انفلونزا البنات
04-20-2013 03:32 AM


لا أحد يمكن أن يماري, فيما تراه أعيننا, بأن أبرز ما أنتجه المشروع الحضاري لدولة سودان ما بعد انقلاب يونيو 89 هو ذلك الهتر الكبير من الغناء والعدد الهائل من المغنين والمغنيات من كل شاكلة ولون, ومن كل جهة ووجهة , والذين بلغ احصائهم عند بعض العادين , خمسة الآف ، يزيدون ولا ينقصون ، ينسلون وينتسبون الي كل صنف وفج يمكن أن يخطرعلي البال , اتخذوا لأنفسهم أسماء وصفات وأشكال وقصات وحركات ورقصات .وعرفوا أنفسهم بالقري والمدن والنوادي والبوادي والبلدات والحارات , يظهرون هكذا بلا خبرة ولا حتي استعداد فطري , الا قلة قليلة , لا تكاد تحس بها وسط هذا الهرج العظيم , فتسمع وتشاهد بعد كل حين وآخر بما يسمونه فنانأ , من علي أي طراز من الأسماء والألقاب علي قياس ما تقيس , من مثل عصام أقاشي ورجاء انقاذ وحاتم رقشة وسلوي بوش وحمادة بيبسي ونايله هجليج وهلم جرا,, ثم انك لن تندهش أبدا أن أسكتت المذيعة ضيفها الذي يتحدث في علم العروض أو في مآساة دارفور أو حتي في تفسير آيات بينات كريمات , لتقدم للمشاهدين الفنانة صفاء كبكابية من كلية اصول الدين في أغنية – بريد امتحاناتك –ثم لا تلبث أن تفتح القنوات شاشاتها, وتسود الجرائد صفحاتها, ليعلنوا عن واعد أو واعدة جديدين فلا يزيد أيهما لمجد الغناء السوداني غير خداعنا (بنحن راجعين في المغيرب ) (ودور بينا البلد دا ), والتي ظل شعبنا يستمع الي ترديدهما من ذلك الزمان السحيق الي هذا الراهن الواهن , ولم يجن من ورائها زرعا ولا ضرعا ,كأننا لم نخلق في هذا السودان لغير الغنا والطرب والدواس . هذا إذا تجاوزنا , احتراما للقراء كثيرا من الكلام الهابط والقول الردي والنداءات البذيئة الموغلة في السفاهة والمشافهة ومجافاة الاحتشام التي وردت في غالب أغنيات هذه الحقبة الموسومة بالطيش والهرج .
والغريب أن (الكل ) يرقص ويبشر وينطط فوق ركام مآسينا , كأننا في حاجة الي ( هجيج ) اضافي ,نمسح به عار خيباتنا العظام من مثل عجزنا البائن في اقناع من حولنا بسماع ما ننتج من دلاليك ومزامير ,أوفي دفع فريقنا الرياضي للتحليق في المونديال العالمي , دعك من عجزنا الدائم في اقامة نظام سياسي مستدام أو كتابة عدد من الصفحات نسميها دستورأ لبلادنا يكفينا مقبة الاحتراب أو زراعة , حتي , شوية فتريتة , نكتفي بها من تسول الطعام من الغير, و الذي سبق أن أخبرونا أنهم أحرقوا فواتيرة وذروا رمادها. فما وجدنا ذلك الا محض مغالطات وتغبيش للوعي الجمعي ,فلم يك الا هباء منثورأ.
والمدهش أن ولاة الولايات ووزارء الثقافة والارشاد , تركوا مهامهم الخطيرة وراءهم ظهريا واتخذوا – حين عجزوا عن القيام بها ,وعن فهمهم لمعاني الثقافة الحقة ,سلك أيسر الطرق لخداع الناس وتخديرهم ,فعمدوا الي صرفهم عن قضاياهم الحقيقية باقامة المزيد من المهرجانات واستجلاب الفرق والمغنيات وسكب المزيد من المزيكا والكلم الرخيص في الهواء الطلق – ظانين أنها غاية التثقيف وأنها منتهي التنوير .أما أكثر ما يدهشني ويحيرني هو انخراط عدد من الشيوخ والكهنة ممن كنا نعدهم كبارأ ومثقفين في هذه اللعبة الهائفة المضللة , فتجدهم يتسابقون الي الصفوف الأولي من الملاعب والصالات ويقعون بدنا وروحا في شراك مغنية متزينة, أو صبية شقية, تخجهم خجا وتأزهم أزأ , فتزوغ أبصارهم , وتتطاير عمائمهم وترتجف مراكيبهم من جراء ترديد نفس الأغنيات التي سمعوها في بواكير
صباهم, مغشوشة بعطر الدخان وتراقص الأنوار وتمازج الألوان – ولولوات الصبايا والفتيان.
أننا لا ننكر الطرب وحلو الحديث ,ولا ندعو لسجن المشاهد المفرحة , فذلك ليس من حقنا , ولاندعيه , ولكنا نقول , وليس في فمنا جرعة ماء ,إن ذلك زاد عن الحد , فانقلب الي الضد , وأصبح الشغل الشاغل والقول الفاصل , فاختلط نافعه بضاره , و ثمينه بغثة , فصار لنا ولبلادنا المنكوبة همأ علي هم , وضغثأ علي إبالة .
غير أن أخشي ما أخشاه , علي مثل هولاء الشيوخ, أن يصيبهم في كبرهم , و العياذ بالله , فيروز , ما يمكن أن نتواضع علي تسميته ,, ب ( إنفلوزا البنات ).




[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1244

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#643258 [Salaheldin]
0.00/5 (0 صوت)

04-21-2013 09:45 AM
تحياتي يا أستاذ
غريبة ألا يحفل مقالك بأي مداخلة أو تعليق حتى هذه اللحظة
وهو مقال ربما أكثر مقاربة من جل ما ينشر بهذه الصفحة من مقالات
حقيقة أستطعت أن تلامس الواقع، معريا إياه، دافعا لكل من يدرك لأن يتوارى خجلا من انتماءه لهذا الواقع.


المغيرة التيجاني علي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة