ذهان ما بعد الولادة؟!
04-14-2013 04:40 PM


اليوم، وبعد أربعة عشر شهرا من تاريخ توقف إنتاج النفط في دولة جنوب السودان بسبب الخلافات مع السودان حول قيمة رسوم العبور والتصدير عبر الموانئ السودانية، عادت حكومة سلفا كير وأمرت الشركات بإعادة الضخ والتصدير عبر الأنابيب السودانية.
هذا القرار، والذي جاء متأخراً لم يترك بدَّ غير السؤال بأثر رجعي لحكومة (سلفا)، وفي البال معاناة الملايين من الجنوبيين وبينهم مئات الذين شاركوني في الخرطوم انتاج الأغنية المصورة (يوم بيوم نبيع الكمبا) للمطرب الراحل خليل اسماعيل التي اجتهدنا في انتاجها وقمنا ببثها (مجاناً) في عدد من القنوات الفضائية السودانية سعيا لتحفيز الاخوة الجنوبيين للتصويت للوحدة عوضاً عن الذهاب سبيل حالهم قبيل الاستفتاء الذي أتانا بكل أسف إنفصالاً في المحصلة النهائية.
سؤالي، ماذا جنى سلفا وحكومته من قرار إيقاف ضخ النفط سوى المعاناة والحروب بتأثيراتها المدمرة التي لطالما خلّفت البؤس والفقر والجوع لشعب الجنوب؟.
أذكر في بدايات العام الماضي والطائرة تغادر بنا مطار فرانكفورت بعد رحلة قصيرة من مطار هيثرو في العاصمة البريطانية، واذا بخبير نفطي أوروبي الجنسية، شاب في مقتبل العمر يجلس بجواري.. وقبل أن ندخل في ثنايا الحوار والتعارف وتبادل التحايا إجتاحتني مشاعر استياء لأن جاري في الرحلة الطويلة عجمِيٌّ، لا سيما وأني في حالات مغادرتي لعاصمة الضباب أتوق للحديث باللغة الأم.
كانت وجهة الطائرة للخرطوم في رحلة مباشرة من مطار فرانكفورت وكان من البديهي أن جاري سيحط الرحال معي في السودان، سألني من أكون؟، أجبته بعد التحية، فانداح وانشرحت له بدوري تلقائيا في الحديث، ليس فقط لكونه (لندنر) بلدياتي ولكن لأنه المستشار المعني بشؤون النفط في دولة جنوب السودان الوليدة، لذلك ساقني حب الفضول للتركيز معه فهو خير من يحدثني عن ذهان ما بعد الولادة "الحالة التي تُعانى فيها الأم عادة من الهلوسة والأوهام والهذيان" فما بالك ولادة دولة كاملة يرأسها رجل كما هو الحال مع سلفا كير؟!.
كنت دائما أقول في كتاباتي أن المعلومات التي استقيتها في الحل والترحال والمشاركات في المؤتمرات والفعاليات الأوروبية مع الخبراء والساسة والأكاديمين الغربيين الذين تجمعني بهم علاقات عادة ما تكون حمالة أوجه ومحكومة بروح المستعمر وغبنه التاريخي من حادثة مقتل الجنرال غردون، الحادثة الخالدة في الوجدان والعقل الجمعي للغربيين وخصوصا البريطانيين؟.
ما أدهشني في هذا الخبير (المجهول) بالاضافة لغزارة معلوماته التي جاد بها طوعاً، أنه كان صادقاً للحد البعيد بالاضافة لإلمامه وعلمه الكبير بما تكتنزه أراضي دولتي السودان وجنوب السودان من خيرات وثروات نفطية وطبيعية بحجمها الحقيقي. علما بأن هذا الخبير قال لي بالحرف "دولة الجنوب لا خيار أمامها سوى تصدير نفطها عبر أنابيب الشمال"، مشددا على أن فكرة انشاء خط أنابيب للتصدير عبر ميناء لامو الكينية فكرة غير واقعية ولا يسندها منطق علمي في ظل المعطيات الحالية التي تشكلت على خلفية الأزمة الاقتصادية العالمية التي ألقت بظلالها على اقتصادات الدول الحليفة لدولة الجنوب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، هذا مقرونا بحقيقة مفادها أن انشاء الانبوب يتطلب مليارات الدولارات عوضا عن كونه يتعرض لعدد من العقبات الأخرى وعلى رأسها غياب الأمن ناهيك عن العقبات الطبيعية المتمثلة في الغابات والتضاريس القاسية.
الخبير أشار الى أن الدولة الوحيدة التي يمكن أن تساهم الى حد كبير في دعم انشاء المشروع ولكن بعد زوال العقبات الأخرى التي من بينها أيضاً غياب عنصر الأمن هي دولة الصين، بينما الصين ستفكر ألف مرة قبل الخوض في حوار مع دولة الجنوب بغرض إنشاء هذا الخط المزعوم. لا سيما وأن مصالح التنين الحقيقية مع السودان وليس جنوب السودان "باعتباره الشريك الاقتصادي الأكبر في القارة السمراء".
حديث هذا الخبير كان شيقا ومنطقيا، أبعد عني وعثاء السّفر وأرجعني بالذاكرة للأيام التي سبقت الانفصال حين التقيت صحافي أمريكي صديق في لندن بأحد مطاعم (نايتسبريدج) الفاخرة وتداولنا أمر الجنوب في حالة تتحسس إمكانية قبول الخرطوم لنتيجة الاستفتاء من عدمها، وأذكر أني أجبته بكل ثقة أنها ستقبل ولكني أخشى على الجنوب أكثر من خشيتي على الشمال، وقد كان؟!.. فسلفا كير وحكومته وشعبه حالهم اليوم يشابه حال قيس بن الملوح (مجنون ليلى):
بِنَفْسِيَ مَنْ لاَ بدَّ لِي أنْ أُهَاجِرَهْ
وَمَنْ أنَا فِي المَيسُورِ وَالْعُسْرِ ذَاكرُهْ
ومن قد رماه الناس بي فاتقاهم
بهجري إلا ما تجن ضمائره
فَمِن أَجلِها ضاقَت عَلَيَّ بِرُحبِها
بِلادِيَ إِذ لَم أَرضَ عَمَّن أُجاوِرُه
وَمِنْ أجْلِهَا أحْبَبْتُ مَنْ لاَ يُحِبُّنِي
وَباغَضْتُ مَنْ قَدْ كُنْتُ حِيناً أُعَاشرُهْ
أَتَهْجُرُ بَيْتاً لِلحَبِيب تَعَلَّقَتْ
بِه الْحِبُّ والأعداء أمْ أنْتَ زَائرُهْ
وَكَيفَ خَلاصي مِن جَوى الحُبِّ بَعدَما
يُسَرُّ بِهِ بَطنُ الفُؤادِ وَظاهِرُه
***
التحية للقائمين على أمر صحيفة "اليوم التالي" وعلى رأسهم الأخ الزميل الأستاذ مزمل أبوالقاسم، على أمل أن تكون "اليوم التالي" صحيفة سباقة ذات مباديء ومعايير مهنية تَحفَّز جمهور القراء على أمتداد الوطن للاقبال عليها بشغف.
مع التمنيات بالتوفيق

صحيفة اليوم التالي العدد الأول - 14 أبريل 2013
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 706

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#637919 [جوسسه]
0.00/5 (0 صوت)

04-14-2013 06:57 PM
حكم والله قال:(محكومة بروح المستعمر وغبنه التاريخي من حادثة مقتل الجنرال غردون)!!
كدي اولا في زيارتك القادمة لـ(لندنر) بتاعتك أسال في الشارع اول عشرة اشخاص يقابلوك هل يعرفون من هو تشارلس غوردون ووين مات؟ لاتنسى ان تعلمنا بالنسبة المئوية للاجابات الصحيحة!!

كدي يالاعيسر إستخدم (المعلومات التي تستقيها في الحل والترحال والمشاركات في المؤتمرات والفعاليات الأوروبية مع الخبراء والساسة والأكاديمين الغربيين)او موارد ( مطاعم (نايتسبريدج) الفاخرة)!! لإعلامنا عن مخطط الإنتقام من صاحب القناة (العبرية) حصل فيه شنو؟
كسره ثابته:
موضوع دولارات أمن الانقاذ الوصلت للقناه عن طريق تركيا خبره شنو،،إنبلعت؟؟!


خالد الاعيسر
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة