المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
تاتشر : " هذه السيدة لا تعرف التحول"
تاتشر : " هذه السيدة لا تعرف التحول"
04-16-2013 06:03 PM


رحلت فى التاسع من ابريل السيدة مارغريت تاتشر التى تولت رئاسة وزراء بريطانيا عن حزب المحافظين من عام 1979 إلى عام 1990، وهى أول امرأة تتولى هذا المنصب في بلادها وتفوز به لثلاث مرات على التوالي في القرن العشرين.

منذ بداية توليها مقاليد حكم بريطانيا سعت تاتشر الى احداث تغييرات جذرية فى مسار اقتصاد بلادها تجسدت فى تقليص الدور المباشر للدولة فيما يتعلق بالنشاط الاقتصادى وذلك بتخفيض او الغاء الخدمات المجانية التى تقدمها الدولة للفقراء وخصخصة المؤسسات المملوكة للدولة ومن بينها وحدات انتاجية كبيرة وتجميد الاجور وادخال ضريبة محلية على الرؤوس (poll tax) وتخفيض الضرائب على شركات القطاع الخاص.

جاءت سياسات تاتشر في سياق التحول نحو اقتصاد السوق الحر وتهدف للخروج من الازمة الطاحنة التى تعرضت لها بريطانيا فى نهاية سبعينات القرن الماضى. وللمضى بانقلابها الاقتصادى الى نهاياته لجأت تاتشر الى انتهاج سياسة متشددة تمثلت فى اصدار القوانين التى تحد من قوة نقابات العمال واسكات معارضيها داخل حزبها بشكل حاسم؛ فهى القائلة عند مخاطبة مؤتمر حزبها (المحافظين) فى 1980: ״ الى الذين ينتظرون بأنفاس محبوسة تلك العبارة التي تحبها وسائل الاعلام - تحول تام - لا يوجد لدى ما اقوله سوى شيء واحد. تحولوا إذا اردتم. هذه السيدة لا تعرف التحول״– The lady is not for turning-

كانت تاتشر صديقة حميمة لجنرال شيلى اليمينى أغوستو بينوشى قاتل سلفادور أليندي، وصاحبة علاقة وثيقة مع رولاند ريجان عراب " الليبرالية الجديدة" ومع أركان نظام الأبارتيد فى جنوب افريقيا. كما شنت الحرب على الارجنتين للحفاظ على جزر "المالوين" كمستعمرة بريطانية، وساعدت غورباتشوف على التفكيك ”النهائى“ للاتحاد السوفيتى.

ادت ظروف تاريخية موضوعية لظهور تاتشر تجلت فى تصاعد المد اليمينى فى الدول الغربية على اثر انحسار موجة حركة الاضرابات والاحتجاجات العارمة التى فجرها فى تلك الدول العمال والطلاب فى ستينات وبداية سبعينات القرن الماضى. فكل ما كان يحتاج له اليمين فى بريطانيا آنذاك للجم الحركة الشعبية هو شخص من أفراد الطبقة الوسطى مثل مارغرت تاتشر لا يعرف معنى للحياة غير الشغف بترقية مصلحته الشخصية باللجوء لشتى اساليب الدهاء والسلوك الفظ تجاه من يقفون فى وجهه؛ وهذا مافعلته تاتشر للصعود لرئاسة حزب المحافظين وما زال الناس يذكرون تصريح تاتشر الشهير الذى يلقى ضوءاًً على خلفيتها الاجتماعية عندما قالت بانه ״ لا يوجد شيء اسمه مجتمع. يوجد أفراد سواء كانوا نساء او رجالا، وهناك أسر.״
————————

على اثر موت تاتشر سيرت مجموعات من مَنْ يسمون انفسهم باليسار احتفالات بهذه المناسبة فى لندن فتحت فيها زجاجات الشمبانيا والتغنى باغنية "ماتت الساحرة". ولم يبدو على المحتفين وعياً لا بامر الماضى ولا الحاضر. فبينما هم منهمكون فى ترديد الاغنية القديمة وعلى مسافة غير بعيدة عنهم كان البرلمان البريطاني يعقد جلسة لتأبين تاتشر اجمع فيها زعماء حزبى المحافظين والعمال على الدور الغير عادى لتاتشر فى مواجهة الازمة التى مرت بها بريطانيا وعلى سلامة سياساتها الخارجية وسياسات التحرير الاقتصادى. وفى الجلسة أكد رئيس حزب المحافظين و رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون على ان سياسات تاتشر أخرجت بريطانيا من عنق الزجاجة وجعلتها دولة عظمى مرة اخرى وقال إد مليباند زعيم حزب العمال إن تاتشر قامت بإعادة ״صياغة السياسة لجيل كامل.״ ووصفها زعيم حزب الديمقراطيين الليبراليين ونائب رئيس الوزراء البريطاني نيك كليغ بانها ״ رسمت معالم السياسة البريطانية الحديثة.״

بعد رحيل تاتشر لم تتخل بريطانيا عن ساسيات الليبرالية الجديدة، وربما بدون الحدة التى كانت تتبعها فى تسيير الأمور. فالحكومات البريطانية التى اعقبت تاتشر كانت شريكاً اساسياً للدول الغربية فى سياسات فرض هيمنتها الاستعمارية عن طريق تدمير دول بكاملها (العراق كمثال)؛ كما ظلت بريطانيا تشهد منذ اربع سنوات، نتيجة لسياسات التحرير الاقتصادى، زيادة في العبء الضريبي على مواطنيها واجراءات تجميد الأجور وتقليص العمالة والتدهور فى المستوى العام للمعيشة. والامر سيان فى ظل حكم المحافظين او حزب العمال.
————————
انتظر كثير من الناس رد فعل آرثر سكارغل، رئيس اتحاد عمال مناجم الفحم فى بريطانيا للفترة 1982-2002، حول وفاة تاتشر. وسبب الاهتمام هو ان سكارغل كان قائد اضراب عمال المناجم الذى استمر لعام كامل 1984-1985 ضد برنامج وضعه مجلس الفحم الحجري القومي لاغلاق عدد من المناجم رفضت تاتشر ادخال تعديلات عليه. كشف الاضراب تفاقم التناقض بين العمل المأجور والرأسمال تحت تشريعات الليبرالية الجديدة. كان سكارغل متحدثاً صريحاً ضد سياسات تاتشر الخاصة بمعاداة العمل النقابى وهضم حقوق العمال، ولكن لما لم يجد الدعم من خارج النقابة وبالاخص من حزبه (حزب العمال) هُزم الاضراب.

لم يكن آرثر سكارغل من الذين تستهويهم سخافات مَنْ رقصوا على قبرها، فكل ما صدر عنه حتى الآن
هو رده على رسالة الكترونية بعث بها اليه أحد اصدقائه تقول: ماتت تاتشر. فقد كان رده: سكارغل ما زال حياً.



[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 905

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#640177 [مجودي]
0.00/5 (0 صوت)

04-17-2013 10:14 AM
لا زلت اتذكر إضراب عمال الناجم البريطانيين

وسكارجيل وتضامن سائقي الشاحنات وبعض النقابات الأوربية معهم

والصمود القوي لتاتشر في وجههم ، وفي النهاية شعور إسكارجيل

بالهزيمة وإنزواءه بعيدا ...

مقال جيد ...

بس يا شيخنا والله لولا الإنجليز "السخيفين" ديل اللي قالوا

حنرقص في قبرها ما كنا عرفنا إنو فعلا ما زالت مرارة عهد تاتشر

لسع قاعدة في حلوق الناس حتى الأجيال الجديدة منهم.


د. محمود محمد ياسين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة