المقالات
منوعات
إضاءات للذاكرة والتاريخ : مولّانا ميرغنى الشايب..
إضاءات للذاكرة والتاريخ : مولّانا ميرغنى الشايب..
04-16-2013 03:18 PM



لطالما كانت كتابة المراثى ثقيلةٌ على القلب والروح تعمّق فداحة الفقد وتشحذ شفرة الحزن ....لذا فقد تخيّرت فى مقالى هذا أن احتفى واحتفل- بعيدا عن الدموع - بمسيرة حياة تستحقّ الإحتفاء لا أن أغوص فى دمع المراثى .. فالرثاء مديحٌ تأخّر عمرٌ كاملٌ!!
احتفى اليوم بسيرة حياة مفرحه تمتلئ بالوطن والناس والصخب والموسيقي والفن والحب ....سيرة حياة لمفكّر ورمز من الرموز الوطنية التى تستحق الاحترام ....فلتكن الدموع إذن للراحلين وليكن كهذا الإحتفاء للخالدين الباقين فينا فرحا وفخرا ودروساً لا تُنسي .....
.....
إذن...بكامل الفرح الذى أهديتنا إياه وكامل الاحترام أكتبك اليوم يا مولانا ميرغنى عبدالله مالك الشايب .....
أكتبك يأيّها الزميل الجميل ليس لزيادة عدد التماثيل التى تحفّنا بالفشل ولكن لملء ثغرات الذاكرة المعطوبة لوطنٍ بأكمله..!!
إضاءة أولى:
الأبيّض مدينه مدهشة ..رمالها تجعلك تقسم فى كل مرّة بأنّك لن تعود إلي هناك....ولكنها تنتصر عليك وتسحبك إليها .
."ناس الأبيّض يا شيراز فى حالة دائمة غريبة من السعاده ...ينتصرون على الفقر والمرض والموت بثبات عجيب"......ميرغنى الشايب .
إرتبط مولانا ميرغنى ارتباط روحى عميق بمدينته ...وظلّ رغما عن قساوة المنافى وسفره إلى ابعد مشارق الأرض ومغاربها وأعتى قلاع الحضارة الحديثه...ظلّ "ميرغنى ودّ الأبيّض"البار الذى يتابع الأخبار الاجتماعية لأهل مدينته بدقّة وإصرار...ويشارك فى الأفراح والأتراح فقد كانت مدينته تلك هى محور ارتباطه الوجدانى بالوطن العريض وكانت ميدان صولاته الطفولية الشقيّة ثم جولاته الشبابيه الثائرة ...وجذوره التى ظلّ يذكرها ويفخر بها فى كل المحافل .....""عرفته في مدينة الأبيّض شاب من مواليد النصف الثاني من الأربعينات, كان ملء البصر في كل المحافل ..عاش وسط أخوة هو خامسهم وخمس أخوات....أسرة عريقة لعميدها الشيخ عبدالله مالك وام هادئة وقور ما رأيتها إلا ضاحكة.
وعلى الرغم من صغر سنه في ذلك الوقت إلا انه كان نشطاً جريئاً لا يهاب الحديث جهراً في وقت صمت فيه الناس.
ثم التقيته في الخرطوم في السبعينات مع أسرته الصغيرة فكان نِعم الجار... الإبن للكبار.. والأخ للشباب >>ثم ظلت علاقتي بميرغني الأخ الأصغر تتغير ...حيث التقيته بالرياض كأخِ أكبر يلجأ اليه الجميع لحل كل أنواع المشاكل.
كان ميرغني رصين الرأي...يعوّل عليه في كل أنواع المشاكل ..(.تنبهت الآن لعدد المرات التي نصحت الآخرين بأخذ رأيه في مشاكلهم الخاصة)...وبنفس القدر كانت رصانة رأيه العمليه في الأوضاع المؤسسية والسياسية....فإذا سمعته يُخيّل اليك انه يتحدث من دراسة مكتوبة ومُحكمة .
عندما تلقّى ميرغنى قاصمة الظهر بفقد مازن إبنه.. لم ينتظرني لأعزّيه بل بادر بدعوتي ليكرّمني في داره العامرة دائماً....

ثم أخيرا ذهبت لأطمئن على صحته...فلم يترك لي الفرصة بل سبقني بالإطمئنان على صحتي وصحة أُختَي المريضتين
فنسيته وطفقت أشكو وهو يبتسم مطمئناً بهدوء الزاهدين!!
كان أخي ميرغني رجلاً متفرداً
عاش للناس والحمدلله..مات معهم
عزائي للأخت سميرة
وللأبناء معتصم ومي
وحسبهم هذه السيرة التي لا تمّحي
وإنا لله وإنا اليه راجعون""..............عائشة موسي
كان مولّانا ميرغنى أحد مجموعة شباب الستينيات ..مجموعه من الديمقراطيين الثوريين الذين اختاروا دربا عصيّا فى تلك الفترة التى شُحِذت فيها السكاكين لذبح الثقافة والمثقفين ...وشنق الديمقراطيين والشيوعيين...فكان معه من خيرة شباب الأبيّض المحامى حاج الطاهر وآخرين من الثوريين الذين شكّلوا ضربة البداية للنضال من اجل الحرية والعدالة الاجتماعية وترقية النضال الطبقي ضد الاستغلال الاقتصادى فأصبحوا بوابة الدخول لكثيرين ممن خطوا دربهم من متعلمين ومتعلمات مدينة الأبيض...........
برغم نعومة أظفارهم وشبابهم الغضّ إلا أن وعيهم كان كبيرا وتطلعاتهم أكبر لوطن يسع أشواقهم للحرية والديمقراطية... بدأوا بمدينتهم المحبّبة فكانوا روّادا للفكر الديمقراطى الثورى فى منطقة كانت تتعبّد فى محراب المشايخ والصوفية وترفض جملة الأفكار التى كانوا ينادون بها ،من واقع اجتماعى دينى طبقي متعسّف ... فتحوّلت الأبيّض فى تلك الفترة الى المدينه التى تسع كل الاختلافات وتحتضن ابنائها من المميزين السياسيين وتعتنق التعدّد الفكرى والسياسي بطريقة حياة بسيطه وأريحية دون أحكام تعسّفيه......
ظلّ ميرغنى واقرانه من اوائل المثقفين الديمقراطيين فى مدينة الأبيّض مشاعل مضيئه فى درب النضال من اجل التغيير الإجتماعى ..ونقطة مضيئه فى تاريخ الحركة الشبابية الديمقراطية لكردفان
إضاءة ثانية :
"لا للإنقلابات العسكرية...نعم للديمقراطية عبر الخيار الشعبي"
هنا يأتى موقفه البطولى الشهير فى وجه الطاغوت نميرى فى ميدان الابيض يناير 1971 فى احتفال الاستقلال والآلاف يصطفون لمشاهدة عرض ردئ للمنعة والعضلات للديكتاتور - سئ الذكر - جعفر نميري وهو فى كامل جبروته مدجّجٌ بالسلطة والعسكر ... والهجمه على الشيوعيين و الديمقراطيين آنذاك فى قمّة شراستها....حينها: وقف طالبٌ نحيل الجسد كثّ الشعر..جهور الصوت لا يمتلك إلّا سلاح عشق الوطن المعافى ...وقف ليهتف فى وجه السلطة المايوية للحرية والديمقراطية ونضال الطبقه العامله...ميرغنى الشايب..حيث كان وقتها طالبا فى المرحله الثانوية , من شباب المدينة البارّين بأرضهم ويحملون همّ الوطن والشعب على أكتافهم النحيلة....وقف ميرغنى مقدّما بيان الحزب الشيوعى السودانى المعروف الذى اعلن فيه - فى نوفمبر 1970- مقاطعته ومعارضته الكاملة لنظام مايو وموقفه الفكرى المناهض للانقلابات العسكرية طالبا من نميري التنحّى عن السلطه وإفساح الطريق لإرادة الشعب وخياراته. ذلك الهتاف الذى أودى به إلى معتقلات النظام الفاشستى فى الأبيّض حيث حوكم ونُقل إلى سجن كوبر كأصغر المعتقلين السياسيين عمرا فى ذلك الوقت.
....مكث في زنزانة الطاغية فزادته تمسّكا بدربه الثورى الذى اختاره مبكّرا ...وخرج أكثر يقينا بقناعاته ..وأكثر اصرارا على النضال من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
إضاءة ثالثة :
لم يثنه العمل السياسي ولا معتقلات النظام عن التحصيل الأكاديمي فقد تفوّق ودخل إلى جامعة الخرطوم حيث كانت مسيرته الجامعية فى بداية السبعينات مهرجاناً من المسرح والفن والشعر والكتابات المميّزة والخطابة والنضال المتواصل مع مجموعه من المثقفين الديمقراطيين فى تلك المرحله امثال الراحل الخاتم عدلان ومحمّد سليمان وآخرين. وبالطبع زُيِنت تلك المسيرة بالزيارات المتكرّرة لمعتقلات النظام المايوي منذ أول أيامه فى الجامعه فقد قاد وشارك فى المظاهرات ضد نظام نميري وقوانينه القمعية حتّى علت وتيرة الملاحقات والتعذيب بعد تخرّجه ...واشتدت سكاكين الذبح السياسي والاقتصادى للمعارضين فخرج مع من خرجوا يحملون الوطن فى حدقات العيون والشوق فى القلب للأرض التى انجبتهم وارتبطوا بها... وضربوا فى الأرض تحتضنهم المنافى بعيدا عن مرامى الحجر العسكرى وقريبا من هموم الوطن ... خرج ميرغنى حاملا على عاتقه مواصلة النضال أينما كان ...وقد فعل ووفّى!
إضاءة رابعه:
عرفته مدينة الرياض – التى استقرّ فيها منذ بداية الثمانينات - مولانا ميرغنى، الذى كان أول المبادرين بإقامة الجالية السودانية فى الرياض...المتحدّث اللبق البارع ...الخطيب الذى لا يشقّ له غبار...المتحدّث بلسانٍ فصيح وحجّةٌ لا تُقارع... خاض مع أقرانه فى تلك الفترة صراع تكوين اول جالية سودانية فى المنطقه وحرصوا على أن تقوم على أسس ديمقراطية تضم ألوان الطيف السياسي والاجتماعى للسودانيين فى الرياض ...وظلّ عبرها يدافع عن حقوق المغتربين ويعمل على استقرار الأسر وتأمين أوضاعهم وعلاقتهم مع الدولة المستضيفه بعيدا عن توتّر مرحلة التسعينات التى شهدت حرب الخليج وتبعاتها من توتّر فى استقرار العلاقات فى المنطقه.واستمرّ منذ تلك الفترة وحتّى ايامه الأخيرة يشكّل بوابة من بوابات الفتح لاستقرار النشاط الثقافى لمجموعات وجمعيات وروابط كثيرة، ثقافيه وإقليمية واجتماعية ..وجسر للتواصل وحلّ الخلافات فى الملتقى وحلقة وصل فى حوار الأجيال والصراع الاجتماعى فشخصيته المميزة التى تضم الحنكه السياسية والعمق الفكرى والثقافى والأريحية والفكاهه كانت المفتاح لكثير من البوابات المغلقه . أمّا بيته الرحب الذى ضم عشرات الجلسات الثقافية الممتعه والحلقات الحوارية والسياسية الهامة،فقد كان ملجأ لكل من تنال منه هموم الغربة ويحنّ إلى سمر الأصدقاء.
إضاءة خامسة :
"واذا كانت النفوس كباراً، تعبت فى مرادها الأجسام"

ميرغنى الطالب الشجاع ،الشاب الطموح، الرجل الحكيم و المفكر المبادر..القانونى الضليع والإقتصادى المتميّز .....المهموم فى ليله ونهاره بالوطن ,مجروحٌ بجراحه حاملا قضايا الحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الانسان همّا دائما ........ كان يحمل فى أحشائه المرض بنفس تلك الشجاعة التى عاش بها طيلة حياته القصيرة الطويلة متوحّدا مع آلامه ومتقبلا لقضاء الله بصبر مثير للإعجاب وصمت رهيب وهدؤ مدهش فلم يشتكى او يعترض قط ولم يستسلم نهائيا لحقيقة مرضه الفتّاكه بل ظل يصارعه ببسالة فائقه فيصرعه مرات ومرات منتصرا عليه بضحكته التى لا تفارق محياه وحبه العارم للحياة حتى ان حالته الطبية
كانت مصدر دهشة الاطباء فى اكبر مراكز العالم واكثرها تقدما ..حيث قدمت له الدعوه اكثر من مرة ليصبح حالة دراسة للبحث والتقصّي فقد كان من اوائل من تغلبوا على نوعية ذاك الداء الخبيث كل تلك السنين وعاشوا حياتهم بطولها وعرضها دون أعراض ومضاعفات.
ظلّ ميرغنى حتى على فراش المنايا قويا مبتسما ...رايته فى المرة الاخيرة ففاجئتنى نحالة جسده وأوشكت الغصّة ان تنال منّى الا انّه بادر بالسؤال عنّى وعن اسرتى الصغيرة والكبيرة وطفق يتحدث عن الأحوال فى السودان وعن العمل العام و عن كل شئ الا الألم والمرض الذى كان يعتصر الحياة من بين ضلوعه شيئا فشيئا.. فخرجت من عنده فى ذلك المساء الموجع وانا حزنٌ يمشي على قدمين يتآكلنى الندم على كل اللحظات التى لم نستمع فيها إلي عقله النابه وإبداعاته الفكرية المتفوقة وعلى كل الأيام التى ضاعت دون ان نسال هذا الشخص الموسوعه عن تاريخه وتاريخنا ومستقبل الوطن المازوم. خرجت افكر فى كل ما قاله وقلناه ...واتحسّر على ما لم يقال.

الوداع الأخير :

هو الموت يسعى إلينا بلا قدم
فى الدجى والنهار
ولدنا له ناضجين , واستدرنا له
فلماذا البكاء ؟:
أتبكى الثمار عندما يقبل
الصيف يحقنها فى الخلايا بنار الدمار؟

- "مبروك البنية يا شيراز ...وسلّمى على الأستاذة ...انشالله تكبر تكون من بنات الوطن البارّات المناضلات المتفوقات "
- " تسلم يا عم ميرغنى ...كيف صحتك انتا "
- "كويس ...أحسن كتير..شوية ورم...بكون من الهم ما من المرض ..."...ضحك ضحكته تلك التى تشى بروحه الساخره المرحه خلف ستار الجديّة وآلام السقام ....

....ودّعته الريّاض أيّما وداع.... موكبٌ جنائزىٌ مهيب ... ضجّت مقابر أمّ الحمام بجموع غير مسبوقه .... فقد بكاه أصدقاؤه وأقرانه وابناء مدينته وزملاء العمل العام ورفاقه فى الحزب والهمّ والوطن من كل الأصقاع ....وبكته الجمعيات الخيريه وبكاه آخرون لا يعلم عنهم أحد ممن طالتهم يده البيضاء الخيّرة فى صمت وفى الخفاء...وممن بذل لهم العطاء على طول حياته فى الريّاض ....المشهد فى ذاك اليوم العصيب كان مشهد قصير يترجم حياته الزاخرة بالعطاء والحب ويحكى عن ميرغنى الكردفانى الأصيل...الأب الحنون..الصديق الجميل..الزميل النبيل والمناضل الصلب ....ورجل الخير السخىّ.....السودانى الصادق فى زمن خواء الشعارات وزيفها....
هو ككل من يموتون -لا نزكّيه على ربّه- ...ولكنّ موته يفتح فى الخاطر نافذة لأسئلة كثيرة ....فإلى متى يموت المناضلون دون ان ينعموا بشمس الحرية التى ناضلوا من اجلها ...
وإلى متى يموتوا ويدفنوا فى تراب الاغتراب القسري والمنافى؟...وأسئلةٌ أخرى.....
..لماذا لم نستكتبه تاريخه الذى هو حقبه زمنية سياسية تفتقر إلى التوثيق الجيّد...وتاريخ حقبة حزبيه هامّه....فقراءة التاريخ بعين النقد والتأمّل قد ينقذنا من السقوط فى حفرة الجهل وفى نفس الأخطاء مرّات ومرّات ......
ظلّ ميرغنى طيلة حياته فى الرياض قبلة القوى الوطنية يطرح الأسئلة والنقاش الجاد ويبادر بالنصح والتدخّل فى الأزمات ...وظل يقول ويردد بأهمية التحالف من اجل الهموم المشتركه للمغترب والوطن ...وينادى بإثراء المنابر الثقافية والأدبية والاحتفالات الوطنية ....
...فأين نحن اليوم من همومه تلك وماذا نحن فاعلون ؟؟
وداعا ابا مازن ....وداعا ميرغنى الشايب .....وماشين فى السكّه نمد من سيرتك للجايين ...


شيراز عبد الحىّ
الرياض – أبريل/ 2013


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 701

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#640331 [watan2]
0.00/5 (0 صوت)

04-17-2013 12:05 PM
الله عليك يت شراز القلم النضيف الساحة محتاجة ليك ولامثالك
متعك الله بالصحة والعافية ودمت للوطن


شيراز عبد الحىّ
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة