المياه ، إقتحم -أوهو- المياه ببط الواثق ، لم يتخل عن صفيره و هو يحس يسرج الحصان تحته ، يقاوم المياه باصرار ابطال السينما ، حين وصل الي منتصف الخور ، وقف مواجها عنف التيار ، المياه وصلت الي وسطه ، وقف ينظر الي هنا و هناك ، يصفر منتشيا ، حين مربه احد السكاري ، صاح في -أوهو-
( يا زول ، الخور ده بشيلك )
نظر اليه - أوهو - و قطب جبينه و تخلي عن صفيره مرغما ليصرخ في وجه هذا السكير
) ( قير أوت منها
بعد ان خرج -أوهو- من خور -كلبي- و اتجه الي نادي -الموردة- ، لم يكن نادي -الموردة- في ذهنه سوس بار من بارات مدينة - تكساس - ، الحضور داخل النادي يتوزع علي العاب -الكوتشينة- و -الضمنه- و بعضهم يتأنسون ـ إنتبه هذا الحضور في لحظة واحدة حين دفع -أوهو- باب النادي ، دفعه بعنف و نظر خلفه الي الباب ، كان متأكد من ان الباب تتأرحج منه الضلفتان رغم ان باب النادي كان من ضلفة واحدة ؟
ضحك الحضور ، كان - اوهو- مبتلا ، يرتدي ذلك البالطو ، القبعة السعفية تغطي جزءا من وجهه ، يقف مباعدا بين ساقيه حتي إنك تستطيع ان تجزم حين تراه واقفا هكذا انه يرتدي حزاما يتدلي منه مسدسان ، استطاع احد الاشقياء ان يعيده الي الواقع حين صرخ مرحبا به ( اوهو) اوهو
حينها خرجت شخصية الكابوي من دواخله و بحضور سريع رد علي ذلك الصائح بأسمه
) ( بطنك فيها بابو
ضحك الحضور ضحكة مجلجلة تردد صداها علي ذلك الجبل القريب ، من بين تلك الضحكة إلتقط -أوهو- عذاب دلوكه كانت تحاول ان تتمرد علي ذلك الليل ، مست دواخله الشفيفة اصوات ينات حي الرديف
( قصدك قصدك
مشتاقين ما لقو
قصدي

فوق السجاير
) ولع لي نحرقو
كم يجذبه الغناء ، لذلك خرج - اوهو- من النادي متجها الي حيث الغناء و قرر ان يرقص هذه الليلة كصعلوك نبيل .
يمر عام
و ياتي عام
و يمارس خور - كلبي- حضوره الموسمي بنسبية مختلفة ، لكن ، حين جاء خور - كلبي - هذا العام التي تلي وقفة - أوهو- بين مياه المندفعة ، جاء خور - كلبي - و كان -أوهو- قد ذهب الي حيث لا رجعة.
وجدوه مستلقيا و بهدوء تلوح علي وجه بقية من تكشيرة لاخر كاوبوي تقمصه .
كان احد الازرار الحديدية في شيشيه الذي ينتعله - تموت تخلي - هذا الزر الحديدي اصابه الصدأ فجرحت قدمه و مات بالتاتنوس ، بكري - أوهو- مات مستلقيا علي برش و بقربه كانت هناك نجمتان من الحديد و بوت قديم مهتريء من ذلك النوع الذي ينتعله العساكر .

[email protected]


تعليقات 11 | إهداء 0 | زيارات 2234

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#637583 [محمد عباس]
0.00/5 (0 صوت)

04-14-2013 01:13 PM
أعدتنى ياأستاذ يحيى لبداية السبعينات فى كادقلى الرائعه حيث بدأت حياتى الدراسيه بمدرسة كادقلى الشرقيه و لا زلت أذكر ذهابنا بعد نهاية اليوم الدراسى لسينما عمر الخليفة لمعرفة ما يعرض هذا المساء و نغشى بعدها سوق كادقلى و نملا شنطنا بالدوم و نعود لمنازلنا بحى الوظفين...يالها من أيام. متعك الله بالصحة و العافيه ايها المبدع.


#637313 [الصابر]
0.00/5 (0 صوت)

04-14-2013 09:59 AM
يا سلام يا يحي فضل الله ,,,,,, كلي ، مرتا ، دمبا، كلمو ، حجر المك ، السرف ، كاتشا بالإضافة للشخصيات التي تستحق لقب أسماء في حياتناعن جدارة أمثال كبي جزلان تعريفة، كوكو ألا مريسة، توتو كورو ، باعوضة ، عوض ك....ألخ


#636379 [سليمان امين]
0.00/5 (0 صوت)

04-13-2013 10:28 AM
انت وحدك من يملك سلطان دوزنة ذاكرتنا الخربه الى عمق زمن دفين جميل ......حزين لن يعود. تحياتى استاذي يحيي.


#636271 [عثمان المقبول]
0.00/5 (0 صوت)

04-13-2013 07:21 AM
إبداع بلا حدود، تصوير وصفي رُباعي الابعاد. تسلم أستاذنا الرائع


#636117 [الجزيرابي]
0.00/5 (0 صوت)

04-13-2013 12:05 AM
الأديب الإنسان يحي فضل الله

تداعياتك .. تداعياتنا .. لنا التشابه في السياقات الإجتماعية والثقافية والبيئية .. ولك التميز في الروي وتقديم التفاصيل المحلية في قالب أدب عالمي. ذكرتني بتداعيات لك عن شخصية أخري من كادوقلي بذات الحضور الآسر والنهاية الحزينة. أسأل الله لك العافية فأنتم الوجه الآخر الجميل لهذا الوطن. وشكرا.


#636076 [عوجة ود ديقم]
0.00/5 (0 صوت)

04-12-2013 10:57 PM
ما أروعك أيها السهل الممتنع وحلو الحديث اليحيى ليحيا


#636049 [الكوشى]
0.00/5 (0 صوت)

04-12-2013 10:01 PM
رااااااااااااااااااااااااااااااااااائع احييييييييييييييييييييك

لك حبى العميق ايها القاص المتفرد


#636019 [حسن على شريف]
0.00/5 (0 صوت)

04-12-2013 09:02 PM
متّعك الله بالصحة والعافية لنقرأ لك المزيد من الروائع والدرر التى تنثرها من حين الى حين . لقد أثرت فينا شجوناً وأنتقلنا معك آلآف الأميال من كندا الى ربوع الجبال الى كادقلى التى كانت , يا ليتها تعود كما كانت يا أستاذ يحي , حيث الجمال فى وجهيه جمال الروح لأهل كادقلى وجمال الطبيعة لمنطقة كادقلى, أتحفنا بمزيد من تلك الذكريات العطرة, علّها تطفىْ قليلاً من أشواقنا التّى ما برحت تراودنا فى أرض المهجر,وغداً ستشرق شمس السلام العادل فى كادقلى الرمز وفى درب من دروبها العامرة سنلتفى يا يحيى لنحيا ما خبرناه من طلاوة وحلاوة الحياة فى كل ربوع جبل النوبة


#635955 [محميد]
0.00/5 (0 صوت)

04-12-2013 07:30 PM
تتجلي العقبرية في حلو الحكي وتداعيات ود يحي ..ماأروعك .. وليه دائما حلو الماضي .. ومااجمل الذكري استاذي ..


#635883 [kuku]
0.00/5 (0 صوت)

04-12-2013 05:16 PM
ذكرياتك ما احلاها ليت الزمن السابق يعود وتعود البسمةلاهل كلبى


#635879 [طارق مختار عبد الجليل]
0.00/5 (0 صوت)

04-12-2013 05:11 PM
الله عليك يا أستاذ يحيى وعلى هذا الإبداع الفريد لى زمان ما إستمتعت بتداعياتك الحبيبة الى نفسي متعك الله بالصحة يا يحيى


يحيي فضل الله
 يحيي فضل الله

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة